المعنى الرباني للتجديد
جاء في (لسان العرب) لابن منظور: تجدَّد الشيءُ: صار جديداً. وأَجَدَّه وجَدَّده واسْتَجَدَّه أَي صَيَّرَهُ جديداً. إهـ. وصيرورة الشيء جديداً تعني بعد أن صار قديماً أو بالياً. والذي يبلى من الدين هو دين الناس؛ بتغير مفاهيمه في نفوسهم. وليس الدين نفسه.
وجدت أجمع تعريف للتجديد قوله جل وعلا: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ) (الزمر:18). أي يتخيرون أنسب ما يكون من الوحي الثابت لإنزاله على الواقع المتغير. وذلك يشمل أمور الدين وشؤون الدنيا، والأخذ بأسباب التطور والحضارة.
فالحسن هنا حسن تناسب إذن، لا الحسن بمعناه المطلق. يدل على ذلك أن الله عز وجل خيّر المسلم – في مواضع عديدة من كتابه – بين أمرين مرغباً إياه في أحدهما، كقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (الشورى:40). لكن العفو ليس هو الأحسن في كل حال، كما قال تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (الأنفال:68).
روى مسلم في سبب نزول هذه الآيات في أسرى (بدر) عن ابن عباس قال: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: (ما ترون في هؤلاء الأسارى)؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة. أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار. فعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ترى يا ابن الخطاب)؟ قلت: لا والله ما أرى الذي رأى أبو بكر. ولكني أرى أن تمكنّا فنضرب أعناقهم. فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان (نسيبٍ لعمر) فأضرب عنقه. فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت.
فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان. قلت: يا رسول الله! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت. وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء. لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة)، شجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم. وأنزل الله عز وجل: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ – إلى قوله – فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) (الأنفال:67 – 69) فأحل الله الغنيمة لهم.
فكان قتل الأُسارى هو (الأحسن) إلى درجة الوجوب الذي يستحق تركه العقوبة، وليس العفو عنهم. وقد بيّن الله تعالى سبب رفع العذاب على أخذ الفداء، وهو سبق كتابه وقضاؤه في أن لا يعذب مجتهداً باجتهاده.
إنزال الوحي الثابت على الواقع المتغير
التجديد في الإسلام إذن: إنزال الوحي الثابت على الواقع المتغير.
وهذا يختلف باختلاف الأحوال، ففي حال يكون العمل بآية ما أحسن من العمل بآية أُخرى، وفي حال يكون العمل بغيرها هو الأحسن. يقول جل وعلا: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) (الأعراف:145). قال بعض المفسرين: ظاهر قوله: (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) يدل على أن بين التكليفين فرقاً وهو أن التكليف كان على موسى أشد لأنه تعالى لم يرخص له ما رخص لغيره من قومه). فكان (الأحسن) ما كان فيه مراعاة لأحوال الناس قوة وضعفاً وظرفاً. فيكون المقصود بـ(الأحسن) الأنسب للحال.
ومعرفة ذلك على وجه الدقة مهمة المجددين الربانيين، الذين يعرفون لكل حال ما يصلح لها. وهذه أعلى المراتب. ويختلف العلماء في درجاتها على قدر فهمهم وقربهم من الله عز وجل فمنهم المسرع المحلق، ومنهم دون ذلك. وقد تنزل المرتبة بالمخذولين إلى حد الصرف التام عن الفهم، كما قال تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) (الأعراف:146). وهذا لا ينفي أن يكون الصرف درجات ومستويات على قدر معصية العبد، فمنهم المكثر ومنهم المقل. فمن قواعد التفسير أن لكل آية طرفين ووسطاً. فهناك الصرف التام، ويقابله الحسن التام الذي هو أخذ الأمر بقوة كشأن أولي العزم من الرسل، ومنهم موسى عليه السلام. وما بين هذا وهذا درجات علمها عند الله!
فالتوراة أُنزلت كاملة؛ فلا بد من الاجتهاد في تنزيل آياتها الثابتة على الواقع المتغير. وقد كانت الآيات في عصر الوحي تتنزل طبقاً للواقع، حتى إذا تم نزول القرآن الكريم صار القرآن بين أيدينا كالتوراة بين يدي بني إسرائيل، فنجتهد في تنزيل آياته على واقعنا فيكون لكل جيل تنزيل. وهذا هو ما أفهمه من معنى التجديد في مطلوب الشرع.
