المرأة في مشروعنا - العدل، الواقعية، المنظومة
معادلة العدل والمساواة
كثيراً ما تثار مسألة الإرث في الشريعة، ويركز على كون نصيب المرأة على النصف من نصيب الرجل مثالاً على أن الشريعة الإسلامية لم تنصف المرأة. وهذه النقطة، مع كون التنصيف ليس حكماً مطرداً في كل الإرث، نتناولها من جانبين:
الأول جانب العقيدة: فإن هذا القول كفر بالإسلام، ومروق من الدين؛ فالشريعة تنزيل رباني لا صنع إنساني. وهذا التقسيم للإرث ثابت في القرآن الكريم بالنص القطعي؛ ولا مجال فيه للاجتهاد الشخصي؛ فالاعتراض عليه – خارج نطاق الاستفهام – كفر لا يصدر من مسلم.
والثاني جانب البيان: فإن الاعتراض مبني على مفهوم خاطئ يقع فيه المعترض نتيجة اختلاط المفاهيم. ذلك أن أساس الاعتراض هو الانطلاق من مفهوم (المساواة) والخلط بينه وبين مفهوم (العدل). والمساواة المطلقة مفهوم غوغائي ديماغوجي([1]) لا موضوعي، يثيره النفعيون والدهماء ضد الحكماء، وأهل الفتنة لقلقلة المجتمعات المستقرة.
والأمر الآخر أن المعترضين أو الملبس عليهم يتصورون أن أساس التفاوت بين الجنسين هو الذكورة والأنوثة وأن الأنثى تأخذ أقل من الذكر لكونها أنثى وحسب. وهذا غير صحيح. وسأتناول كلا الأمرين في عنوان مستقل.
المساواة أم العدل ؟
المساواة لا تستلزم العدل دائماً، وهنا مكمن الخطأ الفادح. وما لم تحقق المساواة العدل أو تتطابق معه فهي خارجة عن مفهوم العدل. والخروج عن العدل ظلم مرفوض وأمر مبغوض. إن من شرط المساواة تحقيق العدل، وليس من شرط العدل تحقيق المساواة. وعلى المعترض أن يجيب بدقة على السؤال التالي: هل الأصل في ميزان الحياة: العدل أم المساواة؟
هل يصح أن نساوي – مثلاً – بين راتب مدير دائرة وراتب الفراّش الذي يخدمه؟ كلا، مع أنها مساواة! لماذا؟ انظر تر أن المساواة هنا أزاحت العدل، ولا تخلو معادلة من العدل إلا وكانت مختلة معتلة، ولا محققة له إلا وكانت متزنة معتدلة. إذن المساواة التي لا تحقق العدل خدعة زائفة. وهي ليست أكثر من شعار مستورد من الخارج، أشاعته الثورة الفرنسية التي كانت مطبوعة بطابع الغوغاء، وكان شعارها (الحرية، الإخاء، المساواة). وكان المفروض أن يضعوا شعار (العدل) بدل (المساواة)؛ فالحذر الحذر من الكلمات المزخرفة فإنها كما قال الحكم العدل سبحانه: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ) (الأنعام:113،112). ثم قال بعدها: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (الأنعام:114-117). ثم تسلسل بعد تقرير هذه الحقائق تشريع كثير من الأحكام وأولها في الآية التي بعدها مباشرة وهي قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ) (الأنعام:118). وهنا نصل إلى الجواب على السؤال عن الأصل في ميزان الحياة.
لقد قسم الله تعالى الإرث على أساس العدل، وليس على أساس المساواة، حتى لا يكون التقسيم ظالماً. لو أعطيت ولدك مئة دينار وكلفته بالتسوق للبيت، وأعطيت الآخر خمسين ديناراً له خالصة، هل من العقل أن يعترض عليك لأنك لم تساوه بأخيه؟ الشيء نفسه حاصل مع الإرث؛ فالمرأة غير مكلفة بالإنفاق – كالرجل – حتى على نفسها، ولا على أقاربها. ولا مطلوب منها الإنفاق على الأسرة؛ فهذا من مسؤوليات الرجل. وليست مأمورة بالجهاد ولا نفقاته. وأمور كثيرة غير ذلك معفاة منها، ومع ذلك لها نصف الإرث (مصرف جيب) فقط!
