نظرات في القيادة - فهم المشكلة، النظر المستديم، الشخصية الحرة
5- فهم أبعاد المشكلة قبل الانشغال بحلها
يقول أينشتاين: “إذا كان لدي ساعة لحل مشكلة سأقضي خمساً وخمسين دقيقة للتفكير في المشكلة، وخمس دقائق للتفكير في الحل”. يا لها من حكمة لو وجدت لها حملة! قاتل السنة الأمريكان قبل أن يفكروا في أصل المشكلة وأبعادها ونتائجها ومآلاتها. ولو أعطوا أنفسهم فرصة نصف سنة لدراسة مشكلة الاحتلال قبل التفكير في حلها، لأدركوا أن المشكلة ليست في الأمريكان، إنما في الشيعة. ولو فكروا أكثر لتوصلوا إلى أن المشكلة ليست في ضعف القوة العسكرية، إنما فقدان البنية المدنية. كم كانوا سيوفرون من الدماء والأموال والأعراض لو فعلوا ذلك! ولما خاضوا حرب نيابة لم يكسبوا فيها سوى الخسارة ضد عدو بدا لهم أكبر ثم وضعوا حاصلهم في سلة العدو الأخطر.
6- الحوار الداخلي والمطاولة والإصرار على إيجاد الحل
تعترض الكاتب مشاكل فكرية من النوع الذي يستعصي على الحل ابتداءً. فماذا يفعل؟ مواجهة المشكلة بطول التفكير وممارسة الحوار الداخلي أحدى تِقْنيات العثور على الحل. وإليكم هذه القصة الطريفة التي عشتها مع مشكلة استعصت عليّ عدة شهور:
عندما بدأت بتأليف كتاب (لا بد من لعن الظلام) سنة 2001 – ومن طريقتي أنني أعتمد القرآن مصدراً أساسياً، لا سيما في آياته الصريحة (المحكمات) – احترت إزاء الكم الهائل من الآيات الدالة على أصل الموضوع! لا أبالغ إن قلت: إن عدد الآيات الدالة صراحة تبلغ المئات، وبدا ذلك جلياً من عدد الصفحات التي غزتها الآيات عندما شرعت في كتابتها؛ فكيف أقيد ذلك في الكتاب؟ إن اقتصرت على عشر أو عشرين لربما لا ينتبه القارئ إلى ضخامة العدد فيفوته تصور مدى قوة الدليل القاطعة وعظمة حجمه الباذخة. وإن أحصيتها كلها لن أجد من لديه الصبر على قراءتها جميعاً.
فكرت أن أكتفي بجزء واحد من القرآن مثل (جزء عم) فواجهتني المشكلة نفسها وإن بصورة أقل، ثم إن هذا سيصرف القارئ عن آيات كثيرة في مواضع أُخرى ربما هي أدق وأقوى دلالة. وفكرت: لو جربت تصنيف الآيات مجاميع حسب موضوعاتها يكون ذلك أدعى للمتابعة، ويمنحني فرصة جيدة لتقييد عدد كبير من الآيات. لكن ما هي العناوين التي تصلح للتصنيف؟ لم يكن الأمر سهلاً. معضلة جديدة فماذا أفعل؟ هذا والقلم يسطر الآيات، والصفحات تترى! وهكذا ظللت أتنقل من فكرة إلى غيرها. إلى أن اهتديت إلى فكرة عملاقة كانت أساساً خماسي العناصر من أسس الكتاب، لم يكن مني من قبل على بال!
7-ترقيد الفكرة
قد يطول زمن الجهد المبذول حيال مشكلة فكرية دون مخرج. عند ذاك يمكن ترك الفكرة ترقد في خبايا الذاكرة فترة من الزمن، ومنحها فرصة كي تختمر وتتفاعل؛ فإذا هي بعد ذلك تخرج يانعة مكتملة لا تحتاج إلى أكثر من تعديلات وتحسينات شكلية.
عندما استعصت علي ّالفكرة المنقذة في علاج إشكالية كثرة الآيات الدالة على الفكرة الأساسية لكتاب (لا بد من لعن الظلام) لجأت إلى ترك التفكير في المشكلة شهرين أو ثلاثة، وانصرفت لكتابة بقية الفصول. كنت في ذلك أمارس طريقتي العفوية في إنبات الأفكار، وهي حالة تعتريني عندما تتضيق لدي مخارج الأفكار في مسألة ما، فأتركها مدة، وكأنني أستنبتها وأسقيها وأرعاها في زاوية من زوايا العقل تحت مستوى الوعي. ثم فجأة تخرج لي تلك المسألة من مكمنها وكأن قشرة الدماغ تشققت لها فتطل برأسها نبتة واضحة المعالم لا ينقصها إلا شيء من السقي وبعض من الزمن!
