نظرات في القيادة - العلم والصنم، فكر القائد، تفجير طاقة التفكير

الكاتب: الدليميتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 نظرات في القيادة - العلم والصنم، فكر القائد، تفجير طاقة التفكير


القَائِدُ العَلـَم . . وَالقَائِدُ الصَّنَم 

القائدُ والدٌ..

القائدُ العَـلَـم هو أبٌ للمؤسسة: عادل ورحيم. يعمل ضمن منظومة قيادية شوروية، لها آلية محددة في اتخاذ القرار. وفي خلاف ذلك يبرز القائد الصنم، الذي هوفي حقيقته -زعيم مستبد، ورمز أجوف.

عظمة القائد

  • العظيم من جمع حوله العظماء. فهو واحد في منظومة تشبهه وتدانيه. ولعظمته تميز من بينهم. وانظر إلى رسولنا محمد e! وليس العظيم من كان مفرداً في مجموعة من العاديين والبسطاء. على أن الاستثناء وارد لأسباب، كما في حالة نبينا موسى u.
  • ومما قيل في ذلك: “من العظماء من يشعر المرء في حضرته أنه صغير، ولكن العظيم بحق هو من يشعر الجميع بحضرته أنهم عظماء”.

ثقة المنظومة بالقائد

  • الأتباع يثقون بقائدهم طبقاً لمعادلة (الصبر واليقين): (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24)؛ فلولا شواهد الثقة التي يحفل بها تاريخه ما اتبعوه. وبهذا يكون الصبر معه وعليه. وبغير ذلك لا يتم الوصول إلى الهدف. (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح:10).
  • من لم تتوفر لديه أسس اليقين المسبقة بصلاحية القائد لن يصبر على طول الطريق وتكاليفه، ولن يحسن التعامل مع فتنه ومطباته.
  • استقامة القائد أساس الثقة. وبذلك يكون القائد قدوة يؤتسى به. والمؤسسة التي تجد قائدها أو مديرها مستقيماً نزيهاً تتمتع بروح معنوية عظيمة؛ لأن روح قائدها عظيمة. وهذا ينطبق على كل المنظومة القيادية؛ فإن روح العمل في أي مؤسسة تبدأ من قمتها. أما إذا فسدت هذه الروح في المؤسسة فيرجع ذلك أيضاً إلى قادتها، وفي المثل الأمريكي: “يبدأ موت الشجرة من قمتها”*.

ثقة القائد بمنظومة القيادة

  • القائد يثق بأتباعه ويحترمهم؛ إذ أولى الناس باحترامك أتباعك.
  • وثقة القائد بمنظومة قيادته أساسها حسن الاختيار طبقاً للمعيار. ومعيار الاختيار عندنا يقوم على ثلاثة: الإيمان والأداء والولاء. وللتفصيل محل آخر.
  • القائد واثق بنفسه؛ لذا هو يحترم أتباعه ويقدرهم ويثني عليهم؛ فالمهزوم لا يثق بأحد، ولا يحترم إلا من يعارضه، أو من هو أقوى منه.
  • الثقة بالنفس تمنح الاحترام للآخرين، وإن كانوا أضعف منا.
  • ثق بأتباعك وعرضهم للتحدي، وسترى كيف تكون الاستجابة!
  • القائد من يغرس في أتباعه الثقة بأنفسهم، وليس القائد من يجعل أتباعه يثقون به فقط. إنما ذلك الصنم.
  • عندما تثق المنظومة المقربة بقائدها ويثق بهم، ينعكس ذلك على الجمهور فتشيع فيه الثقة بقادتهم، وينبعث الحماس للعمل خلفهم.