مجمل القول: لقد تنزل القرآن الكريم موضعياً وجمع موضوعياً. وعلينا اليوم أن نفهمه موضوعياً وننزّله موضعياً.
تَعَدُّدُ المجَدِّدِينَ .. وَتجَزُّؤُ التَّجدِيد .. والحاكم أولـى به من العالم
تجزؤ التجديد
التجديد – كباقي العلوم – قابل للتجزؤ، وموضوعاته كثيرة، كذلك الإبداع. وليس من شرط المجدد المبدع أن يكون موسوعياً، وليس ذلك في مقدور إنسان؛ فالمجدد يكون مجدداً في مجال أو أكثر، وليس في كل مجال.
تعدد المجددين
المجدد إذن قد يكون مجدداً في موضوع، وجامداً في موضوع آخر. فكلمة (من يجـدد) الواردة في الحديث المروي عن النبي e لا يلزم منها أن يكون المجدد فرداً، بل لا بد للتجديد الحقيقي من مجموعة مجددين، فهناك مجدد في الحكم، ومجدد في السياسة، ومجدد في التفسير، ومجدد في التاريخ، ومجدد في العسكرية وفي علوم الطبيعة.. وهكذا. وكمال التجديد – بل شرطه الذي من دونه لا تظهر نتيجته، ولا تقطف ثمرته – أن يكون ضمن منظومة تنسق عملهم، تزاوج بينه وتخرجه إلى حيز الوجود. لهذا علينا أن نحترم الاختصاص. كما علينا أن لا ننساق وراء المبدعين في كل المجالات، إنما نتبعهم في مجال إبداعهم واختصاصهم فقط.
قال ابن الأثير الجزري: (لا يلزم منه أن يكون المبعوث على رأس المئة رجلاً واحداً وإنما قد يكون واحداً، وقد يكون أكثر منه؛ فإن لفظة (مَنْ) تقع على الواحد والجمع. وكذلك لا يلزم منه أن يكون أراد بالمبعوث: الفقهاءَ خاصة – كما ذهب إليه بعض العلماء – فإن انتفاع الأمة بالفقهاء، وإن كان نفعاً عاماً في أمور الدين، فإنّ انتفاعهم بغيرهم أيضاً كثير مثل: أولي الأمر، وأصحاب الحديث، والقراء والوعاظ، وأصحاب الطبقات من الزهاد؛ فإن كل قومٍ ينفعون بفن لا ينفع به الآخر؛ إذ الأصل في حفظ الدين حفظ قانون السياسة، وبث العدل والتناصف الذي به تحقن الدماء، ويُتمكن من إقامة قوانين الشرع، وهذا وظيفة أولي الأمر. وكذلك أصحاب الحديث ينفعون بضبط الأحاديث التي هي أدلة الشرع، والقرّاء ينفعون بحفظ القراءات وضبط الروايات، والزهاد ينفعون بالمواعظ والحث على لزوم التقوى والزهد في الدنيا. فكل واحد ينفع بغير ما ينفع به الآخر.. فإذا تحمل تأويل الحديث على هذا الوجه كان أولى، وأبعد من التهمة، وأشبه بالحكمة.. فالأحسن والأجدر أن يكون ذلك إشارة إلى حدوث جماعةٍ من الأكابر المشهورين على رأس كل مائة سنة، يجددون للناس دينهم)([1]).
لا مجدد فرداً بعد النبي صلى الله عليه وسلم
باستحضار الحقائق الأربعة السابقة، وهي:
- الإبداع ممارسة جماعية
- الفكر المبدع نتاج فعل اجتماعي نسقي
- تجزؤ التجديد
- تعدد المجددين
نصل إلى نتيجة مهمة هي أنه من غير الممكن أن يكون المجدد واحداً في كل عصر، بل التجديد مهمة كبيرة لا يقوى على حملها أحد منفرداً بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهو النبي الذي اجتمع فيه كل الأنبياء، وليس ذلك لأحد من قبله ولا من بعده. ويمكننا طبقاً لهذه النتيجة أن نوسع من دائرة النظر لتشمل العديد من الرجال – ولا مانع يقف أمام النساء من ذلك – في كل زمان يمكن أن ينطبق عليهم وصف التجديد. وحين تكسر الحواجز المادية والمعنوية بين هؤلاء، ويتم الاتصال بينهم في زمان معين تحصل النهضة للأمة في ذلك الزمان، وحين تتناسق جهودهم في مكان معين تحصل النهضة للأمة في ذلك المكان.