هكذا نبعت عندي فكرة تصنيف آيات (لا بد من لعن الظلام) حسب سور أربع: كل سورة تختص بمواجهة دين من الأديان الباطلة الأربعة؛ فسورة (البقرة) تخصصت باليهود، وباستقراء جميع آياتها في ذلك استخلصت منهجاً في مواجهة الباطل يرتكز على خمسة عناصر رئيسة، وزعت عليها كثيراً من الآيات. ثم رحت أطبق المنهج نفسه مع سورة (آل عمران) والنصارى، و(الأنعام) والمشركين، وأخيراً (التوبة) والمنافقين. وهكذا انحلت المشكلة وواجهت التحدي فتجاوزته وتمكنت من الجمع بين وفرة الآيات واستدراج القارئ إلى قراءتها أو – على الأقل – المرور عليها لكن مع أخذ تصور واضح لمدى قوة الدليل وعظم حجمه. هذا مع اكتشاف تلك المنهجية الربانية الخماسية الأبعاد في مواجهة الباطل بمختلف أصنافه. بالطريقة نفسها نبتت عندي، ونمت وترعرعت حتى تمت وكملت، أعظم قاعدة في إبطال دين الشيعة، وكل الأديان المبتدعة، ألا وهي (اتباع محكم القرآن في تأسيس الأصول).
8- اقتناص الفكرة
كثيراً ما تقتحم فكرة نيرة مجال الذاكرة كالبرق دون سابق تفكير. ومن مزاج هذا النوع من الأفكار أنها لا تمر بالذاكرة إلا مساً كمس الحلم سرعان ما يتبخر قبل أن تقدر عليه كما يتبخر الكُحْل([1]) الموضوع على راحتك في الفضاء، وأنها تغادر دون عودة. وغالباً ما يكون المرء أثناء مرورها (الكريم) على حال لا تسمح له بالتفكير فيها، وتثبيتها في طيات الذاكرة. لهذا يصطحب المبدعون ورقة وقلماً أو دفتراً صغيراً يصطادون به شوارد الأفكار قبل أن تتبخر وتتلاشى أو تطير إلى غير رجعة.
يقول محمد بن يوسف الفرَبري راوية صحيح البخاري: كنت مع محمد بن إسماعيل بمنزله ذات ليلةٍ، فأحصيت عليه أنه قام وأسْرَجَ يستذكر أشياءً يُعلِّقها في ليلةٍ ثماني عشرة مرَّة([2]). ومن واقع التجربة لا يمكنني إحصاء كم من الأفكار الشاردة اقتنصتُ وكتبتُ قبل أن تزول، فكانت منها قواعد وتأصيلات وأفكار جددت القديم وأبدعت في الجديد، وصارت أساساً لمقال طريف وكتاب بديع وخطبة ومحاضرة ومنشور نفع الله تعالى به ما شاء!
9-التقاط الفكرة
كثيراً ما تطرق السمع فكرة عابرة يقولها شخص أو تعثر بها في كتاب، لكنها طريفة قوية لها موسيقى فكرية تطرب لها آذان المبدعين وتهتز لوقعها عقول المفكرين. بيد أنها ما زالت مدفونة في خامتها، في حاجة إلى تنقيح واستخلاص وتنمية ومزيد بحث ونقش وتكميل. فمن التقطها ورعاها استخرج منها فكرة عملاقة أو أصلاً عظيماً أو قاعدة جديدة من قواعد العلم والعمل.
كان بدء كتاب (سياحة في عالم التشيع) كلمةً ألقاها صاحب لي ذات يوم من أيام عام 1995. قال: انظروا إلى دين الشيعة تجدوه يتوسع في الملذات من المال والجنس، ويضيق في العبادات. كان يجلس في المقعد الخلفي للسيارة في لحظة نوشك فيها أن نتناوش الجسر الذي على شط الحلة قاصدين بغداد قريباً من آثار بابل. وكان يمكن أن تتعرض لعملية إجهاض بسبب ضوضاء الطريق، أو تمر دون أن تسترعي الانتباه أو تثير الخيال. وبسرعة سللت القلم من جيبي وتناولت دفتر ملاحظاتي الصغير.. ما زلت أذكره: أصفر الغلاف، فيه خطوط سوداء ترمز إلى وجه امرأة، واستودعته هذه الملاحظة الذهبية وأغلقته، ورحنا في نقاش نتفحص ما قال. ثم طفقت – ردحاً من الزمن – أجمع الأدلة والشواهد على هذه الفكرة العظيمة حتى صارت كتاباً فيه قاعدة من أقوى القواعد على بطلان التشيع وإثبات كونه من صنع البشر لا من عند الله جل في علاه. ومن طريف ما يجمل ذكره هنا أن الكتاب ظل يبحث عن عنوان استعصى عليّ سنين، حتى إذا هيأته للتنضيد الإلكتروني استعداداً لتصوير بضع نسخ منه، اضطررت إلى أن أسهر ساعات وحدي في حجرة الضيوف من بيتي في اللطيفية بعد أربع سنين من ولادة فكرته لأختار هذا العنوان المثير: (سياحة في عالم التشيع) من بين عشرين عنواناً كنت قد اعتصرتها وسطرتها أمامي. وما إن انتهيت من وضع العنوان حتى سمعت صوت المسجد القريب يؤذن للفجر!
10- تقليب النظر في التجارب الشخصية
تشكل التجارب الشخصية مصدراً غنياً لاستخلاص الأفكار واكتشاف القوانين الفردية والاجتماعية والسياسية وغيرها، فيما لو أحسن صاحبها عملية تقليب وإعادة النظر فيها. فمن خلال النظر في التجربة الشخصية كان اكتشاف منهجية (التغيير الجمعي) الغائبة عن مناهج الجماعات الدعوية التي شهدناها في الساحة العراقية – على الأقل – والاهتداء إلى علة الصنمية في القيادة، وضرورة الاستفادة من علم النفس والاجتماع.