أبوية القائد

  • الأبوية حاجة فطرية: فردية وجمعية. كل الناس يستشعرونها ويسعون لتلبيتها بغض الطرف عن العمر والجنس والمرتبة الاجتماعية.
  • للبيت أب إذا فُقد شعرت العائلة باليتم. وللمجتمع أب هو الحاكم يحتاجه الجمهور ويشعر بحالة اليتم نفسها إذا فقده، ويسعى لتعويضه. وكذلك المؤسسة لا بد لها من أب هو قائدها الأعلى يلبي لأفرادها تلك الحاجة الفطرية: “الأبوية”.
  • لا بد للمؤسسة من قائد أعلى يكون مصدراً للإلهام الروحي، والاستقرار النفسي، والنمو الفكري. يتأثر بشخصيته بقية القادة فيكون زعيماً حقيقياً لهم يستحق التقدم عليهم في المسير، ويلتف حوله الجمهور رمزاً يستحق الاتباع البصير. وعلى المؤسسة التجديدية الناهضة أن تعنى بوجود مثل هذا القائد باستمرار، وتهيئ البديل المناسب عند فراغ مكانه لأي سبب من الأسباب. وتحيطه بشيئين: منظومة قيادة تحفظ البنيان، ونظام داخلي يمنع الطغيان.
  • من لوازم أبوية القائد زيارة إخوانه واستزارتهم، وتلبية دعوتهم، وعيادة مريضهم، والسؤال عن أحوالهم. والتبسط في الحديث معهم. وأن لا تكون كل لقاءاته وعلاقاته معهم لقاءات وعلاقات عمل؛ فهذا ألصق بالإدارة الجامدة منه بالقيادة الراشدة. ومن أوقع الأشياء في النفس وأكثرها بناء للروابط القلبية والعلاقات الأخوية.. السفرات والرحلات الترويحية الجماعية؛ إذ تترك آثاراً عميقة وذكريات جميلة، لها طعم لذيذ ولمس شفيف، يستعصي على عوامل التعرية مهما طال الزمن، بل لا يزيده الزمن إلا نمواً وثباتاً.
  • ليس المقصود بالقائد القائدَ الأعلى للمؤسسة فحسب، وإنما القواد جميعاً في مختلف مراتب القيادة. فكل قائد هو تابع لمن فوقه في مرتبة القيادة، وهوفـي الوقت نفسه -قائد لمن هم دونه فـي المرتبة. وهذا يستدعي من القادة جميعاً -بصرف النظر عن مراتبهم -أن يبعثوا في أنفسهم روح الأبوة للفريق، ويتمرنوا على ذلك باكتساب الشخصية الأبوية الحقيقية؛ وذلك بالتحلي بعناصرها المستحقة: نفسياً وروحياً ومعرفياً وخبروياً؛ فالأبوية ليست رتبة إدارية تنال بالتعيين، وإنما منزلة قيادية تنال بالتمكن من تلك الصفات في طريقها إلى تحقيق التمكين.
  • على المنظومة أن تستحضر في رُوعها أن القائد بالنسبة إليهم كالشيخ بالنسبة لتلاميذه، والأب بالنسبة لعائلته. والقائد وإن كان لأتباعه أخاً وصديقاً ومعلماً، لكن هذه العناوين لا تمثله حق التمثيل، إنما (الأب) هو العنوان الذي يمثله ويعبر عنه أصدق تعبير.
  • تستلزم الأبوية أن لا يعامل الأتباع قائدهم على اختلاف مراتبهم في المنظومة معاملة الإخوة لأخيهم، وإن كان هو أخاً للجميع. بل يعاملونه معاملة الأبناء لأبيهم: فلا يُرد عليه قوله دون تأنٍّ وتمعن. ولا تتبع معه في النقاش طريقة الجدل إلا عند الحاجة، وأحياناً لا على الدوام. ولا يُتضايق من نصحه منفرداً أو مجتمعاً، بل يقبل منه بترحاب، وإن كان ثمت نقاش فباحترام.
  • بالأبوية العادلة الرحيمة، تكون العَلَمية، التي بها يتحقق التوازن بين الأخوية الباغية والصنمية، أو الأنوية، الطاغية.
  • وقد عدى العلماء بعض الآداب التي شرعت مع الرسول e إلىأمير الإمرة الذي هو في مقعد النبوة”([1])، كما في قوله Y: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) (النور:62). ولا يبعد الاحتجاج بمثل ذلك على بعض الآداب الأُخرى التي ينبغي أن تراعى مع القائد أو الأمير أو الإمام، وإن لم تكن درجة الحكم واحدة لمقام النبوة، ولكن يؤخذ منها الأدب المطلوب اتباعه معه، كما في قوله Y: (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور:63).