من ينبغي أن يساوى بالآخر ؟
وليس الإرث وحده قام على العدل بدل المساواة. الشريعة كلها كذلك، ما لم تلتق المساواة مع العدل. ولو استعرضنا فِقراتها على أساس مبدأ المساواة لربما ظهر أن الرجل هو الذي ينبغي أن ينصف! فالقتال من مسؤوليته وحده، والسعي للكسب والإنفاق على الأسرة، وعلى أخته المطلقة، وأمه الأرملة، وقريبته التي لا عائل لها، هذا وغيره من شأنه وحده دون المرأة. والمرأة تمكث الأيام لا تصلي، ولا تصوم. ولا تجب عليها صلاة الجمعة ولا الجماعة. والرجل يصلي أبد العمر، وآخر الدهر.
إن كل تشريع ورد في الإسلام إنما روعي فيه العدل، ومبدأ الغنم بالغرم، وهو من العدل. وما من أمر اختلفت فيه صورة التكليف بين الجنسين إلا وكان العدل حاضراً في الاعتبار، أو ثمت أمور أُخرى استدعت هذا الاختلاف. خذ الحجاب مثلاً، فالاختلاف فيه بني على سنة من سنن الله في خلقه وهي (الوظيفة والجمال)؛ فكل مخلوق روعي فيه هاتان الصفتان بحيث لا يلغي أحدهما الآخر ولا يكون على حسابه فيجعل وجوده مختلاً. وحسب الحال تكون النسبة المطلوبة لأحدهما في مقابل الآخر، ولهذا يكون التناسب أو التوازن بينهما هو معيار الدرجة. إن مقصود الجمال في ظاهر جسم المرأة هو الغالب على خلق المرأة، بينما مقصود القوة في الرجل هو الغالب عليه؛ فلا بد إذن أن تكون الأجزاء المستورة من جسم المرأة أكثر مما هي عليه لدى الرجل، وليس العكس كما هو الحال في المجتمعات التي انتكست فطرتها وانعكست نظرتها لتفلتها عن شرع الله. هذا إضافة إلى فوائد وحكم أُخرى لسنا بصدد تفصيلها مثل كون الحجاب يجعل من يتعامل مع المرأة يبني تقييمه لها على أساس شخصيتها وقدراتها الذاتية، وليس على أساس شكلها أو مظهرها الخارجي فقط. وبهذا تقيم المرأة على حقيقتها. وذلك من معنى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الأحزاب:59).
وعصمة الطلاق جعلت في يد الرجل مراعاة لغلبة العقل لديه على العاطفة مقارنة بالمرأة، التي ينعكس لديها الأمر. وهكذا… فعندما نقيس الاختلاف بمنطق العدل والمصلحة الراجحة تظهر الحكمة في جانب التشريع واضحة. لا كما يفعل الجاهلون والمتعجلون بادي الرأي عندما يقيسون الأحكام بمقياس المساواة دون النظر إلى مدى تطابقها مع العدل والمصلحة فيغمط الحق وتضيع الحقيقة.
تقسيم الإرث لا علاقة له باختلاف الجنس
يقول د. محمد عمارة: معايير التفاوت في الميراث لا علاقة لها بالذكورة والأنوثة على الإطلاق. إنما المعيار شيء غير ذلك. وأول معيار هو درجة القرابة من المتوفى. والمعيار الثاني موقع الجيل الوارث من المتوفى. فكلما كان الجيل صغيراً في السن يستقبل الحياة كان نصيبه من الميراث أكثر؛ لذا يرث ابن المتوفى أكثر مما يرث أبوه، أي جد الابن. وذلك لأن الصغير سيحمل أعباء الحياة، والكبير سيغادر الحياة.
الحالة الوحيدة التي فيها (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ): حين يكون اتفاق في درجة القرابة، واتفاق في موقع الجيل الوارث من المتوفى.
فالمرأة قد ترث مثل الرجل، وأكثر من الرجل، أو ترث ولا يرث الرجل: في أكثر من ثلاثين حالة. بينما ترث نصف الرجل في أربع حالات فقط([1])! وهذا صحيح كل الصحة. وإليكم بعض الشواهد على هذه الحقيقة:
أولاً: حالات ترث المرأة مثل نصيب الرجل. منها:
- إذا ترك الميت بنتاً وأباً، فللبنت نصف التركة فرضاً، لقوله Y: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) (النساء:11). وللأب باقي التركة تعصيباً. وهو ما يساوي نصيب البنت.
- إذا ترك الميت بنت ابن وجداً، فلبنت الابن نصف التركة فرضاً؛ لأنها تحل محل البنت عند عدم وجود أبناء للميت. وللجد باقي التركة تعصيباً.
- إذا ترك الميت ابناً وأباً وأماً: فلكل واحد من الأب والأم سدس التركة فرضاً؛ لقوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ) (النساء:11) والباقي للابن تعصيباً. وهنا تتساوى الأم مع الأب.
- إذا ترك الميت: ابن ابن وجدًا وجدة: فلكل واحد من الجد والجدة سدس التركة فرضًا، والباقي لابن الابن تعصيبًا. وهنا تتساوى الجدة مع الجد.
ثانياً: حالات ترث المرأة نصيباً أكبر من نصيب الرجل، منها:
- إذا ترك الميت بنتاً وأباً وأماً: فللبنت نصف التركة فرضاً؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ). (النساء:11). وللأم سدس التركة فرضاً؛ لقوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ) (النساء:11). وللأب سدس التركة فرضاً، والباقي تعصيباً؛ لِما سبق من قوله Y، ولقوله e: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر. وبهذا يكون نصيب البنت أكبر من نصيب الأب.
- إذا ترك الميت: أماً وأختاً شقيقة وأخاً لأب: فللأم سدس التركة فرضاً، وللأخت الشقيقة نصف التركة فرضاً، والباقى للأخ لأب تعصيباً. وبهذا يكون نصيب الأخت الشقيقة أكبر من الأخ لأب.
- إذا تركت الميتة زوجاً وجدة وأخاً لأب: فللزوج النصف فرضاً، وللجدة السدس فرضاً، وللأخ لأب الباقي تعصيباً. وإذا وضعنا مكان الأخ لأب أختاً لأب كان لها نصف التركة فرضاً، وهو بلا شك أكبر من نصيب الأخ لأب.
ثالثاً: حالات ترث فيها المرأة ولا يرث الرجل. مثلاً:
- إذا ترك الميت بنتاً وأخاً لأم: فإن البنت تحجب الأخ لأم، ولا يرث شيئاً بسببها.
- إذا ترك الميت: بنتاً وأختاً شقيقة، وأخاً شقيقاً: فللبنت نصف التركة فرضاً. وللأخت الشقيقة باقى التركة مع البنت. ولا شيء للأخ لأب؛ لأنه حجب بسبب إرث الأخ الشقيقة بالتعصيب.
رابعاً: حالات ترث فيها المرأة، ولو وجد مكانها رجل لا يأخذ شيئاً. مثلاً:
إذا ترك الميت: أباً وأم أم فلأم الأم سدس التركة. ولو وضعنا مكان أم الأم الرجل المناظر لها وهو أب الأم، فإنه لا يرث شيئاً؛ لأنه ليس من الورثة أصلًا.
وما ذكرته مجرد أمثلة. وبهذا يبطل القول بأن نصيب المرأة في الميراث دائماً أقل من الرجل. وأن الله تعالى جعل أساس التفاوت هو الجنس. بل الأمر كما ذكر د. محمد عمارة
هكذا تحل معادلة العدل والمساواة كثيراً من العُقد، وتوضح لنا كثيراً من الإشكالات. وملخص القول: المرأة والرجل متساويان في المرتبة الإنسانية، ويتفاوتان في الوظيفة الاجتماعية.
[1]– محاضرة بعنوان: الذكورة والأنوثة لا علاقة لها بفلسفة الميراث في الإسلام، الرابط:
https://www.youtube.com/watch?v=GOtp6Vv9a-k&t=203s
[1]– ديماغوجي: كَلامٌ فَضْفاضٌ لا مَنْطِقَ لَهُ، يُحاوِلُ صاحِبُهُ أَنْ يَسْتَميلَ إِلَيْهِ الجُمْهورَ بِالإِغْراءِ. ومعناها السياسي: مجموعة الأساليب التي يتبعها السياسيون لخداع الشعب وإغرائه ظاهرياً للوصول إلى السلطة وخدمة مصالحهم.