11-النظر في التجارب الاجتماعية
تجربة المقاومة العراقية أثبتت أن الأزمة وحدها لا تكفي لتحقيق الهدف؛ فاجتماع الناس عند المصيبة -ما لم يكن هناك توحد فـي الرؤية وكفاءة فـي القيادة – سيعقبه الاختلاف والتشتت وضياع الجهد. لهذا قلنا من اليوم الأول لحراك المحافظات السنية: “هذا الحراك ليس حراكنا، إنما هو حراك أهلنا. وهذه الجولة ليست لنا، إنما القادمة إن شاء الله”. بمعنى أننا غير قادرين على قيادته وتوجيهه في اللحظة الحاضرة. وكذلك أي جهة أخرى ستقف عاجزة عن ذلك. وسينتهي نهاية لا يريدها الجميع.
12-الاستقراء
الاستقراء في اللغة يعنى: التتبع. وفـي الاصطلاح: استنتاج حكم كلي من تتبع جزئياته. وهو تام وناقص. فإن كان الاستدلال على الكلي بكل جزئياته؛ فهو استقراء تام، وهو قليل الوقوع. وإن كان الاستدلال على الكلي ببعض جزئياته؛ فهو استقراء ناقص وهو الأكثر وقوعاً. وهي عملية انتقال من الظاهرة إلى القانون الذي يحكمها.
عملياً يتم الاستقراء بقراءة عدة حالات ثم تعميمها.
والاستقراء أيضاً: هو استغراق النظر في مواطن الأثر، بحيث تستوعب مظان البحث دون استثناء. مثلاً دراسة أي ظاهرة من جميع جوانبها أو العناصر الفاعلة فيها. وهي من أعمق وأدق تِقنيات البحث، وطرق اكتشاف الأفكار الخفية، واستخلاص القواعد والقوانين، ومحركات الظواهر الاجتماعية والسياسية وغيرها. وهي دليل إثبات لها فـي الوقت نفسه.
مثلاً حياً من الأحياء فيه ألف عمارة. بعض العمارات ذات أربع طوابق وبعضها ذات ستة طوابق. لماذا هذا التفاوت المنتظم؟ هل من سر؟ عند الدراسة الميدانية تكتشف أن الدائرة المختصة لا تسمح بأكثر من الأربعة. لكن إذا كان البناء على مساحة منخفضة فيسمح بستة طوابق.
بالاستقراء اكتشفنا عدم وجود أصل للشيعة ثابت بنص محكم من القرآن. وبالاستقراء كان اكتشاف قاعدة (توسع الشيعة في الملذات وتضييقهم في العبادات)، وبه تم إثباتها. وباستقراء التاريخ كانت حقيقة أن حضارات العراق جميعاً دمرت على أيدي الفرس أو بواسطتهم. وأن تاريخ العلاقة بين الأمتين تاريخ صراع ودم، وأن الصراع حضاري في طبيعته وطابعه.
ومن طريف ما وقع لي هو أنني وجدت بالشواهد المتكررة أحاديث مدح الفرس مجروحة إما ثبوتاً وإما دلالة. فتفكرت يوماً في حديث مشتهر على الألسنة، طالما ردّدته على منبر الجمعة: (سلمان منا أهل البيت). فقلت: أشك في هذا الحديث، وأرى أنه موضوع؛ وهو يدخل في باب شنشنة الفرس في تعظيم كل ما هو فارسي، والغض من كل ما هو عربي. فحرضني ذلك على البحث عن صحة الحديث فقد يكون هذا من ذاك. فوجدته لا يصح وقد ضعفه جميع العلماء، وقال عنه الألباني: ضعيف جداً. وكذلك كل شخصية تاريخية أوغل الشعوبيون في ذمها فلا بد أن تكون أوغلت في أذاهم والضرب على أيديهم، لا لأنها سيئة في ذاتها. وسيدنا خالد ومعاوية رضي الله عنهما والحجاج والرشيد رحمهما الله أمثلة واضحة لذلك. ويندر أن يستبرئ من لم يستقرئ.
[1]– هذا هو اللفظ العربي الأصيل لكلمة (الكحول) قبل أن تنتقل إلى الغرب ويلوون بها ألسنتهم فتعود إلينا ملتوية.
[2]– سير أعلام النبلاء، 12/404، شمس الدين الذهبي، تحقيق مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1405هـ – 1985م.
13. طول التأمل والنظر في الواقع والمتغيرات والظواهر
طول التأمل في الواقع والمتغيرات والتنقير عن جذورها وأسبابها والسؤال الدائم: كيف حصل هذا؟ وكيف نتجنب هذه المشكلة أو نعالجها؟ أو نحقق هذا الهدف؟ بهذه التقنية اكتشفنا – مثلاً – معادلة تحقيق الوحدة باتباع منهجية (النواة الصلبة)([1]).