القائد الصنم

  • الصنمية أخطر عوق يصيب نفوس القادة.
  • الجمهور المتخلف هو الذي يصنع الصنم، وهو الذي يحطمه بعد فوات الأوان ليقوم بتصنيع صنم آخر.
  • الصنمية سببها ثقافي نفسي اجتماعي، أي الثقافة والنفسية الجمعية للمجتمع. وجذوره تنبت في تربة الاضطهاد بكافة أشكاله. فالثقافة الجمعية للمجتمع الاضطهادي تميل إلى التطلع للمنقذ السحري، والحلول العاجلة. وعادة ما تؤمن بما يسمونه بـ(الحل الوحيد). ومن هنا نشأت (الثورية) والاعتماد على الحلول العسكرية، وإهمال الحل القائم على مشروع حقيقي (مدني): ينطلق من فكرة تؤسس لهدف، يتطلب وسائل وآليات، وتهيئة موارد، وإعداد قيادات، وتربية جمهور في منجاة من العقد والمعوقات النفسية: فردية وجمعية. وهذا هو الذي اعتمده الرسول e في بناء الدولة وتأسيس الحضارة. و(الحل الوحيد) في حاجة إلى شخص ساحر الصفات، يتخذونه صنماً ينقذهم من صنم ليكون هو الصنم.. فكان الصنم!
  • من أسباب التخلف الذي ينتج الصنم قلة الوعي. وهذا يشمل الوعي بالفكرة التي يبنى عليها المشروع، والهدف الذي يتجه إليه، والوسائل الموصلة طبقاً للموارد المتهيئة. كما يشمل الوعي بالذات وصفاتها وقدراتها إيجاباً وسلباً، ومعرفة البيئة المحيطة. مع معرفة عميقة بالعدو فكرياً ونفسياً، وحاضراً وتاريخاً، ومقاصد وأهدافاً، وخططاً وتدبيراً، وكيف يفكر ويعبّر. وكيف يسلك ويتصرف. وغير ذلك.
  • من أسباب التخلف النظام الأساسي المتخلف للمنظومة القائدة، حين لا يتضمن ما يمنع من وصول الصنم إلى القيادة، أو الوسائل السلمية الناجعة لإزاحته إذا وصل. وليس فيه من القواعد والإجراءات التي تمنع صناعة الصنم من جديد في دورة لا تنتهي حتى تبدأ وتعيد. وحين لا يضمن وصول أخفتِ صوت من أضعف فرد في المؤسسةمهما كبرتإلى سمع القيادة الدنيا، أو القيادة العليا إن اقتضى الأمر، وعجزت القيادة المباشرة عن معالجة الحالة.

القائد والقضية : من يكبر على حساب من ؟

القائد العلَم هو الذي يكبر لتكبر به القضية. والقائد الصنم هو الذي يكبر على حساب القضية. فالقضية في حاجة إلى من يحملها لا إلى من تحمله؛ القضية التي تحمل أهلها لا يمكنها الاستمرار.

يقول الدكتور بيتر دراكر([2]) تحت عنوان (الاختصاصات الأربعة للقائد) عقّب عليه بعنوان تحته بخط صغير (اجعل تركيزك على المهمة دون نفسك فالعمل أهم): والاختصاصات الأربعة التي عناها بيتر دراكر هي: إجادة فن الاستماع، والتواصل مع الآخرين ليكون مفهوماً لديهم، وتصحيح الأخطاء بإعادة تنسيق الخطة باستمرار، والتحكم في الذات مقارنة بالعمل. وما يهمني هنا هو الاختصاص الأخير الذي شرحه بقوله:

أما الاختصاص الأساسي الأخير فهو الاستعداد لأن تدرك عدم أهميتك إذا ما قورنت بالمَهَمة. فيجب على القادة أن يجعلوا أنفسهم خاضعين للمهام والعمل. أن يدركوا أنهم مهما كانت لديهم القدرة على الاحتفاظ بشخصيتهم وفرديتهم، ومهما أخلصوا للمهمة، فإن هذه المهمة سوف تطغى عليهم إن آجلاً أو عاجلاً؛ لأن العمل سوف يستمر بعدهم”. ثم يقول عبارة في غاية الأهمية يا ليت أتباع سنة محمد e يتدبرونها، هؤلاء الأتباع الذين وجدوا أول حديث في سنته في أعظم ديوان لها من دواوين الحديث هو حديث النية: (إنما الأعمال بالنيات). فإن هذه العبارة وردت في حديث رجل ربما لم يكرمه الله سبحانه بنفحة من إيمان، لكن الحياة علمته أن القائد الذي يريد لشخصيته أن تكبر وغاياته الشخصانية المباحة أن تكون، فعليه أن يحقق هذا خارج نطاق قضيته ومهمته، فيقول مباشرة بعد ما كلامه السابق: “غير أنهم يستعيدون حياتهم الشخصية والإنسانية خارج المهمة”.

ثم يواصل (دراكر) قوله وهو يتحدث عن مطب خطير يقع فيه القادة: “ومن ناحية أخرى فإنهم يقومون بعمل أشياء مبالغ فيها معتقدين أن هذا سوف يعزز فكرتهم؛ مما يجعلهم أنانيين، وعملهم غير مجد. وفضلاً عن ذلك كله يصبحون أناساً أنانيين ومغرورين. فإحدى القدرات العظمى التي كان يتمتع بها القائدونستون تشرشلحتى آخر يوم من حياته هي مساعدة ودفع السياسيين من الشباب”.

