مشروعنا ومنهاجنا
بسم الله نبدأ.. وعلى بركته نسير.. ولقاه نرجو (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)([1]). يحدونا صوت البشير النذير، فنحن على آثاره ماضون، ولنصرته مشمرون، فالميدان رحب، والطريق لاحب؛ والصراط مستقيم، والسعيد من رزق البصيرة والثبات على الحق حتى يأتيه اليقين. ويا رب صل وسلم وبارك على نبينا وقائدنا وهادينا ورائدنا محمد، وعلى آله.. أصحابه وأتباعه أجمعين.
وبعد..
فما أصدق هذه العبارة وأجملَها..
“من لم يكن له مشروع كان ضحية لمشاريع الآخرين”..!
يا لها من حكمة عظيمة! طرقت سمعي قبل بضع سنين. وما فتئت تراودني كلما تأملت حوادث التاريخ، وتقلبت بين صفحات الدعوات، واستنطقت سيَر روادها الناجحين. وما سألت نفسي عن سر التضحيات الجبارة التي بذلتها حركات التحرر والجهاد في القرن المنصرم، ثم احتضن حصيدها الأغيار، وجنى ثمارها سوى الأخيار: إلا وتبادرت إلى ذاكرتي، ورنت بإيقاعها المعهود..
“من لم يكن له مشروع كان ضحية لمشاريع الآخرين”..!
ولم يكن التاريخ هو الشاهد الوحيد، بل الجغرافية والواقع الأليم كان الشاهد الثاني؛ وسحب الزمن علينا – نحن سنة العراق – سلسلته الثقيلة، فكانت (المقاومة العراقية) العظيمة آخر حلقة في سلسلة التضحيات المُهدرة؛ لقد بذل فيها أعظم الأثمان، وحققت أعظم الإنجازات فأخرجت المحتل وأحلافه من العراق وعلى رأسه دولتان عظميان هما أمريكا وبريطانيا، لكنها فشلت في أن تمسك الأرض فسلمتها لغيرها، ولم يكن أمامها سوى هذا الخيار. بل عجزت عن أن تحمي نفسها وأفرادها فهم اليوم بين معتقل ومستخْفٍ وشريد!
وتسأل: لماذا؟ وأجيبك: لأنها سارت في الطريق نفسه التي سلكتها أخواتها من قبل، فدخلت المعمعان وخاضت الحرب العوان بلا مشروع ناضج. ولم تكن المقاومة وحدها التي تعمل بلا مشروع، فالعمل السياسي كان بلا مشروع أيضاً. ومثله العمل الديني والدعوي، والعمل الخيري والإغاثي، وبقية الأعمال والأنشطة الخيرة؛ كلها مبتورة عن نهاياتها، قاصرة عن كمالاتها، فكأنها حبات من الخرز بلا سلك ينظمها، أو حلقات تناثرت بعد أن انقطعت سلسلتها. المصير نفسه كان نهاية ثورات (الربيع العربي). والشيء عينه يجري في سوريا، ومرشح لنهاية مشابهة.
نتائج بائسة لا تتناسب وما يقدمه الأشراف لها من جهد وتضحيات، وكان هناك من يضحي، وآخر يستفيد. بل أصبح من المعتاد أن يكون المضحي هو الضحية! وكنا كالذي يغرس وغيره يجني؛ ولا غرو فإن من يحضر إلى الحصاد ويده خالية من السلة يكون الحصيد من حصة غيره. وتفتش عن الخلل فتقع على أن السلة تنسج دوماً خارج مصنع (المشروع). المشروع إذن هو سبيل الخلاص من هذه المآزق المتكررة. حقاً..
”من لم يكن له مشروع كان ضحية لمشاريع الآخرين“ ..!
وهل يعقل أن المجاهدين لم يكن لديهم من مشروع؟ ونقول: توجد مشاريع لكنها ناقصة، وأهم ما ينقصها وجود سيد المشاريع كلها ألا وهو المشروع المدني؛ فالجميع يعمل ولكن إما في مشروع عسكري أو مشروع سياسي. ويفوتهم أن أساس النجاح هو المشروع المدني قبل المبادرة إلى أي مشروع آخر. المشاريع كلها ينبغي أن تنطلق من هذا المشروع، وإلا كانت النهاية كالذي يبني على غير أساس. وهذا هو الذي بدأ به النبي e عمله لتحقيق هدفه العالمي، فكان النجاح حليفه في آخر المشوار.