المعاناة الحقيقية للواقع، وممارسة المعاناة الفكرية من أجل فهم الظواهر الجارية فيه، والتمعن في عللها، والمحاولة المستديمة لوضع العلاج الناجع لها، مع وضع الأفكار المعتصرة موضع النقاش مستفيدين من التجارب السابقة ونتائجها الراهنة، يضع اليد على خلاصات فكرية رائعة، لا يظفر بها أولئك المنعزلون عن الواقع، أو أولئك الذين يعيشون فيه لكنهم يصرفون عقولهم عن النظر الحر في وقائعه، ويسيرون على أفكار نمطية كأنها مقدسات لا تقبل الاقتراب منها، تكرر نفسها مع آثارها السيئة في دورة لا تنتهي.
ما زالت غالبية الزعامات التقليدية تحلم بإمكانية جمع أصحاب السياسة إلى حملة السلاح في منظومة واحدة. ويرددون عبارة (الجناح السياسي والجناح العسكري) وضرورة التحامهما معاً. وقد عملت أغلب الفصائل المقاومة على التعامل مع من يمتهنون السياسة وإسنادهم من أجل الفوز بمقاعد في مجلس النواب وتسنم قيادة بعض الوزارات والسفارات. ورغم أن الواقع يثبت ضعف جدوى هذه الطريقة؛ فإن هؤلاء ما إن يصلوا إلى هدفهم حتى يركلوا السلّم الذي تسلقوه وانفصلوا عن الفصيل الذي وقف وراءهم.. رغم ذلك ما زالت هذه الفصائل تكرر التجربة الفاشلة نفسها دون أن تفكر في بديل منتج يتجاوز بهم النفق الذي تدهوروا إليه؛ فهم يسيرون من سيئ إلى أسوأ. والنتائج السيئة التي حصلت عليها تلك الفصائل جراء المشاركة في (جبهة التوافق) سنة 2005 لم تمنعها من إعادة المحاولة في (القائمة العراقية) سنة 2010 ثم (قائمة متحدون) في 2014 دون التفكير في حل آخر!
لقد فات هؤلاء أن الأجنحة لا تلصق بالغِراء لصقاً، وإنما تتفرع عن جسم نبتت فيه أصلاً. وإن اقترب هذان الجناحان من بعضهما يوماً، فلمصلحة عابرة سرعان ما تمر فيفترقان. وأن أصحاب المال والسياسة لا يؤتمنون؛ كلاهما تاجر يريد الاستثمار في مصرف السلاح. وأن القيادة لمن يملك المال. وفاتتهم قواعد كثيرة ومعقدة يحتاجون إلى استحضارها كي يبحثوا لهم عن خلاص.
وفاتهم الشيء الأهم من هذا كله، ألا وهو أن الجسم المنبِت للجناحين الجامع لهما مفقود؛ فمن أين ينبت جناح فضلاً عن جناحين؟! ولو كانت لهم عقول حرة متحركة خصبة مشدودة النظر إلى الواقع لعرفوا، أو على الأقل لم يكرروا تجربة كل دلائل الواقع وشواهده تثبت أنها فاشلة!
إن أصل النجاح في منظومة التغيير الشامل هو الجسم المدني. وفي هذا الجسم -بعد تكوينه – يستنبت الجناحان: السياسي والعسكري، ومنه يخرجان، وعنه يتفرعان، وفي حضنه ينموان، وبرعايته يمتدان في الفضاع الرحب وهما يخفقان براية النصر. وتحت قيادته يبقيان على الدوام.
14.واقعية التفكير
لا يتحول العلم إلى معرفة، أي لا يكون راسخاً مرناً منتجاً أقرب للصواب، ما لم يكن نتاج الواقع أولاً، ثم يعرض للتجريب في ذلك الواقع كي يتم تعديله وتحسينه وإخراجه في صورة أقرب ما تكون للصواب. ثم يترك مفتوح النهايات للتطوير والتغيير. من فوائد الواقعية في التفكير التفريق بين الحلم كحالة تزرع الأمل وتشيع التفاؤل ونكتشف في أجوائها الأهداف، وبين أن نتوهم أننا نعيشه واقعاً. فمن عاش الحلم كواقع تحول الواقع البائس الذي يحلم بتغييره إلى حلم يتمناه ولا يلقاه.
الفكر القومي عاش حلم (الأمة العربية) كواقع فلم يزده العمل طبقاً إلى هذا الوهم إلا تردياً وبعداً عن الهدف، وصار الواقع القديم الذي كان يرفضه أمنية هيهات أن تعود، وحالة تبعث الحنين، وحلماً يتراءى للناس في يقظتهم يتمنون عودته يوماً من الأيام ويسمونه بـ(الزمن الجميل). الشيء نفسه حصل مع الفكر الإسلامي الذي يكرر كلمة “الأمة” و”أمة الإسلام” وكأنها واقع معاش، وعندما فتح الناس أعينهم وقد أفاقوا من ذلك الحلم الشفيف وجدوا العدو يستبيح بيوتهم وأعراضهم، ولا من أمة تقف معهم، أو تسمع نداءهم، أو تشعر بوجودهم!