 

 

[1]– هذا لفظ القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن) عند تفسير آية (النور). وشبيه به ما قاله الجصاص في (أحكام القرآن)، وابن العربي (في أحكام القرآن). وقال الشوكاني في (فتح القدير): “قال الزجاج: أعلم الله أن المؤمنين إذا كانوا مع نبيه فيما يحتاج فيه إلى الجماعة لم يذهبوا حتى يستأذنوه، وكذلك ينبغي أن يكونوا مع الإمامقال العلماء: كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن”.

[2]-أفكار دراكر اليومية في الإدارة، ص150، الدكتور بيتر إف. دراكر.




فِكرُ القَائِد

 مفاتيح الفكر القيادي

في فقرة (الإيمان والتنمية الإيمانية) من (منهاجنا) حددنا جملة مقاصد نبغيها من وراء هذا الموضوع. كان المقصود الثاني منهااعتماد مبدأ (التنمية الذاتية للإيمان). أي قدرة المسلم على تنمية إيمانه ذاتياً، ورعايته له شخصياً، والوصول إلى المراد الرباني من تزكية نفسه دون الاعتماد -كحاجة أساسية -على حث الآخرين وموعظتهم وتأثيرهم”. لكن كيف يمكن تحقيق هذه الغاية السامية بالقدرة الذاتية؟ وضعت لذلك مفاتيح لخصتها فـي ثلاثة:

  1. إطلاق طاقة النظر فـي آيات الأكوان.
  2. تدبر آيات القرآن.
  3. ثم رعاية ما ينتج عنها من ثمار حتى تصل إلى غايتها من الإيمان وعمل الأركان.

بدل أن تمنحني وردة علمني كيف أغرس شجرتها

إيمان جمهورنا يستورد من الخارج بالتلقين والحث، وليس من الداخل بالحوار الفاعل بين الوحي والنفس. بينما الحكمة تقول: بدل أن تمنحني وردة علمني كيف أغرس شجرتها. وفي طلب المؤمنين الهداية من الله في آخر سورة (الفاتحة): (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة:6)، وجوابه تعالى لهم في أول سورة (البقرة) قائلاً: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:2) إشارة إلى أن الهداية لا تمنح من الخارج منحةً حتى لو كان المانح هو الله الذي هو على كل شيء قدير! ما لم تصنع من الداخل صناعةً قوامها العبد الراجي والكتاب الهادي، فدونكم هذا الكتاب خذوا ما فيه هدىً للمتقين.. أولئك العاملون لا غيرهم. هكذا نفهم  قول الله Y.

مفاتيح التدبر لا ثماره فقط

ذات يوم قبيل صلاة الجمعة كنا (أنا وزوجتي) نستمع إلى أحد الشيوخ من خلال شاشة التلفاز، وهو يتحدث عن موضوع الحب في القرآن، في محاضرة يلقيها على مجموعة من الشباب في أحد مساجد إستانبول الواسعة الأرجاء والأبهاء. يبدو أنها حلقة في برنامج للتفسير بعنوان (تدبر). أجاد الرجل في طرح الموضوع، وأفادنا بمعلومات مفيدة. ابتسمت ونظرت إلى فاطمة، قلت لها: كلام قيم، ولكنه لم يضع في أيديهم مفاتيح التدبر، إنما أعطاهم ثماره فقط. لم يعلم الحاضرين الكيفية التي بها يمكنهم من أن يستنبطوا المعاني نفسها التي استنبطها هو، دون الحاجة إليه على الدوام. انظري! لم يعلمهم آليةتخليق الفكرة”([1]). وهذا ما يفتقده المنهج الذي يسير عليه عامة شيوخ الدين، النابهين منهم قبل الخاملين. قالت أم محمد: كيف؟

قلت: هل عرفت كيف استنتج الشيخ هذه المعاني الجميلة المتتابعة كالماء المترقرق في كلمته؟ نظرت إلي ولم تجب. قلت لها: هذا يسمى (التفسير الموضوعي) للقرآن الكريم. ومن طرقه أن نختار كلمة مثل الجهاد، الصلاة، الإنسانثم نتتبعها في مواضعها ونجمع الآيات التي وردت فيها، ثم ننظر في معانيها ونتأمل جيداً في سياقها، وعلاقتها بالسورة التي هي فيها، والمحور العام الذي تدور فيه، والمعنى الخاص الذي جاءت في تضاعيفهوهكذا سيجد القارئ والباحث نفسه أمام سيل من المعاني ذات العلاقة المشتبكة في تشكيلة دونها باقة الورد التي انتظمت بعد أن كانت متفرقة. وبالتحقيق والتدقيق تظهر معاني لطيفة خفية.