الواقعية في التفكير والسلوك والفتوى
اتفق العلماء على أن الفتوى تقوم على ثلاثة أركان: الواقعة والواقع والدليل. ولهذا قالوا بأن الفتوى تتغير زماناً ومكاناً وأعياناً، والضـرورات تبيح المحظورات. ليس الضرورات معتبرة فقط، بل الحرج أيضاً فهو مرفوع في شريعة الإسلام. وهذه هي (الواقعية) التي امتازت بها شريعة الإسلام السمحاء فكانت صالحة لكل زمان ومكان.
الثبات والمرونة من خصائص الشريعة .. والتغير لازم للفقه
الفتوى والفقه اجتهاد بشري يرجع إلى الشريعة وينبثق عنها. لكنه ليس هو الشريعة نفسها النازلة من السماء. والفتوى في أي واقعة يكتنفها نقصان اثنان:
- احتمال الخطأ من الأصل
- وطروء النقص عليها بتغير الواقع بالفعل.
لهذا نحن غير ملزمين بالفتوى كما هي لزوماً عابراً للزمان والمكان والأعيان؛ هذا من خصائص الشريعة وليس الفقه أو الفتوى، وإن استفدنا منها من جوانب أُخرى.
أحد المجاهدين كان يتشدد في خروج زوجته وحدها، ويمنعها من قيادة السيارة، وذلك قبل الاحتلال. وبعد وقوع الكارثة واشتداد الأزمة احتاجت المرأة كثيراً إلى قيادة السيارة لتنتقل من مكان إلى مكان هي وأولادها الصغار. وفي كثير من الأحيان كانت الحاجة ماسة إليها في نقل جريح لم يكن الرجال قادرين على نقله. فعلمته التجربة أن للحرب فقهاً غير فقه السلم. إذن الثبات والمرونة للشريعة، ولهذا كان التغير لازماً للفقه، الذي هو الاستجابة المرنة للشريعة الثابتة لدواعي الواقع المتغير.
سفر المرأة دون محرم
لنضرب مثالاً حيوياً من واقعنا المعاش هو سفر المرأة بلا محرم ضمن حدوده الشرعية، وحاجة العمل إليه كثيراً في ظروفنا الراهنة، وكيف أن لتغير مسائل النقل أثراً في ضرورة تعديل الفتوى بما يتلاءم والحاجة الماسة لحركة المرأة من أجل تمكنها من القيام بدورها في عملية التغيير والإنقاذ. وذلك باختصار شديد.
اختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله جواز سفر المرأة دون محرم عند توافر الأمن، فقال: (وتحج كل امرأة آمنة مع عدم محرم. وهذا متوجه في سفر كل طاعة)([1]).
ومن الفقهاء المعاصرين الذين ذهبوا إلى جواز سفر المرأة دون محرم عند وجود الأمن الشيخ ابن جبرين رحمه الله، إذ سئل: ما حكم سفر المرأة وحدها في الطائرة لعذر، بحيث يوصلها المحرم إلى المطار ويستقبلها محرم في المطار الآخر؟ فأجاب: “لا بأس بذلك عند المشقة على المحرم كالزوج أو الأب إذا اضطرت المرأة إلى السفر ولم يتيسر للمحرم صحبتها، فلا مانع من ذلك بشرط أن يوصلها المحرم الأول إلى المطار فلا يفارقها حتى تركب الطائرة ويتصل بالبلاد التي توجهت إليها، ويتأكد من محارمها هناك أنهم سوف يستقبلونها في المطار، ويخبرهم بالوقت الذي تَقْدُمُ فيه ورقم الرحلة؛ وذلك لعدم الخلوة المنهي عنها، ولعدم المحذور من سفرها وحدها الذي تكون عرضة للضياع أو لاعتراض أهل الفساد. وأيضاً فالمدة قليلة إنما هي ساعة أو بضع ساعات، هذه المدة قد لا تسمى سفراً أصلاً؛ لأن السفر هو الذي يسفر عن أخلاق الرجال، فلا ينطبق على المدة القصيرة ولأن الضرورات لها أحكامها([2]).
المحرم لذاته والمحرم لغيره
وقد قال بذلك كثير من العلماء الأقدمين والمحدثين، واستدلوا بأحاديث نبوية وقواعد شرعية، لا يحتمل (المنهج) الخوض فيها أكثر. ومن جميل ما ذكروه قاعدتان جليلتان:
الأولى: أن الأصل في أحكام العادات والمعاملات هو الالتفات إلى المعاني والمقاصد بخلاف أحكام العبادات فإن الأصل فيها هو التعبد والامتثال دون الالتفات إلى المعاني والمقاصد. كما قرر ذلك الإمام الشاطبي ووضحه واستدل له. والسفر من المعاملات لا من العبادات.
