نظرات في القيادة - عقبات، البطل، مجانين العقلاء
عَقَبَاتٌ .. فِـي طَرِيقِ القَائِد
تبرز أمام القائد ثلاث عقبات مطلوب منه اقتحامها وتجاوزها بنجاح: (رؤية العمل، والعائلة، والوظيفة). وإذا كانت المسؤولية على قدر العنوان فما نقوله هنا يتعلق بـ”القائد الأصيل”، الذي لا تنهض المؤسسات التجديدية إلا بهذا الطراز من القادة الذين هو منهم.
- رؤية العمل
أما رؤية العمل فالمقصود بها أن ينظر العامل إلى حجم عمله فيجده كبيراً يزيد على ما هو مطلوب منه – كما يتهيأ له – بحيث ينتج عن هذه الرؤية حالات مرضية قد تفسد أصل العمل وتذهب به (كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) (إبراهيم:18). وهذا مخالف للأصل؛ فمن أذكار المسلم في الصباح والمساء فيما رواه البخاري عن شداد بن أوس t ما سماه النبي e (سيد الاستغفار) وفيه (أَبوءُ لَكَ بِنِعْمتِكَ علَيّ، وأَبُوءُ بذَنْبي). ومعنى “أَبُوءُ” -كما في لسان العرب -أُقِرُّ وأحتملُ وأَرجع. ومن معانيه العدل والتكافؤ والمساواة. فهو اعتراف بأنه ليس من العبد إلا الفقر والذنب، وليس إلا نعمة الله تعالى عليه تحيط به من كل جانب؛ فما عمل من عمل فهو بتيسير الله فضلاً منه ونعمة، وإن قصّر فمن نفسه يقر بذنبه راجعاً به إلى ربه محتملاً إياه يسأله أن يعفو عنه فضلاً، ويطلب منه أن لا يعاقبه عدلاً. وكأن حقيقة العلاقة فيها كفتان: كفة ليس فيها إلا الفضل، وكفة ليس فيها إلا الذنب! فكيف يرى عبد عمله وهو يستحضر هذه المعادلة؟
وليس معنى هذا إعدام الرؤية من الأصل، وإنما ضرورة انتفاء ما يصاحبها من حالات مرضية أخطرها:
أولاً: المنُّ بالعمل في نفسه أو على أعضاء منظومته. فإن المن بالعمل دليل رؤيته واستكثاره. وهذا من أول ما نهى الله تعالى عنه نبيه e لحظة أن كلفه بتبليغ رسالته فقال: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ * فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) (المدثر:1-10).
فقد جمعت هذه التوجيهات مؤهلات الداعي (وهو القائد) النفسية، التي من دونها لا يمكنه تحمل مسؤولية النذارة أو أداء مهام الرسالة، وهي:
- تعظيم الله سبحانه وتكبيره فيتصاغر لدى المؤمن كل كبير عملاً كان أم غيره.
- طهارة الثوب والاهتمام بالمظهر الذي يجذب المدعوين، ولا يكون عاملاً مضافاً من عوامل تنفيرهم، وهذا يستلزم طهارة الباطن من باب أولى؛ فذلك موضع نظر الخلق، وهذا موضع نظر الرب.
- هجر الرجز أي الذنوب، وهو لغة في الرجس، أو هو العذاب النازل بسبب الذنوب؛ فعبر بالمسبَّب وأراد السبب. وذلك طهارة الباطن.
- عدم المنّ بالعمل استكثاراً له؛ فمن استكثر فقد منّ. وكيف يستكثر من ربَّهُ يُكبّر!
- الصبر لله.
- ثم النظر في المآل وهو يوم القيامة.
ثانياً: الضيق بالنصيحة، والانزعاج من النقد. وهذا مؤشر خطير على وجود بذور الشرك الخفي؛ فعلى صاحبه الإسراع بنبشها قبل هبشها.
ثالثاً: التطاول الخفي أو العلني على أقرانه.
رابعاً: التذمر من إرهاق العمل لا بطريقة العرض الهادف والنقاش الهادئ، وطلب الإعفاء من بعض الأعمال الزائدة، وإنما بطريقة الشكوى وتحميل أقرانه أو مسؤوله تبعية انشغاله وإجهاده، وربما ذكر تقصيره في حق نفسه وأهله نتيجة استغراقه. لا سيما إن كان ما يعمله يعمله باختياره، ولم يلزمه أحد بأدائه.