هذا ما فعله الشيخ. هذه هي الطريقة التي تخلقت بها أفكاره وتكونت محاضرته. ولو بيّـنها للحاضرين لكان أنفع له ولهم أضعافاً كماً ونوعاً. والحكمة تقول: “بدل أن تمنحني وردة علمني كيف أغرس شجرتها”. هذا هو الذي ينقص مناهج الوعظ والتعليم في منابر الخطب وكراسي المحاضرات. وهذا هو الذي ينقص مؤسساتنا كي تمارس دورها الريادي.

القدرة على تخليق الفكرة أهم من الفكرة

هذه مشكلة كبيرة ومزمنة. من نتائجها وجود كتل من العاملين ولكن بغير الطاقة الذاتية. نعم يعملون ولكنهم بمحرك من خارج أنفسهم.. يعيشون طفيليين لا يمكنهم إنتاج ما يغذون به مفاصل حركتهم الفكرية، والمادية أيضاً. مسيرين لا مخيرين. مستهلكين لا منتجين. ويبدو لي أن الأحزاب والجماعات التقليدية تبحث عن هذا الصنف من الأتباع؛ بمثلهم يمكنهم إدارة عجلة مؤسساتهم دون صداع. وربما يسعون عن عمد إلى صرفهم عن كيفية زراعة الشجرة، ولا يظهرون لهم سوى الوردة العطرة؛ فيحققون مكسبين في وقت واحد: الإعجاب بلون الوردة وعطرها، والتسويق الدائم لها في هذا الوسط الذي سيبقى على الدوام محتاجاً لشرائها من دكاكينهم؛ وبذلك يضمنون تبعيته الدائمة لهم.

هي عملية تشبه عملية الاستعمار الاقتصادي التي تعيث في أقطارنا. الاستيراد هو المسموح به أوبالحريهو المطلوب، أما التصنيع فممنوع، وكل سر لـ(تخليق) المنتوج يمكن إخفاؤه، يبقونه في ظلمات الكتمان، بل كل سر لأي منتوج ستراتيجي، مثل السلاح النووي، يجب أن يبقى حكراً على الكبار، ومن حاول معرفته من (الصغار) تخلصوا منه بأي وسيلة، ولاحقوا كل من لديه طرف منه بالاغتيال، كما حصل لصدام حسين وعلماء العراق.

وقف رئيس إحدى هذه المؤسسات يؤبن أحد أعضاء المؤسسة، وهو من أروع من رأيت من المفكرين المبدعين، ومن القلة الذين يستحقون وصف القائد فيهم. ولو أمهلته يد القدر لكان له اليوم شأن كبير. كانت أول كلمة قالها المؤبن في حقه: “لقد كان أخاً مطيعاً”. وتهدج صوته واستعبر وكاد يجهش باكياً عندما تلفظ بكلمة (مطيع). يبدو أن صفة الطاعة هي أسمى صفات العضو في تلك المؤسسة. وقد أضحكُ ساخراً وأنا أروي هذا المشهد وأقول: لو سكّنت العين ومددت الياء عدة حركات لبدت الكلمة (مطيـــــــ ـع) بغير عين)! هذا هو المطلوب في عامة المؤسسات التي أدركناها!

ذلك من أجل المحافظة على سياق التبعية.

لا أزعم أن كل أولئك الذين يمارسون عملية (التغذية الفكرية بالتقطير) يتعمدون ذلك. ولكن هذا واقع يحتاج منا إلى تفسير أولاً، ووعي ثانياً وهو أهم من الأول، وعلاج يقوم على مطالبة زعماء المسيرة بأن يعلّـموا أتباعهم، إضافة إلى الفكرة، كيفيةتخليق الفكرةكي نسهم في ولادة جيل قيادي جديد باتت الحاجة ماسة إليه.

القائد الأصيل

من أهم صفات القائد الأصيل القابلية على تخليق الفكرة. وهذا الصنف من القادة هو الذي ينبغي على المؤسسة أن تحرص على وجوده أو إيجاده وصناعته بما يحقق الكفاية. وتُفرد لهذه المهمة برنامجاً خاصاً ملازماً لها دوماً بلا انقطاع؛ وبهذا تستمر مبدعة خلاقة متجددة.