لهذا نقول: “إذا أردت فكن”. التكوين يسبق الإرادة. فمن لم يكن له كيان لا إرادة له، ولا أحد يصغي له. الجميع يرددون: نريد كذا ونريد كذا. لكن كم منهم أدرك هذا القانون فعمل لتحقيقه: “إذا أردت فلا بد أن تكون”؟
والواقعية تمنح الفكر القدرة على التلاؤم مع المحيط بأقل التكاليف. وهذا أحد أسرار سماحة الإسلام، وبعث النبي e “بالحنيفية السمحة”. وتغير الفتوى بحسب الزمان والمكان والأعيان. الواقع هو الذي دفع شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء إلى إطالة النظر في نهي النبي e المرأة عن السفر إلا مع محرم، ليستنبطوا أن علة النهي الخوف على المرأة؛ فقالوا بجواز سفرها دون محرم عند توفر الأمن.
والحاجة إلى تيسير حركة المرأة ماسة من أجل تمكينها من القيام بدورها في عملية التغيير والإنقاذ. واشتراط صحبة المحرم في كل سفر يقيد المرأة ويعيقها عن المشاركة الفاعلة في الإنقاذ، ويزيد من الحرج والتكاليف.
14.اتباع قاعدة ” الطبيب وليس الخطيب “
الطبيب بطبيعة مهنته إنسان عملي؛ يستمع إلى المريض ليكون فكرة عامة عن مرضه ويحصر التشخيص في احتمالات محددة، ثم يقوم بفحصه فتضيق دائرة الاحتمالات، ثم يجري له تحاليل مناسبة فتضيق الاحتمالات أكثر. وهكذا حتى يقع على العلة. فإذا تم له ذلك دخل في مرحلة العلاج توصيفاً، أو تطبيقاً بالإضافة إليه. فتجد الطبيب مشدود الانتباه إلى التشخيص أولاً، ثم وصف العلاج ثانياً، ثم قد يحتاج إلى مزاولته ثالثاً. وتأتي كلمات التطمين كمس على رأس، أو نقش على عرش.
بينما تجد الخطيب مستغرق الهم في بعث حماس السامعين، يحلق بهم في الأعالي، لكنه لا يحسن النزول بهم إلى الأرض. يبني قصوره في السحاب، ويغرس وروده في الضباب. يرسم الأهداف الكبيرة، ولا يضع لهم خطة ولو صغيرة. يهدد ويوعد، لكن زبداً. ويرغي ويزبد لكن بدداً، ويبرق ويرعد ولكن خلباً. كم شهدت ساحات الاعتصام طوال سنة 2013 من خطبة عصماء وخطيب مِصقَع! تدوي تكبيراتهم في ذلك اليباب كأنها قذائف المدافع! يعدون الوعود وينثرون البشارات، حتى قال قائلهم: “والله لينصرنكم الله لأنكم على الحق” قلت: أعوذ بالله من سخط الله؛ ما هذا التألي على العليم الحكيم! وكررها في أكثر من منصة، في أكثر من جمعة. وما هي إلا قليل حتى هبت الرياح على تلك الخيام – وا أسفاه! – فأحالتها خراباً، ولم ينتصر لهم الله!
وهكذا نحن منذ أكثر من مئة سنة! خطباؤنا أولى الناس بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف:2،3)! والسبب أنهم اقتسموا الدين وقسموه فولوا وجوههم شطر (الإيمان) وأداروا ظهورهم لشطر (النصرة). ثم كروا على ما تبقى فشطروه صنفين، أخذوا منهما ما لا يزعج الطرف الشيعي؛ فأخذوا من التوحيد – مثلاً -عمومياته، وتغاضوا عن إنكار شركهم وأباطيلهم، والنكير على طقوسهم وعباداتهم، وخرسوا فلم يتهموهم قط بكل ما حصل للسنة من فظائع، إنما رموا بذلك -عند الاضطرار إلى الكلام -على المليشيات وأمثالها.
لقد كانوا -والاستثناء لا ينكر -أجهل الناس بقوله تعالى: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) (آل عمران:81). ومن لم يأخذ الدين (نصرة) لا يجد نفسه في حاجة إلى معاناة العمل الذي ينهض بالمجتمع، وذلك هو الشطر الأصعب من الدين، الذي يستدعي التفكير العميق لوضع الفكرة وتعيين الهوية وتحديد الأهداف ورسم الخطط وتهيئة الموارد وإعداد العاملين وتحشيد الأتباع وكسب المؤيدين. لهذا يجنح معظم المتدينين إلى الاهتمام بشطر (الإيمان)، من جانبه السهل المتيسر. وهذا في الأعم الأغلب لا يحتاج لأكثر من المواعظ والكلام. وعلى رأس هؤلاء هم الخطباء، فكانوا يقولون ما لا يفعلون! ومن كان كالخطيب في علاقته بقضيته جمد عقله وعقم فكره، فكان أبعد الناس عن تخليق الأفكار. إنما هذا شأن من نظر إلى المجتمع نظر الطبيب إلى المريض، فشخص المشكلة الكبرى، ووضع لها مقترحات الحل، وشمر عن ساعديه لتجربة أي المقترحات أنفع، وأي العلاجات أنجع.
[1]– معادلة توحيد القوى المتكافئة: النواة الصلبة ثم البؤرة الجاذبة ثم الكتلة الغالبة.
- الشخصية الحرة
الأحرار وحدهم يبدون استعداداً للقيادة.