من أراد أن يكون (أول المسلمين) فليعط الأولية استحقاقها:
دَبَبْتَ لِلْمَجْدِ وَالسَّاعُونَ قَدْ بَلَغُوا
جَهْــدَ النُّفُوسِ وَأَلْقَوْا دُونَه الأُزُرَا
فَكَابَدُوا الْمَجْدَ حَتَّى مَلَّ أَكْثَرُهُمْ
وَعَانَقَ الْمَجْدَ مَنْ أَوْفَى وَمَنْ صَبَرَا
لا تَحْسَبِ الْمَجْدَ تَمْرًا أَنْتَ آكِلُــــــهُ
لَنْ تَبْلُغَ الْمَجْــدَ حَتَّــى تَلْعَقَ الصَّبِـرَا
خامساً: تفسير تفوق غيره في العطاء دون ظهور بادرة تذمر منه بأنه يتمتع بأسباب خارجية، لا إلى مزايا ذاتية تعينه على ذلك. وهذا مخالف لقوله تعالى: (هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (آل عمران:165) وما في بابه من الآيات. يعود سبب هذا التفسير إلى جذور نفسية قد يكون أساسها صحيحاً وهو الثقة بالنفس والاعتداد بها والتبرم بتفوق الغير عليها ما دام دافعاً لصاحبه إلى التنافس المحمود. لكن حين يتضخم هذا الأساس في غفلة من صاحبه يتحول إلى طغيان خفي، وإهمال لردم الفجوات ومعالجة للعلل الداخلية.
هناك حالة يوجه فيها النقد إلى رأس المؤسسة بطريقة غير مقبولة، منها ما يكون مستنده دعوى تمتعه بمزايا خارجية كالنفوذ أو العلاقات أو المال، يرجع إليها سر تفوقه الذي ينبغي أن يكون من مميزات رأس المجموع؛ وهذه – كما يبدو – عبارة عن دفاع سلبي مبطن عن الذات ناشئ عن رغبة خفية في التقليل من شأن الجميع. وقد لا يكون التقليل مقصوداً لذاته، وإنما رغبة في التوصل إلى الدفاع عن تقصير الذات وإرضائها بنوع من الشعور بالتفوق، وإظهار ذلك للآخرين. وكأن عقله الباطن يهجس له قائلاً: لولا تلك التسهيلات والأسباب الخارجية ما زاد عليك رئيسك، ولو جُرد مما حرمت منه لكان دونك. فكيف بمن دونه في المرتبة!
في خريف/2008 كنت أدرس حالة شخص هو من أقل العاملين معي إنتاجاً، وأبطئهم عملاً، وأكثرهم كلفة، وأشدهم تذمراً وشكوى تسبب في مشاكل جمة أثرت على آخرين معه. فتوصلت بعد التفكر والنقاش إلى أننا أمام حالة تقصير وصلت إلى درجة القعود من شخص يبدو أنها أقلقته وأزعجته، لكنه يصعب عليه أن يواجه نفسه بما هي عليه من حالة لا يرضاها، ثم هو -لسبب ما -لا يريد التخلص مما هو فيه بالطريقة السليمة. هنا يأتي دور الحيل النفسية للعقل الباطن من أجل التخلص من الضغط الداخلي الذي سببته له هذه الحالة؛ فلم يجد خيراً من (إسقاط) ما هو فيه على غيره على العاملين معه وسيلةً يتخفف بها من القلق والإنزعاج. ثم لا أفضل من أن يكون رأس المؤسسة هو أول من يتوجه إليه بهذا (الإسقاط)؛ لأن هذا يجلب له غاية الراحة، ويمنحه العذر الكافي لتبرير تقصيره وقعوده؛ فإذا كان القدوة هو العلة الأساسية لما يعاني منه ويلام عليه؛ فلا يمكن لنفسه -بعد ذلك -أن تؤنبه، ولا لأحد أن يلومه على تقصيره؛ لأن ما هو فيه سيبدو تحصيل حاصل، ومن باب أولى.
وتأملت في العلاج فوجدت وصفته في أمرين:
- إرشاد العامل وتشجيعه على طرح معاناته أو اعتراضه بالصورة المقبولة بعيداً عن التشنج.
- تحديد المهام تجنباً للإرهاق؛ فقد يكون الشاكي على حق، ولا عجب ولا بأس ما كانت شكواه لماماً وأسلوبه تماماً. فمن زاد طوعاً لا كرهاً في عمله، فلا يُحملنَّ أصحابه مسؤولية عبء هو اختاره لله بنفسه، وليكن هِجِّيراه: (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) دون ضيق، أو يتخفف منه بالطلب الرفيق. وليستحضر خصال القائد الرسالي في أول سورة (المدثر). وإنما يكلف المرء على قدر عنوانه.