القائد الأصيل هو روح المؤسسة وطاقتها المتوقدة المتجددة، وبفقدانه تتحول إلى هيكل لا حياة ولا نماء فيه. أو مجموعة أشخاص يتحركون ضمن مسار سرعان ما يتسلل إلى مفاصله الجمود والعطب ثم التوقف.

لا يكون همنا منصباً على وجود ذلك الشخص الذي يبدو للناظر قائداً لكونه يتقدم المسير، بينما هو في الحقيقة مجرد ناقل للفكر ومنفذ للبرنامج، لا صانع مبدع له. وإن كانت المؤسسة لا غنى لها عن مثله.

وإذا كانت القيادة صفة من الممكن أن تكتسب، فكيف يمكن أن يكتسب الشخص تلك الصفة التي هي كالأساس لبقية صفات القائد ألا وهي القابلية على تخليق الفكرة؟

 

[1]– قال تعالى عن نبيه عيسى u: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) (آل عمران:49). وقال: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون:14).




تَفجِيرُ طَاقَةِ التَّفكِير

 

تكتسب القابلية على تخليق الفكرة وتنمى وتطور باتباع منهجية راقية أسميناها (تفجير طاقة التفكير). تفجير طاقة التفكير هو ما نحتاجه لصناعة (القائد الأصيل). وفيما يلي أهم تِقْنِياتها([1]):

  1. ربانية التفكير

مشروعنا رباني المنشأ والمنطلق والمسار والغاية. وإذا كانت أول كلمة نزلت من السماء هي (اقْرَأْ) (العلق:1)، فإن تلك القراءة المأمور بها قراءة ربانية: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ). بهذا تزكو وتنمو ويباركها الإله جل في علاه. وذلك يكون بأربعة وسائل، وهي في الوقت نفسه ضوابط تعصم الفكر من الانحراف عن الربانية، وتحافظ على وجوده ضمن سياقها: (الدعاء، الواقعية، القرآنية، العربية):

  • الدعاء: الالتجاء إلى الله تعالى أن يفتح مغاليق العلم وأبوابه. وأعلى الدعاء هنا قراءة سورة (الفاتحة). ومنه الدعاء بما ورد أن النبي e كان يستفتح به صلاته إذا قام من الليل: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل. فاطر السماوات والأرض. عالم الغيب والشهادة. أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)([2]). وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: (ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مئة تفسير، ثم أسأل الله الفهم وأقول: يا معلم آدم وابراهيم علمني. وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها، وأمرغ وجهي في التراب وأسأل الله وأقول: يا معلم إبراهيم فهمني).
  • الواقعية: تدبر القرآن الكريم والنظر إليه من خلال الواقع، والنظر إلى الواقع من خلاله. فعندما تقرأمثلاًسورة (الأحزاب) وأنت تنظر إلى واقع تسب فيه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، فإن هذا سيحثك لاكتشاف أن محور السورة إنما سيق للحديث عن أزواجه e! وحين تقرأ قصة الهدهد في سورة (النمل) وأنت تعاني من القوالب الجامدة للأحزاب والجماعات والهيئات، ليس بمستغرب أن يتبادر إلى ذهنك هذه الحكمة العظيمة: (الخروج عن النظام لأجل النظام نظام).
  • القرآنية: ونعني بها:
  1. تحديد مفاهيمنا طبقاً للقرآن العظيم.
  2. أن كل مفهوم تناوله القرآن، لا يصح أن نبحث عن تحديد معناه في أي مصدر آخر ولو كان هو الحديث قبل أن يتم تحديده طبقاً لكتاب الله.

من ذلك ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن أبي الدرداء t قال: قال النبي e: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم و يضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: (ذكر الله)([3]). لا ينبغي أن يفهم هذا بمعزل عن قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:142) وما في معناه من الآيات المحكمات في وجوب الجهاد وعلو منزلته على نوافل العبادات: الصلاة فما دونها. لذا فسره بعض العلماء بأنه واقعة عين فيمن لا يطيق القتال.

ومنه القول بتأسيس الأصول على متواتر السنة، وإن كان ذلك في غياب النص المحكم (الصريح) من القرآن الكريم؛ فهذه القاعدة تخالف عشرات الآيات المصرحة بأنه مصدر الهدى، وأنه يغني عن سواه في بيان أصول الدين، كما قال سبحانه: (وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (العنكبوت:50-52). كما أنها عاطلة غير منتجة؛ إذ يعجز أصحابها أن يأتوا بأصل غير مصرح به نصاً في القرآن الكريم.