والثانية: أن ما حرم لذاته لا يباح إلا للضـرورة. أما ما حرم لسد الذريعة فيباح للحاجة. ولا ريب أن سفر المرأة بغير محرم مما حرم سداً للذريعة، والحاجة إليه واقعة.
فإذا جمعت إلى هذا ظروفنا المادية والأمنية، إضافة إلى السكن ومكان العمل، وما يشكله وجود أشخاص زائدين (كمحارم) من حرج. وحتى لو كانوا ضمن المشروع فإن هذا يقتضي منا زمناً أطول وجهداً أكبر ومؤونة أكثر؛ إذ أن ما يعطى للنساء من مادة تدريبية غير ما يعطى للرجال من ذلك، ناهيك عن التقيد الذي يعتري المرأة في حال وجود رجال آخرين. وذلك كله من الحرج الذي جاءت الشريعة السمحة برفعه، ومن التكلف الذي جاءت الشريعة بذمه.
هذا والطريق آمن بإذن الله، وأعضاء العمل مأمونون بحمد الله. السفر في عصرنا لم يعد كالسفر في الأزمنة الماضية محفوفاً بالمخاطر لِما كان فيه من اجتياز الفلوات والتعرض للصوص وقطاع الطرق وغيرهم. بل أصبح السفر بواسطة أدوات نقل تجمع العدد الكثير من الناس في العادة، كالبواخر والطائرات والسيارات الكبيرة، أو الصغيرة التي تخرج في قوافل. وهذا يجعل الثقة موفورة، ويطرد من الأنفس الخوف على المرأة؛ لأنها لن تكون وحدها في موطن من المواطن.
ومع هذه الفتوى العلمية الواقعية من كبار علماء الأمة قديماً وحديثاً، إلا أن بعض الناس ولعوا بالتشدد حتى تصوروه هو الدين، وأن كل رخصة تميع وتنصل – معاذ الله – من الشرع الحكيم. وهذا مخالف لِما قرره سلفنا الصالح على لسان الإمام سفيان الثوري رحمه الله حين قال: (العلم رخصة من عالم ثقة، أما التشدد فالكل يحسنه).
القيادة والتجديد والتغيير الاجتماعي في حاجة ماسة إلى عقل حر، وتفكير مرن، ونفس شجاعة، وشخصية ذات قابلية ممدودة للتكيف مع المتغيرات، تتعامل مع القديم الذي ما عاد مصدراً للمنفعة كتراث تعتز به لا حمل تنوء بثقله. أما الضار منه فلا أسهل عليها من التصـريح بنقده ومواجهة الحياة الجديدة بخلعه، وتمثل المطلوب في الواقع مع الغابر النافع. والفقه الإسلامي غني بالجواهر، لكنه في حاجة إلى الناقد الماهر الذي يعرف ماذا يأخذ وماذا يدع، وما الذي يحذف وأي شيء يضيف. علماً أن الفقه منتوج بشري يعتريه ما يعتري كل جهد أرضي من النقص، والقاعدة الفقهية الذهبية تنص على أن “الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأعيان”. أما المعصوم فهو الشريعة بوحيها الثابت، ولا غير.
[1]– الفتاوى الكبرى، 5/381، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1408هـ – 1987م.
[2]– فتاوى الشيخ ابن جبرين، 97/7، عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن جبرين.
معادلة المنظومة القيادية لا القيادة الفردية
صحيح أن “القائد واحد.. فالسقاء لا يتمخض إلا عن زبدة واحدة”، ولكنه في منظومة قيادة. القيادة الفردية مهما عظمت ما لم تكن ضمن منظومة قيادة تشاركية حقيقية فهي إما طاقة منفلتة ضائعة، وإما شخصية مستبدة طاغية. وفي غياب الكيان السياسي الجامع لأهل السنة فالطاقات القيادية تذهب سدى، ولا بد لاستثمارها من منظومة تجمعها وتنميها وتسددها وصولاً إلى ذلك الكيان الجامع.
وإذا كان القائد النموذجي هو من امتلك ثلاث صفات: (التأثير، والتحريك، والتوجيه نحو هدف)، فكثير من الرجال والنساء المتميزين في المجتمع إنما يمتلكون واحدة أو اثنتين من هذه الصفات، ولا يبلغون الكمال فيها مجتمعة.
المنظومة القيادية هي المعادلة التي تجيب على هذا النقص فتحيله كمالاً. وذلك نوع من الاستجابة لقانون (التكامل) الكوني. فتضع كل عامل – رجلاً كان أو امرأة – في مكانه، وتنمي خبرته حسب ما يحسنه وينشرح له صدره وتتفتح له طاقاته. فيكون مثلها كشركة تصنع منتجاً معيناً يتولى كل قسم من أقسامها تصنيع جزء منه، ثم تجمع الأجزاء في كيان واحد ليتم تصنيع ذلك المنتج.
الثقافة الاضطهادية ثقافة متخلفة؛ تتطلع إلى القائد الفرد بحيث تجد نظرها على الدوام مشدوداً إليه ومقصوراً عليه، فتسقط دوماً في مطب (الصنمية) الخطير. في مشروعنا نعمل طبقاً لمعادلة (المنظومة القيادية)، التي تسلك في نطاقها الطاقات جميعاً مع مراعاة درجاتها من السلّم التراتبي على تنوع مراتبها. وبذلك يتحول جميع أفراد المنظومة – على اختلاف قابلياتهم – إلى طاقة قيادية منسجمة ومتساندة مع بعضها في نسيج واحد للقيادة. وهذا قمة النماء والتطور والرقي.
إن هذا النهج التقدمي يستدعي من المؤسسة القيادية أن تضع في حسابها تنمية خبرات أعضائها حسب قابلياتهم، فيتطورون نوعياً ويتكاملون فيما بينهم كل من موقعه الذي يتناسب وقابليته، ويترقى مع عطائه. وخلال المسير قد تكتمل الصفات الثلاث عند من لم تكن فيه مجتمعة.
على هذا النهج سار النبي صلى الله عليه وسلم، فقد رعى الطاقات المسلمة بأن هيأ لها المنظومة أولاً، ثم أطلق لها الحرية في أن تختار موقعها من المنظومة، ورعى هذا الاختيار ووجهه وسدده. مع الأخذ بنظر الاعتبار أنه لم يكره أحداً على العمل في غير مجاله الذي يحسنه، ووظيفته التي خُلق لها. فهو القائل صلى الله عليه وسلم: المتفق عليه: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له). وفي مثله قال تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) (الإسراء:84). قال الراغب الأصفهاني في (مفردات ألفاظ القرآن الكريم): أي: على سجيته التي قيدته، وذلك أن سلطان السجية على الإنسان قاهر؛ فالسجية فعل الخالق عز وجل، والعادة فعل المخلوق، ولا يبطل فعل المخلوق فعل الخالق. وهذا كما قال e: (كل ميسر لما خلق له).إ.هـ .
لم يكلف النبي صلى الله عليه وسلم حسان الشاعر حمل السيف، لأنه خلق للسان ولم يخلق للسنان. إنما شجعه كشاعر ورعاه وأكرمه وجعله يحتل منزلته الاجتماعية والتغييرية اللائقة بموهبته، وكان المجتمع مدركاً لأثر هذا التفاوت في الخلق، وواعياً بما فيه الكفاية لأن يحترم حسان كشاعر لا كمقاتل. وكان خالد بن الوليد قائداً عسكرياً ولم يكن عالماً ولا شاعراً. وكان من الصحابة من يحسن أكثر من عمل في معادلة التغيير؛ فأبو هريرة، مثلاً، كان عالماً يروي الحديث، وفي الوقت نفسه كان مقاتلاً يحمل السيف يذود عن دولة الإسلام، ثم كان أميراً على البحرين على عهد سيدنا عمر بن الخطاب. ومن الصحابة من جمع القيادة من أطرافها كالشيخين وأضرابهم.
وهكذا كان الشأن مع النساء على عهده صلى الله عليه وسلم. فمنهن من كملت كخديجة ومنهن من قاربت كأسماء، ومنهن من حملت السيف كأم عمارة، ومنهن دون ذلك. وقانون (المنظومة القيادية) كفيل بتوزيع الطاقات على سلمه التراتبي لتظهر نتائجها الجمعية وكأنها نابعة من جسد واحد، يتجلى فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضاً) وشبك أصابعه([1]).
[1]– متفق عليه، واللفظ للبخاري.



إرسال تعليق