القيادة تعني تحمل مسؤولية الأتباع. ومعظم الناس يتهربون من المسؤولية فيفضلون التبعية والعيش في ظل مسؤولية الغير، وهي من خصال العبيد. وكلما كان المرء أكثر إحساساً وشغفاً بالحرية كان أكثر استعداداً للقيادة. والفكر الأصيل أول صفات القائد، لهذا لا يكون القائد قائداً حتى يكون حراً في كلمته لا يقبل السكوت عليها، ولا يرضى أن تفرض عليه من فوق. من هنا كانت الشجاعة الأدبية من لوازم الفكر القائد؛ فما فائدة فكر صاحبه متردد أو جبان. لهذا يتبع الناس الشجاع المقدام، ويفضلونه على المتردد الجمجام وإن كان أذكى عقلاً وأعمق فكراً.
كان من أسباب قوة مشروعنا تصريحنا منذ وقت مبكر، وقبل الجميع بعبارات وأفكار لم يجرؤ أحد عليها. مثل التصريح بالسنية وعداوة الشيعية، والدعوة اللحوح للفدرالية. حتى إذا دار الزمان وصار الجميع يتكلمون بها ظهر تميز السبق في استشرافه ودقته وقوته.
- الفكر الحر
يحتاج المبدع للأفكار إلى أن يكون إنساناً حراً في فكره، ذا عقل ناقد، بعيداً عن خاصية التقبلية التي تجعل صاحبها مشلول العقل أمام الأفكار الصادرة من العظماء، شعاره “من أنا حتى أنتقد؟”. لكنه مع ذلك يدرك الفرق بين احترام الرأي وتقديسه. يفهم أن قوله تعالى عن المهاجرين والأنصار: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ) (الحشر:10) يعني لا أحد فوق الخطأ غير النبي e ولو كان خيرة أصحابه y؛ فالاستغفار مع معرفة ما يستغفر لهم منه؛ يستلزم ممارسة التصحيح من جانبه الفكري والعملي.
كان شيخ الإسلام حر التفكير؛ لهذا أبدع في الفكر والفقه وكان إماماً من أئمة التغيير والتجديد، احترم من سبقه من العلماء لكن هذا لم يمنعه من النقد والتصحيح والإضافة، وإن دفع حريته ثمناً لذلك. ونظرنا في كتابه (منهاج السنة النبوية) فوجدناه من أفضل ما كتب في الرد على الرافضة. لكن هذا لم يمنعنا من النظر أكثر، فوجدنا الحاجة ماسة إلى أن نفصل بين منهجية نقاش السنة في اختلافهم بين بعضهم، ومنهجية نقاش الشيعة في خلافنا معهم. إن خلافنا مع الشيعة أصولي لا فروعي. وهذا يكفي في حسمه كلمة واحدة: هل الأصل المتنازع عليه يستند إلى دليل محكم من نص القرآن؟ وإذ تفتقر كل أصول الشيعة إلى هذا الدليل فهي باطلة. بينما مجمل اختلاف السنة فيما بينهم فروعي، والفروع يمكن الاستدلال عليها بالدليل الظني من آية تحتمل التأويل، وحديث ظني الثبوت والدلالة، ورأي يرى صاحبه رجحانه، وقياس وغيره من الأدلة المتعارف عليها بين العلماء. وهذا كله خارج دائرة الأصول التي من شرطها أن تكون منصوصاً عليها صراحة في القرآن بالدليل المحكم الذي لا يقبل الاختلاف في الفهم. وقد كتبنا في بيان هذا التفريق المنهجي رسالة (القواعد السديدة في إثبات أصول الشريعة والعقيدة) وطبقناها في كتاب (المنهج القرآني الفاصل بين أصول الحق وأصول الباطل).
هذا التفريق الفاصل بين منهجية نقاش السنة ومنهجية نقاش الشيعة لم يكن حاضراً في كتاب (منهاج السنة) لابن تيمية. وليس ذلك بضائره، ولا هو ممنوعاً علينا. وتفسيرنا لغيابه هو أن شيخ الإسلام عاش في بيئة لا يكاد الشيعة يوجدون فيها، ومن وجد منهم أسرّ بدينه ولم يبده، سوى قلة مقموعة في الجبال. حتى إن تأليفه للكتاب لم يكن بدافع ذاتي منه، وإنما بناء على إلحاح متكرر من الناس، كما ذكر هو ذلك صريحاً في مقدمته. هذا البعد النسبي عن معاناة البيئة الشيعية من الطبيعي أن يُضعف لدى الذهن خاصية التحفز الدائم للبحث والتدقيق. فكانت المنهجية واحدة، وإن جاءت النتائج عظيمة لسعة علم الشيخ وفرط ذكائه وسيلان ذهنه. لكن وضع منهجية جديدة خاصة بالشيعة أضافت وأغنت ومكنت السنة حتى العامي من الرد على علماء الشيعة وبطريقة (الضربة القاضية) دون الحاجة إلى تلك البحوث الشائكة والعلوم المركبة التي لا يحسنها إلا طلاب العلم وشيوخه.