ودون ذلك ربما وصل المرء إلى أخطر الحالات وهي:
سادساً: الانقطاع عن العمل بالكلية. وربما زاد فهجر سربه هجراً غير جميل، وسلق صحبه بلسان طويل صقيل. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
- العائلة
تأتي الزوجة على رأس العائلة في عملية التعويق؛ فالمرأة – بحكم طبيعها وظروفها –عادةً ما تكون بعيدة عن أجواء العمل القيادي بحكم ، وتأثير الثقافة الشائعة. وربما كانت الزوجة رقيقة الدين، تغلِّب الدنيا على الآخرة؛ فبدلاً من أن تكون عوناً لزوجها على دينه وقضيته تكون عبئاً عليه وعائقاً في سبيله. وهذا غالباً ما يؤدي إلى ضعف في تقييم الموقف؛ فينتج التذمر من طول غياب الزوج عن البيت. وقد يكون التذمر طبعاً لدى بعض النساء فتكثر منه حتى تسوء العلاقة البيتية فيتأثر الزوج بنسب متفاوتة، إن لم يقتنع تمام الاقتناع بما تقول له وتهجس به إليه فيتباطأ وقد يتوقف فينقطع عما كان عليه من قبل من عمل يمثل البطاقة الأرجح في ميزان الحسنات والخطوة الأفسح في سلّم الدرجات. وفي ذلك يقول سبحانه:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن:14-16): قال ابن كثير في تفسيره ما مختصره: بمعنى أنه يلتهي به عن العمل الصالح كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون). وقال مجاهد: يحمل الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه. وذكر في سبب نزول الآيات عن ابن عباس قال: هؤلاء رجال أسلموا من مكة فأرادوا أن يأتوا رسول الله e فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدَعوهم. فلما أتوا رسول الله رأوا الناس قد فقهوا في الدين فهمّوا أن يعاقبوهم، فأنزل الله تعالى هذه الاَية (وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم)([1]). إ.هـ.
فذكر فتنة العائلة (الزوجة والولد) إلى جانب فتنة الوظيفة (ممثلة بالمال) وحذر منهما معاً. ثم وضع العلاج المناسب لهما، وهو مركّب من ثلاثة عناصر:
- الأمر بحسن التعامل مع العائلة وذلك بالعفو والصفح والمغفرة.
- حث الزوج أهله على العمل في السبيل نفسه الذي يسير هو فيه. وذلك من مفردات عموم التقوى المنوه عنها في قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). ويؤيد هذا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) (التحريم:6)؛ فوقاية الأهل من التقوى المأمور بها.
- الإرشاد إلى أن يتقي المرء ربه قدر استطاعته، ولا يحمل نفسه فوق طاقته، فيقصر في حقها وحق عائلته. وليكن نشاط القائد خاضعاً لقاعدة (ساعة وساعة)([2]).
فإذا فعل الرجل هذا ثم استمرت العائلة على ما هي عليه، فهو على مفترق خيار: أن يبتغي أي حل آخر ليحافظ على مستواه ويترقى فـي مسراه. أو أن يستمر في تأثره وتعثره فلا يحسبن نفسه من ذلك الطراز من القادة، الذي تتجدد به الحياة، وتنتصر الدعوات.
- الوظيفة والانهماك في العمل
قد يبدأ الشاب حياته داعياً نشيطاً، يؤمن بأن الحياة الحقة هي ما كان صاحبها يعيشها لأداء رسالة. وينتهي قائداً في مؤسسة قبل أن تثقله الوظيفة بأعبائها، أو يكرثه العمل من أجل الكسب بمطالبه. حتى إذا ابتلي ببعض ذلك أو كله بدأ بالتباطؤ شيئاً فشيئاً والتنصل عن مسؤوليات هو تحملها، وهي التي أهلته للقيادة. وربما كان الكسب من أجل كماليات الحياة والتأثل منها، لا من أجل ضرورياتها وحاجياتها. فيؤثر العاجل على الآجل مع رغبته في تصدر العمل القيادي، وينسى أن جدارته التي كان عليها هي التي رشحته للصدارة. وهو اليوم يتطلب صدارة بلا جدارة؛ وهذا لا يكون. وإلى ذلك الإشارة بقوله سبحانه: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (التغابن:15). وهي حالة خطيرة تنشأ من الغفلة إذا طال أمدها، حذر الله تعالى منها الصحابة أنفسهم y، فكيف بغيرهم! فقال: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد:16).
ما نحتاجه ركناً للمؤسسة وشرطاً لدوام حيويتها وقدرتها على التجدد والإبداع المستمر هو وجود ما يكفي من طراز “القائد الأصيل”، ووضع الضوابط لعدم صعود “القائد الوكيل” إلى رأس المؤسسة. هذا هو الذي يحافظ على قيادية المؤسسة وعدم تحولها إلى مجرد إدارة مهمتها التنفيذ دون القدرة على التوجيه والتعديل.