وهذه النتيجة تقوي من الرأي القائل بأنه لا مهدي بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه في كل زمان يوجد مهديون متعددون مبثوثون في الأمة، هم المصلحون المجددون.
الحاكم أولى بوصف ( المجدد ) من العالم
من تأمل الكلام السابق، وتدبر فنظر في الزمان والدعوات وحاجتها إلى التجدد وعملية التجديد، عرف أنه لا تمر فترة (25) عاماً حتى تتطلب أي دعوة أو دولة أو مؤسسة تجديداً تحافظ به على حيويتها وتمتلك به قابليتها على الاستمرار. وهذا يقوي القول بأن الصحيح في نص الحديث – وإن اختلف في صحته – لفظ (قرن) أي الجيل من الناس كما سبق بيانه في حاشية تخريج الحديث، وليس لفظ (مئة عام). وأرى – طبقاً لهذه الحيثيات مجتمعة – أن المجدد الحقيقي أو المجدد بمعناه المطلق هو الحاكم المسلم، وأن الحاكم أولى من العالم بهذا الوصف؛ لأنه الوحيد الذي يمكن أن يعم تجديده فيسري في جميع مفاصل الدين بمعناه الذي هو عليه والذي يشمل حركة الحياة كلها خاضعة لشرع الله تعالى، وبصورة عمل تديره منظومة تنتج فعلاً اجتماعياً نسقياً، مبني على معرفة قابلة للاختبار. على أن هذا لا يغمط العالم حقه ووصفه وكونه (مجدداً) ما دام أنه يمارس عملية التجديد فكراً وتطبيقاً. لاسيما في فترات تخلي الحكام عن وظيفتهم الحضارية الكبرى، كما في هذا الزمان، وقبله بكثير. لكن تجديده يبقى محصوراً في المجال الذي يمكنه أن يتحرك فيه. وهذا يضيق ويتسع طبقاً لقدرته وظرفه.
كما أرى أن أول حركة تجديد في تاريخنا كانت خلافة معاوية رضي الله عنه، فمعاوية أول مجدد في تاريخ الإسلام. وكانت هذه الحركة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثين عاماً. وقد ولدت ولادة متعسرة ابتدأت قبل ذلك بخمسة أعوام.
[1]– جامع الأصول، 11/319، أبو السعادات بن محمد الجزري، تحقيق عبد القادر الأرنؤوط، مطبعة الملاح، مكتبة دار البيان الطبعة الأولى، 1392هـ/1972م.
أُسُسُ التَّجدِيد
أولاً : حقائق شرعية واجتماعية
استمرارية تجدد حركة الحياة
- كل تحدٍّ يتطلب استجابة لمواجهته، هكذا يقول علماء التاريخ والاجتماع.
- ولا بد أن تكون الاستجابة متناسبة مع التحدي نوعاً وكماً حتى تتم معالجة الموقف.
- انقلاب الاستجابة إلى تحدٍّ يتطلب استجابة جديدة: فإذا تحقق الهدف، وهو المعالجة، وتجاوز المستجيب – فرداً أو جماعة – الأزمة، انقلبت الحالة، بطبيعتها، إلى تحدٍّ آخر يحتاج إلى استجابة جديدة مناسبة. كالنجاح في الامتحان: ما لم يستثمر لتحقيق نجاح لاحق ضعفت الفائدة، أو جمدت الحركة، أو انقلب الوضع إلى فشل. وانظر إلى ما ورد في حكمة السالكين من أن حسنة أدخلت صاحبها النار، وسيئة أدخلته الجنة. وتأمل في غرور الأقوياء، وخذ العبرة من عاقبة طغيان الأغنياء.
وبهذا نكتشف سنة أو قانوناً من قوانين الاجتماع ندرك من خلاله أن حركة الحياة لا تتوقف عند نقطة معينة، بل هي سلسلة من الحركات الجزئية يؤدي بعضها إلى بعض، وينقلب بعضها عن بعض في تناوب متدفق بين استجابة وتحد، هكذا إلى الأبد.