- إعادة النظر في المسلمات
وقريب من صفة (حرية الفكر) صفة القدرة على إعادة النظر في المسَلمات القديمة أو الشائعة، بتفحصها قبل أن تبنيها. وهذا يمنحنا فرصة اكتشاف الفجوات والأخطاء الموجودة فيها. فمن المسلمات الخاطئة بسبب قصورها قاعدة (بدل أن تلعن الظلام أشعل شمعة)، وهذه ما لم تخصص بالقاعدين الذين لا يحسنون غير النقد لها آثارها الخطيرة، فهي التي أنتجت الفكر الترضوي الانهزامي. بل الأصل في بناء الحق أن يُهدم قبله بناء الباطل: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:256).
ومنها القول بأن (قوة العراق في وحدته)؛ فإن هذا القول مستخلص بسذاجة من الأصل المتعارف عليه وهو أن قوة الأشياء في توحدها. دون مراعاة وجود الشيعة في العراق الذي يشبه السرطان بلا فرق؛ والسرطان يبتعد عنه لا يتوحد معه.
ومن المسلمات الاجتماعية التي تدل على بساطة التفكير اعتقاد أن عملية الإنقاذ تبدأ من توحيد الفرقاء؛ بناء على ذلك الأصل. لكن يفوتهم أن (القوى المتكافئة متصارعة بطبعها). فالسبيل إلى توحيدها ليس الوعظ والنصح المجرد والدعوة إلى الجماعة وعقد المؤتمرات والندوات لذلك، دون وجود قوة جامعة تفرض على المجتمعين ما يفرضه الدين والمنطق عليهم قبل ذلك.
التقيت مجموعة من الإخوة السوريين نهاية 2006 من ذوي التوجه (الإسلامي)، فأبدوا استغرابهم من تفرق فصائل المقاومة العراقية. ابتسمت في داخلي من تفرقهم الذي أدمنوا عليه حتى ما عادوا يحسون به، لكنني لم أشأ مجادلتهم في أمر ينكأ جراحهم. قلت لهم: الاجتماع في حاجة إلى عناصر وآليات وظروف، ما لم تتحقق لا يكون. قالوا: أليست فصائل المقاومة في معظمها إسلامية والله يدعوهم للتوحد؟ فقلت: ما بالإيمان وحده يكون التوحد؛ ولو كان الصحابة أنفسهم اليوم في العراق وقد تعرضت دولتهم للزوال ففقدوا الرأس الجامع ما توحدوا. فبدا أنهم استكبروا هذا الكلام واعتبروه جريئاً وقالوا: كيف تقول هذا؟! قلت لهم: يا إخواني، لما اختلف الصحابة وتكافأت قوتهم تفرقوا واقتتلوا، فكانت وقعة الجمل وصفين وغيرها حتى ضم الحسن قوته إلى قوة معاوية فذابت بقية القوى وتمت الوحدة فكان عام الجماعة. وليس في العراق اليوم ما يجبر قوتين على التوحد، ولو توحدت قوتان لن يكونا القوة الأكبر والله المستعان. لم يقتنع الإخوة بقولي يومذاك. ومرت الأيام فوقع السوريون بأشد مما وقع فيه العراقيون من الفرقة والاختلاف والاقتتال! ولله الأمر من قبل ومن بعد.
- النقاش المفتوح
ذات جمعة لم تتح لي فرصة لمناقشة مادة الخطبة التي سألقيها بعد بضع ساعات. التفت إلى ابني محمد ذي أربع السنوات فصرت أدردش معه بما يتناسب وعقله في نقاط تتصل بالخطبة، فقال كلمات قدحت في ذهني فكرة طريفة ما عادت ماثلة في ذهني، ذكرتها على المنبر.
معظم المحاضرات والخطب وجميع المؤلفات أخضعها للنقاش المشترك مع من أتوسم فيه الكفاءة أو الفائدة. وقد يكلفني ذلك شد الرحال لسفر يستغرق في السيارة ساعات ذهاباً وإياباً. وقد استفدت من هذه التِّقنية فوائد لا تقدر بثمن أبداً. وأقرب مثال على فائدة النقاش في قدح الفكر وإنتاج الأفكار البديعة هذا الموضوع الذي بين يديك (تفجير طاقة التفكير)؛ إنه وليد اجتماعين أو ثلاثة اجتماعات ضمت عدة أشخاص كان طابعها الحيرة والتفكير العميق في شأن إعداد مادة ورشة تدريبية عن أمر غير مطروق، فكان هذا الموضوع أحد مواد الورشة. وقد ولد ولادة عسرة بدأت بخربشات على صفحة ورقة نتجت عن خربشات سبقتها. جلست – بعد ذلك – أعيد استيلادها وكتابتها مرة أُخرى وأُخرى حتى استتمت على هذا الشكل، الذي أتركه مفتوحاً للتتغيير والتطوير.
- العصف الذهني
العصف الذهني تقنية فكرية تعتمد على قاعدة “الكم يولد الكيف”. وذلك بتوليد أفكار كثيرة من خلال مجموعة من المشاركين، يطرحون كماً غير محدد من الأفكار العفوية حيال مسألة ما، دون توجيه أي نقد لأي فكرة مهما بدت غريبة أو شاذة أو ساذَجة، وتعليق الأحكام عليها إلى نهاية الجلسة.
ولها ثلاث مراحل أساسية هي:
1 ـ تحديد المشكلة.
2 ـ توليد الأفكار وتقييدها.
3 ـ إيجاد الحل.
بهذه الطريقة تنبثق أفكار كانت مكبوتة أو مخفية بسبب الثقافة السائدة، وقد يكون الحل والإبداع فيها.
- وجود بيئة التفكير القيادي
من الصعب إيجاد فكر قيادي يقوم على الإبداع، وتنميته، وتحويله إلى روح تسري في الجمهور، لا مجرد سطور في كتاب.. دون وجود بيئة تحتضن هذا الفكر وتشجعه وتوفر له مستلزمات النمو والنضوج، وتفتح له قنوات البلوغ إلى أبعد نقطة ممكنة في المجتمع. تقوم هذه البيئة على الأسس التالية:
أ. الحرية: وتعني توفير الأجواء المشجعة لإبداء الرأي بالحث عليه أولاً، واحترامه مهما بدا غريباً أو خارجاً عن المألوف، وشكر صاحبه لمجرد إبدائه.
ب. احترام أعضاء المؤسسة وتقدير عملهم والثناء عليهم.
جـ. إشاعة النصيحة وتشجيعها. ولم أجد كالنصيحة بشروطها شيئاً طارداً للغيبة وسريانها في جسد المؤسسة.
- قلب العبارات المشتهرة
بعض الأفكار البديعة تنتج من قلب العبارات أو المعاني المشتهرة، أو التي تطرح أثناء الحديث أو النقاش.
فعبارة مثل (فاقد الشيء لا يعطيه) كثيراً ما تكون سلبية معرقلة، لا يصح تداولها إلا في نطاق محدود في العمل القيادي. ويمكن قلبها إلى (بل فاقد الشيء يمكن أن يعطيه). وإلى ذلك الإشارة في قوله تعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) (البلد:11) خطاباً لمن لا يملك مالاً ومع ذلك يحضه الرب سبحانه على اقتحام عقبة كبيرة، أتدري ما هي؟ (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) (البلد:12-16)! وكيف لفاقد المال أن يفك الرقاب ويطعم اليتيم القريب والمسكين التريب؟ هل يمكن ذلك؟ نعم يمكن لفاقد المال أن يعطيه ويستحصله ما دام يملك عينين يرى بهما المحتاج فيتقبض قلبه ويحرك لسانه وشفتيه ليدعو القادر على ذلك إلى سد حاجة المحتاج: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (البلد:8-10)؛ بل يمكن أن يكون مثل هذا مصلحاً اجتماعياً مؤثراً: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) (البلد:18،17).
ومؤسستنا نشأت من (تحت الصفر)، أي فاقدة لكل شيء. ومع ذلك أعطت وتعطي، وما زلنا ننتظر عطاءها الأكبر بإذن الله تعالى (فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) (الروم:4).
وقلبنا شعار (لا للطائفية) إلى (نعم للطائفية) منذ سني ما قبل الاحتلال؛ فالطائفية لا تُفَل إلا بمثلها. ثم إن الانتساب إلى (الطائفة المنصورة) الذين هم أهل السنة عز وفخر. وعند التقابل فأهل السنة هم الأمة وغيرهم الطائفة. وها هي الأمة تؤوب إلى نهجها وتثوب لرشدها فتتبنى ملجأة – وا أسفاه! – هذا المنهج العزيز، وستذوق ثماره الطيبة بعد هذه السنين العجاف إن شاء الله.
- اختصار المعاني الجليلة بكلمات قليلة
من أهم صفات الفكر البديع قدرته على اختصار المعاني الكثيرة بكلمات قليلة. مثل: (مشكلتنا شرقية لا غربية، السنة عبادة بلا قضية والشيعة قضية بلا عبادة، الإقليم تنظيم لا تقسيم، القوى المتكافئة متصارعة، حتى تريد لا بد أن تكون وحتى تكون لا بد أن تتكون، إذا تمكنت من قيادة السنة كنت على قيادة العراق أقدر، الثورات فاقدة للصلة بين المحرك والمتحرك..) وهكذا. وهذا يدخل في باب يسميه النبي e (جوامع الكلم) فقال: (أعطيت جوامع الكلم)([1]).
- حسن الصياغة اللغوية
العلاقة بين الوظيفة والجمال ظاهرة كونية ورابطة حميمية. فكل شيء خلق لأداء وظيفة يؤديها بإحكام، لكنه ركب على هيئة جميلة. والتوازن بين إحكام الوظيفة وجمال الهيئة واضح في خلق الله. والمعاني العميقة ما لم توضع بقوالب من الألفاظ جميلة لا تعطي الأثر المنشود. لهذا تكلم البلاغيون عن العلاقة بين اللفظ والمعنى. وقسمموا البلاغة إلى محاورها الثلاثة المعروفة (المعاني والبيان والبديع).
وفي فكرنا المؤسسي نحرص على ذلك عاية الحرص؛ لذلك نتخير للمعاني والمعادلات العميقة صياغاتها الجميلة. مثل: (الخروج على النظام من أجل النظام نظام، القائد رائد، من لم ينفعه نور الوحي أدبته سياط القدر، الفقه فقه النوازل لا فقه الأوائل، المجدد هدام بناء، المال ليس أولاً ولكنه ليس ثالثاً…).



إرسال تعليق