- نظرة الجمهور التقديسية إلى القائد
من أعظم العقبات في طريق القائد نظرة الجمهور التقديسية إلى لقائد. وجذورها العميقة تنبت في تربة التثقيف الديني المِنبري، والطرح الوعظي الاستعراضي، والقَصص الشعبي، والإعلام بجميع أشكاله. وكلها تقوم على تضخيم صورة القائد في ذهن المتلقي، وتصويره كتمثال بِلَّلوري يشف صفاء ويشع بهاء. لا ثلمة فيه ولا أسرار أو حيثيات خاصة تعتريه، سوى هذا الذي يظهر للعيان.
عندما ينظر المعاصرون للقائد والمقربون منه فيجدونه مغايراً لما ثبتت في ذاكرتهم من صورة قدسية له، تقل منزلته في نفوسهم ويتضاءل أثره في القدرة على قيادتهم، فيزهدون فيه ويبحثون عن غيره في دائرة لا تعرف مبتداها من منتهاها. أخيراً يجد القائد نفسه بين خيارين: إما استعمال القوة أو التسليم. وهو إلى الخيار الأول أقرب.
الشعوب المتخلفة هي التي تصنع الصنم.
إن هذا مخالف للمنهج الرباني في التربية. فالقرآن الكريم يطرح القائد بشراً يخطئ ويصيب. ولم يستثن من ذلك الأنبياء عليهم السلام.
وذكر أهل بدر رضي الله عنهم فكان أول شيء ذكره عنهم اختلافهم في قسمة الغنائم: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (الأنفال:1)، وترددهم في القتال: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ) (الأنفال:5،6). ولم يكن هذا بضائر لهم ولا مانعاً من أن يُثني الله تعالى عليهم أجمل الثناء فيقول عنهم في آخر السورة: (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الأنفال:74). هذا هو شأن الجيل القدوة، فمن رضي فله الرضا واستقامت عنده الأمور بين القائد والشعب. ومن سخط فليس له إلا السخط.
[1]– وكذا رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.
[2]– روى مسلم عن حنظلة الأسيدي (قال: وكان من كتّاب رسول الله e) قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟! قال قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال قلت: نكون عند رسول الله e، يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين. فإذا خرجنا من عند رسول الله t، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله e. قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال e: (وما ذاك)؟ قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأى عين. فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً. فقال رسول الله e: (والذي نفسي بيده! إنكم لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم. ولكن، يا حنظلة! ساعة وساعة) ثلاث مرات.
البَطَلُ الأُسطُورِي وَظَاهِرَةُ الشَّلَلِ القِيَادِي
«رأى صلاح الدين الأيوبي في إحدى ساعات السحر خيمة من خيم المعسكر أصحابها نائمون، فقال: “من هنا جاءتنا الهزيمة”. وأيقظهم لقيام الليل». هذا ما قاله خطيب الجمعة. كان إلى يساري رجل – رأيته ختم سورة (الكهف) مع صعود الإمام المنبر- أخذ يحرك رأسه تأييداً لما قال الخطيب، وكأنه يؤنب نفسه على تقصيرها!
عند باب المسجد قلت لصاحبي:
– الهزيمة تأتي بترك المستحبات أم الواجبات؟
– بل بترك الواجبات.
– فهل كان صلاح الدين يجهل هذا؟
– لا، بل خطيبنا.
إن الثقافة السائدة تعرض لنا الأبطال متدثرين بثياب الأساطير، وكأننا نرى الممثل الأمريكي (سيلفستر ستالون) في سلسلة أفلام (رامبو) التي لا وجود لوقائعها الخيالية إلا على شاشة السينما أو التلفزيون. الحقيقة أن (رامبو) الأمريكي الذي في الميدان رأسه مدمى بكُدوم الخسارات. هذا هو واقع أي جهة منتصرة: فرداً أو جماعة، قد تقل الخسارات مع هذه الجهة أو تزيد مع تلك. لكن الثقافة العربية تأبى إلا أن تطرح أبطالنا في ثياب الأساطير.
منهج الإسلام في عرض سيَر الأبطال
إن خيرة الخلق هم الأنبياء عليهم السلام، ومع ذلك طرح القرآن الكريم صورة النبي في حالتيه: القوة والضعف. وخيرة الصحابة هم أهل بدر. لكن سورة (الأنفال) التي قصت علينا معركة (بدر) افتتحت آياتها -كما ذكرنا في موضع سابق -بالحديث عن اختلاف أبطال بدر حول الغنائم: (الأنفال:1-4)، وعن تردد بعضهم عن خوض غمار المعركة: (الأنفال:5-8)!
أحد أبطال (بدر) حاطب بن أبي بلتعة، كان يشتط في معاملة عبيده حتى شكوه إلى رسول الله e. وهو الذي أرسل إلى قريش ينذرهم غزو النبي e لهم. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: (إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) رواه البخاري.
وممن شهد بدراً مسطح، وكان ممن خاضوا في (الإفك). تقول عائشة رضي الله عنها: (فأقبلتُ أنا وأم مسطح، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح. فقلت: “بئس ما قلت، تسبين رجلا شهد بدراً) رواه البخاري. وكان علي وعمه عباس رضي الله عنهما يتنازعان في شأن أرض لهما حتى يستبا. متفق عليه. لكن يظل هؤلاء هم خيرة الرجال، ولا ينقص من أقدارهم مثل هذا؛ فإنه من لوازم طينة البشر.
الثقافة المنبرية تريد منا أن نكون في واقعنا خيراً من هؤلاء العظماء!
جناية الثقافة السائدة على البطل الراهن
يصر الواعظ والخطيب والمدرس والمربي على عرض صورة زاهية للبطل أو القدوة تصل به إلى حد التقديس أو العصمة الشاملة. بل سمعت من يقول: نريد جيلاً في الإيمان كالصدّيق، وفي العدل كالفاروق، وفي الأمانة كأبي عبيدة، وفي الشجاعة كابن الوليد… ولم يترك صفة راقية إلا ويريد من الجيل الراهن تمثلها. مع أن حيازة تلك الصفات مجتمعة على أعلى درجة يعجز عنه الواحد أو الجيل من الصحابة أنفسهم!
إن لهذا آثاره الخطيرة على الاجتماع والسياسة وغيرهما، من تلك الآثار:
- تبخيس الذات: غرس اليأس في نفس المتلقي من أن يكون له موقع قيادي في المجتمع؛ فينكفئ على ذاته، ولا يجد دافعاً كافياً لتنمية مواهبه؛ لأنه ينظر إلى نفسه فيجدها عاجزة عن بلوغ ذلك المستوى الذي خيلوا له أنه شرط لبلوغ ذلك الموقع. مع أن كتاب الله تعالى فتح الباب أمام جميع المسلمين كي يتنافسوا في المراتب العليا، فقال سبحانه: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162،163). وجعله النبي e أحد أدعية استفتاح الصلاة. ومن دعاء عباد الرحمن: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان:74).
- تبخيس القائد: زهد المرء في الشخص الذي يقوده، أو يجده يتقدم أي منظومة عمل سواء كان أو لم يكن منتسباً إليها. بل سرعان ما يتفلت عن طاعته، ويروغ عن مسار جماعته. وقد يتركه ذاماً له خاذلاً إياه. إنه يبحث عن القائد الأسطوري فيصاب بالإحباط بعد مدة ليست طويلة يجربه فيها فيجد له عثرات وخطيئات وخصومات؛ فيزهد فيه ويتركه. وقد يتمرد عليه.
هكذا تعيش الأجيال في دوامة من الفشل الذي يلاحق أي عمل قيادي.
هل تعلم أن هذا سر زهد المشركين في النبي الراهن الذي يعايشونه، مع تعظيم النبي السابق الذي لم يروه. كشأن قريش آمنوا بإبراهيم وإسماعيل، وأهل الكتاب آمنوا بموسى وعيسى، عليهم السلام، لكنهم كفروا بمحمد e، مع أنه أعظم من أولئك.
إنهم يبحثون عن نبي أسطوري (ليس من جنس البشر العاديين)، والله تعالى يؤكد على أن النبي بشر مثلهم ومن جنسهم. ويحكي لهم من قصص الأنبياء ما يؤكد بشريته، ومنه أنه يخطئ ويذنب ويخاف ويفر ويتردد.
وقد شارك الأشاعرة في ترسيخ النظرة العصموية للأنبياء في الثقافة السائدة. وكتب الرازي كتاب (عصمة الأنبياء) تأوّل فيه جميع الأخطاء التي ذكرها القرآن عن الأنبياء.
- استبداد القائد: يجد القائد في نهاية المطاف نفسه في حيرة من أمره؛ إذ يبقى يعاني من تفلت الناس؛ فإما أن يتساهل معهم فلا يطيعوه، وإما استعمل معهم القوة فأجبرهم على طاعته.
من هذه النقطة يولد القائد المستبد.
وقد ينزلق أكثر فيتحول إلى القائد الطاغية.
وهذا أحد أسرار وجود الطغاة في الشرق. إنها النظرة العصموية الأسطورية لدى شعوب المنطقة تجاه القائد. ويشارك الوعظ الديني مشاركة فاعلة من حيث لا يدري في تنمية وإدامة هذه الظاهرة الخطيرة.
* *
وواصلت الحديث مع صاحبي قائلاً: هل تعلم أن القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي كان يشرب الخمر ويمارس أنواع اللهو إلى ما بعد سيطرته على زمام الحكم في مصر والقضاء على دولة الفاطميين؟ وكان يلعب مع الأمير نور الدين زنكي الكرة؟([1]). يقول المؤرخ ابن شداد (ت 632هـ)، وهو معاصر لصلاح الدين، وكان مرافقاً له أيضاً، عن عمه شيركو: وفوض الأمر بعده إلى السلطان واستقرت القواعد واستتبت الأحوال على أحسن نظام. وبذل المال وملك الرجال وهانت عنده الدنيا فملكها وشكر نعمة الله عليه، فتاب من الخمر وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمص بلباس الجد والاجتهاد وما عاد عنه ولا ازداد إلا جداً إلى أن توفاه الله إلى رحمته([2]). وإذا علمنا أن عمه أسد الدين شيركو توفي عام 564هـ، علمنا أن عمر صلاح الدين (532 هـ – 589 ه) يوم تاب 32 سنة. وركاب المنابر يقولون: لم يضحك قط حتى فتح بيت المقدس؟
وضحكنا، لكن ضحكاً لم يخل من غصة.
[1]– سير أعلام النبلاء، 21/282، شمس الدين الذهبي، تحقيق مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة ، 1405هـ/1985م.
[2]– النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية (سيرة صلاح الدين الأيوبي)، ص81، يوسف بن رافع ابن شداد، تحقيق الدكتور جمال الدين الشيال، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1415هـ – 1994م.
مجَانِينُ العُقَلاءِ .. وَكَارِثَةُ القِيَادَة
يمكنك ملاحظة حالة عقلاء المجانين عندما ترى شخصاً غير متوازن في ظاهره وسمته، لكنه هادئ ينطق أحياناً بكلمات عاقلة، قد تبلغ عمقاً لا يبلغه بعض العقلاء بعقولهم! لا أدري إن كان علم النفس قد درس شخصية (عقلاء المجانين)، لكن هناك ما هو أهم وأخطر حري بعلم النفس والاجتماع أن يدرسه دراسة مستفيضة هو شخصية (مجانين العقلاء)!
الناس صنفان: عقلاء ومجانين. والمجانين صنفان:
- صنف مجانين في ثوب مجانين. لكن الجنون يأتيهم على شكل نوبات تقصر أو تطول، يعقبها فترة هدوء تطول أو تقصر. في فترة الهدوء تبدر منهم كلمات، يرقى بعضها إلى مستوى الحكمة. يطلق على هؤلاء اسم (عقلاء المجانين). وهؤلاء قلة في المجتمع.
- صنف مجانين في ثوب عقلاء، وهؤلاء يمثلون معظم المجتمع! وإليكم الدليل:
المجانين أكثر من العقلاء .. هل تعلم !
للجنون في علم النفس تعريفات تتفق مع تعريفات علماء الأصول، يلزم منها أن جمهور الناس هم من صنف (مجانين العقلاء)! فالجنون طبقاً لـ(علم النفس) يدور معناه حول (مجموعة من السلوكيات الشاذة التي تميز أنماطاً من السلوك الشاذ يقوم بها أشخاص دون وعي وإدراك، ورغماً عن إرادتهم)([1]). والجنون عند الأصوليين: (اختلال القوة المميزة بين الأمور الحسنة والقبيحة المدركة للعواقب بأن لا يظهر آثارها ويتعطّل أفعالها، إما لنقصان جُبل عليه الدماغ في أصل الخلقة، وإمّا لخروج مزاج الدماغ عن الاعتدال بسبب خلط وآفة، وإمّا لاستيلاء الشيطان عليه وإلقاء الخيالات الفاسدة إليه)([2]).
ويؤيد هذا ما اشتهر عن ألبرت آينشتاين في تعريف الجنون بقوله: (الجنون هو أن تفعل الشيء مرةً بعد مرةٍ وتتوقع نتيجةً مختلفةً). وهذا ديدن معظم الناس. واستناداً إلى ما سبق يكون معظم المجتمع أو جمهور الناس مجانين في ثياب عقلاء.
وفي القرآن الكريم ما يؤيد ما قلت آنفاً؛ فالله تعالى يقول: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف:179). ليس هؤلاء عقلاء في حقيقة الأمر. وسيعترف بهذه الحقيقة هؤلاء المجانين أنفسهم حيث لا ينفع الاعتراف: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ) (الملك:12،11). وإذا عرفت أن أهل النار أكثر من أهل الجنة تبين لك ضخامة نسبة المجانين في الناس مقارنة بالعقلاء. على أنني لا أقصد مجانين المجتمعات الكافرة فحسب، إنما أتعداه إلى المسلمين.
المشكلة أن هذا التصنيف ربما يرفضه أكثر القراء؛ لأنه لا أحد يرضى أن يصنف نفسه أو يصنفه غيره ضمن زمرة المجانين حتى وإن وصفوا بالعقلاء. حتى المجنون يرى نفسه يتربع على قمة العقل، ولو وصفته بالجنون لربما هاجمك فقتلك. فالقضية نفسية لا علمية. وهنا مكمن الصعوبة.
الحد الفاصل بين مجانين العقلاء وعقلاء المجانين
الحد الفاصل بين (عقلاء المجانين) و(مجانين العقلاء) هو الثوب أو الإطار الذي يغلف كلاً منهما. فـ(عقلاء المجانين) عقلاء في إطار مجانين، واضح من اضطراب هيئتهم وقيافتهم وتصرفهم وكلامهم أنهم يعانون من خلل عقلي، لكنَّ لهم عبارات وأقوالاً مقبولة، وربما تجاوزت القبول إلى الإعجاب. كما روي عن البهلول أنه قيل له: عظنا يابهلول؟ فقال: بم أعظكم؟ هذه قصوركم وهذه قبوركم.
أما (مجانين العقلاء) فهم مجانين في إطار عقلاء. هيئتهم، قيافتهم، تصرفهم، كلامهم، كل ذلك وغيره يجري على سَنَن العقل، مؤطر بالمعقول والمقبول والمدلل عليه إن احتاج إلى دليل. ومن هذا الصنف أساتذة جامعات، ورؤساء وملوك وأمراء وشيوخ دين ووجهاء وتجار وغيرهم. لكن الجنون يكمن في المضمون. عقلاء بمضامين مجنونة، على العكس من الصنف الآخر: مجانين بمضامين معقولة.
متى يصبح مجانين العقلاء خطراً على المجتمع ؟
عقلاء المجانين لا يخشى منهم البتة؛ لأنه لا أحد يلتزم بكلامهم، حتى المعقول منه يسمعه الناس وهم يبتسمون، ويروونه وهم يعجبون! ثم هم قلة ضعيفة لا تمتلك القدرة على التفكير والتخطيط، فضلاً عن القيادة. إنما الخشية من مجانين العقلاء؛ فهم جمهور المجتمع.
ويبدأ الخطر بالتجسد حين يقفز من هذا الجمهور أفراد يتصدرون المشهد الاجتماعي سيما إذا صاروا قادة أو زعماء. هنا تتفجر طاقة الجنون التي كانت متوارية في داخلهم خطباً حماسية تثير النفوس، ومواعظ رقيقة تستدر الدموع، وكلاماً محكماً يقيد العقول، ومشاريع تحشد لها الألوف، ومعارك تجند لها الزحوف. كل ذلك يتم في إطار دعوى الحق والحقيقة. وربما جرى تغليفه بالمصلحة الشرعية والعزة القومية والوحدة الوطنية! والجمهور من ورائهم يهتف ويصفق ويسير.
وإذا تبين للزعيم المجنون خطأُه أصر عليه لموقعه وعنوانه الاجتماعي، في مفارقة قاتلة تدفع الشعوب لها أثماناً باهضة؛ لأن عنوانه يدفعه إلى الاعتزاز بالإثم. عكس الجمهور، فإنه إذا اكتشف الحقيقة المؤذية صرح بذمها وتنصل منها. لهذا عادة ما يتعلم الجمهور بالحدث، لكن الزعيم المجنون لا يتعلم لا قبل الحدث ولا بالحدث ولا بعده. إلا حين يجد الجمهور قد انفض عنه. هنا يبدأ بتبني ما مال إليه الجمهور شيئاً فشيئاً من أجل العودة إلى ظهره ليركبه من جديد. ولكن بعد فوات الأوان.
أرأيت كيف صار مؤخراً كثير من (الوطنيين)([3]) ينطقون على استحياء بلفظ (السنة) أو يتكلمون باسمها! وكنا قبل ذلك بسنين نتحداهم، ونتحدى القنوات الفضائية العراقية مثل الرافدين (هيئة علماء المسلمين) وبغداد (إخوان مسلمون) والشرقية (ليبرالية)، ومثل قناة الجزيرة القطرية، والعربية الإماراتية أن يظلوا على (وطنيتهم) ثابتين ويصمدوا أمام الظروف فلا يقولوها حتى لا يصبحوا مثلنا (طائفيين). وقلنا لهم: ستجبركم الأيام على تقيؤِها لأن الاستمرار في مكابرة الحقيقة مخالف للحقيقة. وها هم يقولونها ولكن تقيؤاً مثيراً للغثيان ومتخلفاً عن الأوان.
من جملة المفارقات القاتلة أن الوقائع إذا وقعت، والحقائق إذا تكشفت وتبين للجمهور حجم الخديعة، لا يحسن الجمهور المسكين غيرَ تبديل زعيم بزعيم وإن كلاهما مجنوناً!