وبهذا الضابط تتولد أفكار وتتأسس قواعد تثري حقل التأصيل وتجدده وتفعله. منها الحكم على كل حديث صريح في تأسيس أصل من أصول الدين بأنه ضعيف. وبهذا نوجه ضربة قاضية لروايات الشيعة المؤسسة للأصول فنسقطها جملة واحدة.

ث. العربية: القرآن الكريم كلمات نزلت بلغة العرب. يتم فهمها طبقاً لهذه اللغة على وضعها أيام التنزيل. فكل مفهوم يستنبط من القرآن على غير سنن العرب في معاني ألفاظهم آنذاك فهو فهم باطل. وإن احتج له بحديث فهذا دليل على أن الحديث لم يقله رسول الله e؛ لأنه أفصح من نطق بلغة الضاد؛ فلا يعقل أنه يمكن أن ينطق بلفظ مخالف للغة التي كان يتكلمها العرب أيام تنزل القرآن.

وبهذا نعلم ضعف كل الأحاديث التي وردت في شمول لفظ (أهل البيت) لمن هم خارج بيت النبي e من أقاربه. وهذا يتم بخطوتين:

الأولى: ورود لفظ (أهل البيت) في القرآن مرتين: مرة عن بيت سيدنا إبراهيم u: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (هود:73). ومرة عن بيت النبي محمد e. وفي المرتين اقتصر معناه على زوجة النبي. وورد مرة واحدة بصيغة تنكير للبيت، أي (أَهْلِ بَيْتٍ) في قوله تعالى: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) (القصص:12). ومعناه أهل بيت الطفل موسى. والمقصود حصراً هو أمه، كما أخبر تعالى فقال بعدها مباشرة: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ) (القصص:13).

الثانية: لم يرد لفظ (أهل) مضافاً إلى شيء ما لم يكن أهله على علاقة ملازمة لا مؤقتة بذلك الشيء. خذ مثلاً قولك: (أهل العلم، أهل البلد، أهل الكرم، أهل القرية، أهل الدين…) وضع ما شئت من الألفاظ. وبهذا الشرطأي الملازمةورد لفظ (أهل) في القرآن الكريم كله. مثل قوله تعالى:  (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) (يوسف:109).  وقوله: (وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ) (الحجر:67). وقوله: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النحل:43). وكذا قوله: (فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى) (طه:40). وقوله: (إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ) (العنكبوت:31). وقوله: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا) (الأحزاب:13). وقوله: (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) (ص:64). وهكذا في جميع المواضع وهي بالعشرات دون خُلف.

وعلى أساس هذا الضابط الرباني تبنى أحكام فقهية وتهدم أخرى، ليس هذا موضع تفصيلها.

  1. هاجس القضية

تحت شعار: “قضيتي أول.. وأنا أول، عش للقضية، فتملك عليك كل شيء. لا شيء يتقدم عليها، ولا شيء يساويها ولا يوازيها: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:163،162). انظر إلى نبيك وقائدك كيف ملكت قضيته عليه نفسه، فكانت كل شيء في حياته!

فرق بعيد بين أن تكون القضية إحدى اهتماماتك، وبين أن تكون اهتمامك الأول، ومحور حياتك، وتستولي من عينيك على مركز الدائرة. حتى قيل: “رجل واحد تكون قضيته اهتمامه الأول، خير من مئة رجل تكون قضيتهم إحدى اهتماماتهم”. بهذا وحده تصل إلى درجة (التركيز) الذهني، التي يتحول التفكير فيها إلى حالة دائمة. فيكون ذهنك في حالة من الاستفزاز والاستنفار الفكري الذي يمنحك القدرة على العطاء وإنتاج الأفكار حد السيولة مع الإبداع.

ركز على ما تريده (القضية)، وقلل التفكير فيما لا تريده إلا ما كان في خدمة ما تريده. اجعل قضيتك نقطة المركز ثم انطلق منها إلى الخارج. وانظر حولك لترى أن معظم الناس يفعلون العكس، وهذا سر فشلهم.

القراءة العلمية المركزة

يقول آينشتاين: “لست أذكى من الآخرين، لكنني أستغرق في التفكير بالمسألة وقتاً أطول منهم”. وهذا من معانيالتدبرالذي أمر الله تعالى به في أكثر من موضع من كتابه، منكراً على من تركه، كما في قوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد:24). من أهم تقنيات هذه القراءة:

اتباع قاعدةالفهم قبل الحفظ؛ تجنباً للوقوع في فخ التقليدية والاستنساخ. وروح الفهم وحقيقته هو فقه المفهوم أي دقة فهمه.