الأوهام القاتلة
- يتوهم معظم الناس أن المشروع يعني الجهاد بمفهومه العسكري، وهذا هو النفق الذي ابتلعَنا وما زال يبتلعنا منذ زمن بعيد. وهذا الوهم وإن كان أساسه الإيمان بهذه الفريضة العظيمة، ومبناه على أن أمة الإسلام أمة جهاد، لكن يفوت اصحابه أن الجهاد في الإسلام بمعناه العسكري لم يفرض إلا بعد خمسة عشر عاماً من الجهاد والإعداد السلمي المدني. كما يفوتهم أن جهاد الأمة طيلة تاريخها كان ينطلق من جسم دولة لا وجود لها اليوم البتة. وهذه الدولة هي بمثابة المشروع المدني الحاضن للجهد العسكري.
- ويتوهم آخرون أن العمل السياسي هو االمشروع المطلوب. ونقول فيه ما قلناه آنفاً، فالعمل السياسي في الإسلام – كما سيأتي بيانه لاحقاً – جاء متأخراً في حياة الرسول e. وكلا الجهدين (العسكري والسياسي) لا يشكلان مشروعاً حقيقياً. وإنما هما عبارة عن مشاريع فرعية ساندة ومكملة للمشروع المركزي الكبير، وهو المشروع المدني، ولا يمكن بحال أن يكون أحدهما أو كلاهما بديلاً عنه. (المشروع المدني) بمثابة الجسم القائم، والصدر الحاضن، والقلب النابض، والرأس المفكر. أما العسكرية والسياسة بالنسبة إليه فبمنزلة الجناحين. ولا جناح يخفق بلا جسم يقوم به وصدر يحضن وقلب ينبض ورأس يفكر ويوجه ويقود.
- ويتوهم الكثير من المهتمين بالجهد العسكري وحده، أو السياسي وحده، أنهم ينطلقون من فكر وخطة وإعداد ومنظومة، أليست هذه هي مكونات المشروع المطلوب؟ ويفوتهم أنه ما من مشروع، حتى لو كان إنشاء متجر في سوق، إلا وفيه كل ذلك، لكنه يبقى في حدود التجارة. فالمشروع العسكري وإن تضمن الفكرة والخطة وباقي متطلبات النجاح، لكنه يبقى في نهاية المطاف جهداً عسكرياً يفتقر إلى شمولية المشروع المطلوب. وكذلك الأمر بالنسبة للمشروع السياسي. كما يفوتهم أن الأصل مشروع شمولي تكون القوة أو العمل العسكري سياجاً لحمايته، ويكون العمل السياسي وسيلة للتعبير عنه. ومن دون هذا المشروع الشمولي، الذي نطلق عليه اسم (المشروع المدني) يكون السياج الحامي مبنياً حول فراغ، ووسيلة التعبير تعبّر عن لا شيء.
- أما تسميتنا للمشروع بـ(المدني) فجاءت تمييزاً له عن (العسكري) وكذلك (السياسي) تبعاً، الذي توهمته كل حركات الجهاد والتحرر التي عايشناها أو قرأنا عنها أنه الأساس بسبب ذلك القياس الفارق الذي أشرنا إليه آنفاً. وليس كما يتوهمه البعض من أن المقصود به (المدني مقابل الديني)؛ فهذا – والعياذ بالله – باطل ننبذه، وتردٍّ نترفع عنه.
الفكرة والمنهج
إن الفكرة النابعة من المعاناة التي يشهدها الواقع، وما يترتب عليها من منهج علمي وبرنامج عملي.. هي أساس وعماد كل مشروع. وليست الفكرة شيئاً جامداً، بل يجب أن تتغير ويطرأ عليها التعديل باستمرار، مع الحفاظ على جوهرها، تكيفاً مع الواقع المتغير واستجابة لتحدياته المتغيرة.
يفترض في الناظر إلى الواقع منذ قرن مضى، أن يلحظ أن التحدي الذي واجهته الأمة، متفرقة وما زالت كذلك، قد تغير من غزو خارجي غربي سافر الهوية، إلى غزو داخلي شرقي ملتبس الهوية. وقد اجتمع علينا العدُوّان معاً عن سابق قصد وتآمر منظم، يستعمل أحدهما الآخر لخدمة أغراضه وتحقيق أهدافه. فلا بد من تعديل أو تغيير الفكرة القديمة، ووضع منهج متكامل بناءً على الفكرة المعدلة يلبي هذا التغير، ويتكيف معه. لكن هذا المنهج بصورته المتكاملة، فضلاً عن البرنامج الذي ينطلق منه وينبني عليه، ما زال غائباً مفقوداً، إلا من أفكار مشتتة مبتورة لا يجمع بينها جامع، ولا من أحد يسد ثغراتها ويكمل نقصها.
المشروع المدني هو الحلْقة المفقودة في سلسلة الجهود، واللبنة التي ظل يفتقدها بنيانها الكبير. وأول المشروع الفكرة والمنهج الموضوع.
جاء (المنهج) في ستَّ عشرةَ فقرة أساسية، قابلة – بطبيعتها – للتعديل والتكميل. الفقرات الست الأولى منها أقرب إلى الحركة؛ فهي ألصق بروح (المشروع)، بينما بقية الفقرات أقرب إلى الفكرة؛ فهي ألصق بروح (المنهج)؛ لذا قسمت المنهج الكلي إلى قسمين: المشروع.. والمنهج.
أ. المشروع:
- الإحاطة
- المشروع المدني
- التعريف بالمؤسسة (التيار السني في العراق)
- التقاء السنن الربانية في ( المشروع السني )
- مفهوم الأمة بين التنظير والتجسير
- استراتيجية الحل الجذري للمشكلة التاريخية مع الشيعة وإيران
ب. المنهج
- الركائز العلمية للمنهج
- فقه الهوية
- التجديد والإبداع
- فقه الإيمان والتنمية الإيمانية
- المرأة في مشروعنا
- نظرات في القيادة
- نظرات في السياسة
- نظرات في المال والسياسة المالية
- علوم أساسية في منهاجنا التغييري (النفس والاجتماع والتاريخ)
- 10.موقفنا من العروبة، والقوميات الأخرى (الكرد أُنموذجاً)
حاولت كثيراً أن أشرك غيري في كتابة هذا السفر التأسيسي الكبير، وكلفت بصورة شخصية بعض من توسمت فيه القدرة على ذلك، فلم يستجب أحد، سوى محاولة واحدة ولدت ميتة؛ لأنها جاءت خارج نطاق المنهج: فكرة وحجماً وصياغة وأسلوباً.
لكن استفدت من النقاشات والملاحظات: المباشرة بالمشافهة، وغير المباشرة بالمراسلة. والأهم من ذلك هو العرض العلمي العملي على عشرات المهتمين والعاملين على الإنقاذ، والأساتذة والمتخصصين، على مدار سنوات عديدة، طرح فيها كورقة عمل أخضعت للنقاش والفحص والنقد والإضافة، فخرج على هذه الصورة المتكاملة، ولا أقول الكاملة. مع علمنا أن سر نجاح أي فكرة يكمن في أن تبقى منفتحة النهايات قابلة للتغيير: حقاً مكفولاً، والتطوير: واجباً مفروضاً.
هذا معنى تقييدنا المنهج بوصف (الأمثل) فهو (الأمثل) مقارنة بغيره، وليس (المثالي) أو الأفضل مطلقاً. وهذه النظرة هي التي تحافظ على مرونته وبقائه منفتحاً على النقد البناء، وتحفظ له مرونته، وتزوده بقابلية التطور على الدوام. وهذه خصيصة مهمة جداً من خصائصه، من دونها يفقد المنهج حيويته وقدرته على التغيير والاستمرار.
أطلقنا على (المشروع) اسم (الطريق إلى بغداد) استنباطاً من الهدف الكبير للمشروع، واستبشاراً وتفاؤلاً بتحقيق هذا الهدف العظيم، الذي يمثل إنجازه العلامة البارزة على نجاحه بإذن الله، وبداية (الطريق إلى قم) وتحرير الشعوب التي تعاني من استعمار الفرس لهم وحرمانهم من حق تقرير مصيرهم، الذي هو النصف المتمم للطريق؛ فنحن لسنا طارئين على منطق الجغرافيا، ولا متطفلين على حركة التاريخ، والصراع الأبدي بين هضبة فارس ووادي الرافدين.
ملاحظة/ جرت لهذا السفر كثير من المراجعات: تعديلاً وحذفاً وإضافة، في أوقات متفاوتة. فالتاريخ أسفل المقدمة يمثل السفر في وضعه الأول قبل تلك المراجعات.
الأربعاء
17 شعبان 1434
26 حزيران 2013



إرسال تعليق