فلما أتى المجنونُ([4]) نحتُ على نوري دعوتُ على نوري فماتَ فسرَّني
بكيتُ على المجنونِ ثمَّ على نوري فلما قضى المجنونُ وانثلَّ عرشُهُ
أمثلة لمجانين العقلاء
إن أمثلة كثيرة كنيرون وهانيبعل ونابليون وهتلر وموسوليني وستالين وفيدل كاسترو وشاوشيسكو وكيم إيل سونغ وتوني بلير وجورج بوش، وغيرها من الأمثلة التي أمست في ذمة التاريخ قد لا نختلف فيها كثيراً. لكنني أريد أن أشير بيدي إلى مجانين في واقعنا المر يصعب الإشارة إليهم دون إثارة إشكالات فكرية وفئوية أقلها أن يقال: فماذا أبقيت؟! ولبعضهم حسنات تستغرق نظر البعض فلا يرى غيرها، منهم:
- عبد الناصر وأبو رقيبة والشاه والخميني وصدام والقذافـي وبشار الأسد وعلي عبد الله صالح ونوري المالكي. وكل عقيد قوم يشبه هؤلاء وأولئك الذين يصدق عليهم قوله تعالى: (بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) (إبراهيم:28) من ذوي الأهواء والأدواء أو الأفكار الخيالية التي بذلوا في سبيل إنباتها في الهواء أنهاراً من الدماء، وحولوا بلدانهم إلى أطلال وأشلاء.
- الأحزاب الدينية كجماعة الإخوان المسلمين وتفرعاتها، والقاعدة وأخواتها. ومعظم فصائل المقاومة الفاقدة للمشروع، إن لم تكن جميعاً، والأحزاب القومية والليبرالية والعنصرية والإلحادية مثل البعث والشيوعية.
- كل من يقفز إلى الحل العسكري أو السياسي قبل أن يُحْكِم المشروع المدني. بغض النظر عن أحقيته وغيرته ونخوته. فالجنون لا يلغي الحق ولا الحقوق.
- جميع فقهاء الفروع، الذين لا يعلمون كثيراً عن فقه النوازل ولا معنى الفقه الشرعي، ولا من هو الفقيه الحقيقي.
- معظم شيوخ العشائر والوجهاء والأثرياء الذين لا يهمهم سوى وجاهتهم ونفوذهم وأموالهم وشهواتهم.
قبل بضع سنين جمعني مجلس بشيخ دين([5]) يرأس إحدى المؤسسات التقليدية فكان يتحدث بحماس عن الأخوة السنية الشيعية، والشيعة العرب ولا فرق بين سني وشيعي، والبلد الواحد، والوشائج والمصاهرات والدين الذي يشد الجميع بحبله المتين. فقلت له: يذكر المؤرخون أن بغداد تعرضت منذ تأسيسها على يد المنصور حتى الآن إلى (16) احتلالاً، أي بمعدل احتلال واحد كل (80) سنة. وإذا كانت معركة الشيعة معنا في الاحتلال الأخير دارت في العاصمة بغداد، ووصلت أطرافها إلى الفلوجة، وطال بعض شرارها الرمادي: فإننا – إذا بقينا على هذا التثقيف -سنصحو على الشيعة عند الاحتلال القادم، أو قبله بعد أقل من خمسين سنة – لا سمح الله – وهم يقاتلوننا في الفلوجة والأنبار.
يبدو أنني يومذاك كنت متفائلاً كثيراً؛ فبعد سبع سنين فقط – لا خمسين – ها هو قاسم سليماني يتجول في تكريت ويقود المعركة من عقر دار المجنون الأخير. ولم يتمكن التكارتة ولا غيرهم حتى من الحفاظ على قبره([6])!
وبعد..
فهذا ما وفقني الله تعالى إليه من نظرات في ميدان القيادة. أشكره تبارك وتعالى عليه. وأسأله أن ينفع به أمتنا السُنية في طريقها الناهض إلى الأمام.. الصاعد باتجاه السماء، وينفعني به وقارئه في الدنيا والآخرة. إنه سميع قريب مجيب.
[1]– راجع الرابط التالي: (http://ar.wikipedia.org/wiki) على موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة بعنوان (جنون) محيلاً إلى: An interview with Dr. Joseph Merlino, David Shankbone, Wikinews, October 5, 2007.
[2]– المصدر نفسه محيلاً إلى: محمد علي التهانوي، كشف اصطلاحات الفنون ص640.
[3]– كتبت هذا الموضوع في ربيع سنة 2015.
[4]– المجنون لقب أطلقه العراقيون على عبد الكريم قاسم الذي أنهى الحكم الملكي في العراق سنة 1958.
[5]– الشيخ حارث سليمان الضاري، الأمين العام لهيئة علماء المسلمين.
[6]– لا يعني ذلك نفي ما عند بعض هؤلاء من نوايا صالحة، وأفعال خيرة، وإنجازات قيمة. فالرئيس صدام حسين – مثلاً – حارب إيران ثماني سنين. لكنه فعل ذلك بعقلية مجنون. ولو كان عاقلاً ما كانت نهايته ونهايتنا ما تعلمون! وقس على ذلك.



إرسال تعليق