استغلال الحدث أهم من الحدث
ونكتشف أيضاً من خلال هذه الاستمرارية الانقلابية في حركة الحياة قانوناً آخر من قوانين الاجتماع هو أن “استغلال الحدث أهم من الحدث نفسه”. فمن لم يستعد للمواجهة المستمرة المتغيرة جمد وقدم وطال عليه الأمد، وأمسى خارج نطاق الحياة، في مفارقة تنفصل بها الجغرافية عن التاريخ. يقول تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد:16). ثم يقول بعدها مباشرة: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الحديد:17)؛ فطول الأمد وقسوة القلب من الجمود، والإحياء بعد الموت من التجديد.
إذن.. أهم من الحدث استغلال الحدث..
هذه حقيقة يجهلها الكثيرون من عميان السياسة والدين والمجتمع. ومن علِمها منهم تبقى مسافة كبيرة تفصل بين بعضهم وبين تحويل العلم إلى عمل، والمعرفة إلى ممارسة فاعلة في الحياة باتجاه الهدف.
لكن الشيعة لهم شأن آخر.. إنهم أساتذة هذا الفن.. وفرسان ميدان تطبيق هذه الحكمة العظيمة، وإن اقتضى الأمر عندهم الخروج عن جادة المشروع والمعقول. بل ليس لديهم أصلاً خطوط فاصلة، ولا حدود يتقيدون بها وهم يُسَخِّرون طاقاتهم إلى آخر حد في سبيل استغلال الحدث بأي وسيلة كانت أو تكون. الكذب والتزوير والسرقة والادعاء بعض أدواتهم الفاعلة، ومنها سرقة التأريخ، وجهود الآخرين، ونسبة الأحداث المهمة لهم، ورمي التهم والجرائم التي يرتكبونها على غيرهم، واختلاق القصص والحكايات المشوشة والمشوهة ورمي الآخرين بها، مع ادعاء عريض للمظلومية والاضطهاد، وتباكٍ لا يملون من تكراره، وولولة وتمسكن يستدرون به حتى عطف الضحية! وما شابه من الوسائل والأساليب. ناهيك عن استغلال الصحافة والإعلام والمطبوعات والنشريات، أضف إليه الطرق المستمر لأبواب المحاكم لتسجيل الدعاوى وتقديم الشكاوى، والدوران بين المحافل والمنظمات والهيئات المحلية والدولية.
في زمن الحكومة السابقة للاحتلال وجدنا أهل السنة يسمعون في بعض المناطق سب الصحابة بآذانهم ينطلق من أجهزة التكبير المنصوبة فوق الحسينيات الشيعية. لم أرَ أو أسمع أحداً منهم قدّم في يوم ما شكوى إلى الجهة المختصة ضد هذه المنكرات الشرعية المغلظة، والتي هي في الوقت نفسه جرائم يعاقب عليها القانون. بينما نحن نترضى عن سيدنا علي وأهل بيته، وتقارير الشيعة علينا بالأكوام لدى دوائر الأمن والحزب تتهمنا بالتهجم على “أهل البيت” وسبهم! لقد أوصلوا أهل السنة إلى حالة لا يطمعون فيها بأكثر من سكوت الشيعة عنهم؛ فهم يتطيرون من إثارتهم أو تهييجهم حتى ولو بتقديم شكوى قانونية لدى الجهات المعنية. ولسان حال الواحد منهم يقول: أنا لم أسلَم وأنا بعيد عنهم، فكيف لو اقتربت منهم، أو تحرشت بهم؟! وهذه الحالة غزت نفوس المسؤولين بحيث لم يكونوا يطلبون غير رضى الشيعة وسكوتهم عنهم! وهو عكس ما يشيعه الشيعة عن الحكومة السابقة! وهو نوع من فن استغلال الحدث، أتقنه الشيعة إلى آخر قطرة.
المجددون بشر مثلنا
في يوم من أيام شتاء عام 1997 كنت ضيفاً على صديق لي في قرية (السجارية) الجميلة شرقي (الرمادي)، وعلى عادة أهلها في الاحتفاء بالضيف يتجمع الجيران والأحباب. قال أحد الحاضرين: ما أحوجنا لرجل كعمر بن الخطاب! لو كان بيننا الآن عمر بن الخطاب t لانصلحت حالنا. فقلت له: بل ما أحوجنا إلى الأُمة التي تحتضن عمر وأمثاله! لو كان عمر بن الخطاب بيننا ما استطاع أن يغير الحال بلمسة سحرية، ولربما كان مأواه الآن بقعة مظلمة وراء القضبان. كم في الأُمة اليوم من عمر! ولقد قال الله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ) (الواقعة:10-14). كم يبلغ (القليل) في أمة تعدادها مليار ونصف المليار؟ لا شك أنهم بالملايين. وحين يأذن الله تعالى سيأتي اليوم الذي تغير فيه هذه الملايين المنتشرين في نسغ الأمة واقعها إلى الحد الذي تصلح أن تكون حاضنة لهم فتستحق بذلك النصر. لم أجد من يؤيدني في ذلك الجمع من أحد: فبعضهم عارضني، وبعضهم ظل ساكتاً. بعد انفضاض المجلس أسر إليّ أحد المعارضين أنه مقتنع بكلامي، لكنه كان يداري صاحب البيت! فعجبت مما قال، وعلمت أن الشوط ما زال طويلاً.
* *
المجددون يخرجون من بيننا، وهم من طينتنا يسري عليهم قانون الخطأ والصواب. ليس من شرط المجدد أن يكون (سوبرماناً) يتميز بخصائص لا يملكها بقية أبناء جنسه وعصره.
المجددون ليس لديهم أجنحة تطير، ولا تطوى لهم الأرض بلمسة قدم.
إنهم بشر يضحكون ويبكون، ويفرحون ويحزنون، يجوعون ويعطشون، يغفلون وينسون، ويتعبون وينامون، يضعفون فيخطئون ويذنبون، ويضعفون أيضاً فيخافون حتى تبلغ قلوبهم الحناجر ويظنون بالله الظنونا. يعلمون أشياء ويجهلون أشياء… لكن لهم عقولاً لماحة وهمماً عالية طماحة، تتدارك ضعفهم، وتمسح أخطاءهم، وتبيض صحائفهم، خصوصاً حين يكونون في ذمة الخلود فتبهت تلك الأخطاء، وتشتد تلك الصحائف تألقاً؛ لأن مناكفات المعاصرة، وتحاسد المقارنة، ومضايقات المنافسة كلها تكون قد ماتت مع أصحابها؛ فإذا كتب عنهم الكاتبون لم يسجلوا إلا جوانب العظمة منهم.
ولهذا مردود سلبي من أكثر من وجه:
- ينعكس على الجمهور فتهبط همته حين يجد نفسه عاجزاً عن مجاراة تلك الجوانب، والاقتداء بتلك الخلائق.
- وينعكس على المجددين أنفسهم أثناء حياتهم فيعانون ما يعانون من صدود المجتمع ونفرته، واستهزائه وسخريته، وعدائه ولدده. وقد يفضي بهم ذلك إلى القتل أو الاعتقال، أو التشرد في البلدان! لأن المجتمع يتصور المجددين والعظماء طرازاً من البشر بلا ضعف ولا أخطاء؛ فيفوته إدراك مرامي المجدد، وينشغل بالنبش دون النقش، وبالتنقير دون التغيير.
إن هذه أحدى جوانب معاناة الأنبياء ب مع أقوامهم. فإن من دواعي نفرة قوم النبي منه تصورهم الأنبياء خلقاً غير خلقهم، أو جنساً غير جنسهم، وأن النبي شخص لا يجوز عليه الخطأ ولا التقصير. أما هذا الذي يدّعي أنه نبي فهو شخص عايشوه وشاهدوه يتحرك بينهم، فلاحظوا عليه شيئاً من ذلك؛ فكيف يكون نبياً؟! انظر كيف ذكّر فرعون موسى u بسابقة قتله للقبطي، وفي ذهنه كيف يمكن للنبي أن يكون قاتلاً؟! (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) (الشعراء:18-20).
ولعل هذا أحد الأسباب التي من أجلها عرض القرآن العظيم حياة الأنبياء ب بما لها وما عليها، فتطرق إلى ذكر بعض ما عملوه مما لامهم الله عليه. فكانت صورة متوازنة تلتقي فيها الذرات الأرضية بالأنوار السماوية، وتمتزج الشخصية البشرية بلوازم الوظيفة الربانية النبوية، بحيث يبقى ذلك الكائن السماوي النبوي بشراً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؛ من أجل أن يبقى حقيقة ماثلة ومثلاً حقيقياً للاقتداء. هذا هو حال النبي الذي يأتيه الوحي من السماء، فكيف بالمجدد الذي هو إنسان عادي مجرد من هذا الامتياز؟
أرأيت لمَ تعظِّم الأقوام الأنبياء السابقين، وتتنكر لمن بعث بينهم نبياً من النبيين؟ الشيء نفسه ينطبق على المجددين!

إرسال تعليق