وهذا يقوم على ركنين بعد الفهم:

  1. أن تعرف الحاجة التي أنتجت الفكرة، أو الغاية التي يراد الوصول إليها من ورائها. وذلك باستعمال أداة الاستفهام (لماذا).
  2. أن تعرف السبيل الذي اتبعه صاحب الفكرة للتوصل إليها؟ وذلك باستعمال أداة الاستفهام (كيف).

والتنقيب عن ذلك وذلك حتى تقع على جواب.

مثال: ربما يمر الكثيرون بهذه العبارة (مؤسستنا ربانية سنية عراقية)، ولا ينتبه إلى السر في في هذا الوصف الثلاثي المركب للمؤسسة.

  1. الحساسية الفكرية

ونقصد بها عملياً: التدقيق في المقروء والمشهود والمسموع.

الإحساس المرهف بالمشكلات من شروط الإبداع وصفات الشخص المبدع. ومنها دقة الرؤية المؤدية إلى ملاحظة الفروق الكامنة بين المتشابهات. فهو يعي الأخطاء في الأشياء التي حوله، ويدرك نواحي النقص والقصور ويحس بالمشكلات إحساساً مرهفاً. والمشكلة حالة تحريض للذهن، تدفعه لخوض غمار البحث فتزداد الفرص أمامه نحو الخلق والإبداع. المثال السابق يصلح للاستشهاد هنا.

مثال: تقييد مشروعنا بوصف (الرباني) دون (الإسلامي)([4]).

التدقيق المفضي إلى التمييز بين المتشابهات من التقوى التي أرشد الوحي إليها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الأنفال:29).

  1. قانون الحركة والمسار / السياق

أي النظر في سياق الحدث لا الحدث نفسه فقط.

القائد لا يكون قائداً ما لم يكن كلي التفكير، لا تشغله الجزئيات عن وضعها في سياقها الذي انتظمت فيه، وقانونها الذي تمخض عنها، وغايتها التي ترمي إليها.

والحياة حالة مزدوجة، قوامها حركة وسياق يلتقيان فيكونان معنى واحداً هو محصلة الجمع بينهما. ودون هذا الجمع لا يمكن فهم ما تعنيه حقيقة الحركة. الحركة في سياق تعني شيئاً مختلفاً عنها في سياق آخر. فتفسير أي حركة خارج نطاق سياقها عماء، والبناء عليه تخبط وضلال. فأن تركب قطاراً تريد بغداد ينبغي أن يكون موضوعاً على سكة متجهة إلى بغداد لا إلى طهران.

هكذا خسرت المقاومة العراقية المعركة لأن قاطرتها كانت موضوعة على سكة مقاومة الأمريكان لا مقاومة الشيعة وإيران! حركة صحيحة في سياق خاطئ. بل كانت حرباً بالنيابة عن إيران! وحروب النيابة صورة جلية لمخالفة الحركة للمسار.

وهكذا ربح الشيعة الدولة، والكرد الإقليم في سياقهم إلى الدولة؛ لأن جهود كل منهما كان في سياق الهوية والقضية الخاصة، بينما خسر السنة لأنهم في زمن الطائفية والضعف عملوا في سياق الهوية والقضية العامة. والضعيف لا يمكن أن يقوى وينمو في زمن طائفية القوي ما لم يتمحور حول ذاته وهويته.

السنة قاطرة جيدة لكن على سكة خاطئة..

بينما الشيعة قاطرة سيئة لكن على سكة صائبة.

 

[1]-تِقْنيّة: مصدر صناعيّ نسبة إلى تِقْن. وهو أسلوب أو طريقة فنِّيَّة في إنجاز عمل أو بحث علميّ ونحو ذلك، أو جملة الوسائل والأساليب والطرائق التي تختص بمهنة أو فنّ.

[2]– رواه مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها.

[3]– فيه عبد الله بن سعيد بن أبي هند: وثقه أحمد ويحيى بن معين وأبو داود وضعفه أبو حاتم ويحيى بن سعيد، وقال النسائي ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ. راجع: تهذيب الكمال في أسماء الرجال، 15/39-40، يوسف بن عبد الرحمن جمال الدين المزي (ت: 742هـ)، تحقيق د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالةبيروت، الطبعة الأولى، 1400 – 1980.

[4]-يمكن الرجوع إلى فقرة (التعريف بالمؤسسة) من المنهج لمعرفة الأسباب بالتفصيل.




شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

6521740849391641416

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث