المرأة في مشروعنا - الثقة، المظالم، دور المرأة

الكاتب: الدليميتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق


المرأة في مشروعنا - الثقة، المظالم، دور المرأة

 مفتاح شخصية المرأة .. الثقة بها

 تأمل هذه الحقائق القيادية:

  • القائد من يغرس في أتباعه الثقة بأنفسهم، وليس القائد من يجعل أتباعه يثقون به فقط. إنما ذلك الصنم.
  • ثق بأتباعك وعرضهم للتحدي، وسترى كيف تكون الاستجابة.
  • الثقة بالنفس تمنح الاحترام للآخرين، وإن كانوا أضعف منا.
  • عندما تثق المنظومة المقربة بقائدها ويثق بهم، ينعكس ذلك على الجمهور فتشيع فيه الثقة بالجميع والحماس للعمل خلفهم.

بين الصنمية والانهزامية علاقة عضوية؛ فكل مهزوم نفسياً يكون صنماً مستبداً حين تؤول إلى يده عناصر القوة والتحكم. عندها يُسقط شعوره بالنقص على أتباعه، وأولهم المرأة من حيث إنها العنصـر الأضعف بين الموجودين. هذا هو السبب الكامن وراء فقدان  الثقة بكفاءة المرأة في بعض الأوساط، وتعطيلها أو منعها من أداء دورها الذي ينبغي أن يناط بها.

كل إنسان في حاجة إلى ثقة من يتعاملون معه حتى ينشط للعمل. وتتأكد هذه الحاجة أكثر لدى المرأة؛ ربما لأسباب اجتماعية أهمها شيوع التبخيس في حقها، وربما لأسباب فطرية لها علاقة بأصل الخلقة (خلق المرأة من ضلع الرجل)، وما تورثه من تركيبة نفسية خاصة تجعلها في حاجة إلى رأي الرجل فيها أكثر من حاجة الرجل إلى رأي المرأة فيه.

نحن نؤمن بدور المرأة الفاعل في التأثير بالمجتمع، كما نثق بدورها في تحريك عجلة المشروع، وتحقيق الإنقاذ المنشود. ونسعى في منظومتنا لأن نوفر لها البيئة التي تعبر فيها عن طاقاتها، ونعرضها للتحدي الذي يناسبها ونحن مطمئنون مسبقاً إلى أنها ستستجيب له بما يناسبه. وقد تبين لنا بالتجربة أن المرأة سباقة في ميدان العطاء، بل وجدنا معظم النساء أسرع في استجابة النداء، وأسبق في الأداء من معظم الرجال!

في النساء رواحل .. كما في الرجال

لم يحرم جنس المرأة من صفات القيادة لتكون من حصة الرجل وحده دونها. إلا ما روعي فيه تلك الفروقات الفطرية والفسلجية، وغلبة العاطفة على العقل رفعاً للحرج عنها. قال النبي e: (إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ الْمِائَةُ لاَ تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً) متفق عليه. قال ابن حجر العسقلاني: (والراحلة من الإبل هي التي تُرحَل لتُركب، أي الصالحة للركوب؛ فاعلة بمعنى مفعولة. وما كل الإبل تصلح للرحل والركوب عليها، وإن كانت كلها حَمولة تصلح للحمل. قال الخطابي: إن أكثر الناس أهل نقص، وأما أهل الفضل فعددهم قليل جداً، فهم بمنزلة الراحلة في الإبل الحَمولة. وقال الأزهري: الراحلة عند العرب الذكر النجيب والأنثى النجيبة، والهاء في الراحلة للمبالغة. وقال القرطبي: الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجواد الذي يحمل أثقال الناس والحَمالات عنهم ويكشف كربهم عزيز الوجود كالراحلة في الإبل الكثيرة)([1]).

وفي النساء رواحل، وإن كانت أقل مما هي عليه عند الرجال. فقد كانت خديجة وأسماء وعائشة وأم عمارة وهند وأم سليم وخولة وأمثالهن (رواحل) أو قريباً من ذلك في المجتمع الإسلامي عند تأسيسه وفي الصدر الأول من وجوده، ناهيك عن مريم وأم موسى وامرأة فرعون وبلقيس! ولكنْ كلٌّ من موقعها وفي اختصاصها طبقاً لشاكلتها وخبرتها وتيسير الله تعالى لها. وأياً ما كان قرب الواحدة منهن أو بعدها عن صفات (الراحلة) فقد كانت (المنظومة) كفيلة بأن تحول طاقتها إلى عامل فعال في عملية قيادة التغيير والتغيير القيادي.

إن كل واحدة من هؤلاء النسوة تقدم لنا مثالاً على جانب من جوانب العناصر الثلاثة الأساسية للقيادة (التأثير، التحريك، التوجيه): منفردة أو مجتمعة. فبلقيس كانت ملكة من خيرة الملوك. وخديجة ذات رأي ومال تتاجر به لترعى قائد الأمة، وتفرغه لمهام القيادة. وعائشة كانت فقيهة، وأم عمارة مقاتلة. وأسماء وهند مثال المرأة المربية الطَّموح التي تربي أولادها وتغرس في نفوسهم الثقة بأنهم أهل للترؤس والقيادة، وتشجعهم وتعدهم لذلك.

ومنهن دون ذلك. ولكن معادلة المنظومة تتكفل بتحويل الطاقة الفردية إلى طاقة قيادية جماعية. كما تتكفل بتنمية طاقة المرأة قبل تعريضها للمهام الاجتماعية قيادية كانت أم إدارية حتى لا تكون مشـروعاً للفشل، وشاهداً يضرب به المثل على عدم صلاحية المرأة للمنصب الجلل. وذلك بصرف النظر عن الحكم الفقهي في مرتبة المهمة ونوعها، وأي مرتبة تجوز أو لا تجوز في حق المرأة. فهذا له مجاله الذي لا نتجاوزه طبقاً للدليل.

مفهوم الفقه ومفهوم القيادة

يحصر البعض رؤية تأثير المرأة الاجتماعي ليتناوله من جانب (الفقه) فقط. ورؤيتنا أوسع من ذلك؛ فللتأثير والقيادة مجالها الذي يلتقي مع الفقه لكنها غيره. بل إن الفقه بمفهومه الاصطلاحي بعيد عن مجال القيادة من أكثر من وجه، يأتي على رأسها أن الفقه في مفهومه الدارج ذو طبيعة فردية، بينما القيادة ذات طبيعة جماعية. والفقه تحولبسبب بعد عامة (الفقهاء) عن الواقعإلى علم أقرب إلى التنظير منه إلى التطبيق، بينما القيادة يمتزج التنظير فيها مع التطبيق، وهي إلى الأخير أقرب منها إلى الأول. وكما أن للتوحيدكعلممجاله، وللتفسير والتاريخ والأدب كذلك مجالاتها التي تتواشج أو تتلامس مع الأحكام الفقهية، لكنها غيرها. فكذلك السياسة والاقتصاد والاجتماع وبقية العلوم لها أبعاد قيادية تتلاقى مع الفقه ولكنها ذات طبيعة مختلفة، وهي لا بد منهابنسب متفاوتةلقيادة المجتمع وبنائه وتطويره. فحصر موضوع قيادة المرأة في مجاله الفقهي دون النظر في متعلقات الموضوع الأُخرى تقييد وجمود تأباه طبائع الأشياء. والإسلام دين الواقع؛ يتعامل معه ولا يتجاوزه أو يقفز عليه.

خذمثلاً على ما أقولمسألة الخروج على الحاكم المسلم، فإن الخروجفي أصلهلا يجوز، لكن إذا خرج أحدهم وتغلب على الحكم، هنا صار التشريع أمام واقع جديد، يستدعي منه النظر إلى الموضوع نظرة جديدة مغايرة مراعاة لتغاير الواقع، فيقر بشرعية المتغلب ووجوب طاعته في هذه الحال، مع إيكال أمره إلى الله في مدى شرعية خروجه. ولا يكون دور قادة المجتمع ومسؤوليتهم الشرعية الاكتفاء بالقول بالحرمة طبقاً لأصل الحكم وحكم الأصل.

من الواقع المشاهد

لقد أفرز لنا الواقع الجديد في العراق أمثلة حية على ممارسة المرأة لدورها القيادي في المجتمع على مستويي (التأثير والتحريك)، أما التوجيه فقد عجز عنه حتى الرجال! فكان حضور بعض النساء إلى منصات (الحَراك) الذي استمر طوال عام 2013، وإلقاؤهن خطباً أو قصائد في الجمهور المحتشد.. مثالاً من أمثلة عديدة على قدرة المرأة على العطاء والتأثير في الجمهور وتحريكه.

الملاحظ أن منصة الرمادي لم تخرج لنا امرأة من الأنبار نفسها، إنما كان الحضور النسائي من خارج المحافظة؛ ليس عجزاً أو قصوراً من نساء الأنبار، ولكن بسبب الثقافة السائدة، التي تجعل أكثر الرجال يتقبلون من أي امرأة أن تؤدي نشاطاً شعبياً، ويعجب به ويتفاعل معه أشد ما يكون، لكنه يأباه على أي امرأة من ذويه! ونحن في مشـروعنا (الرباني) مسؤولون أمام الشرع لا أمام الثقافة، وإن كان لا بد من مراعاة الواقع لتغييره طبقاً لسنة التدرج، لأن القفز به غير ذي جدوى.

 

 

[1]– فتح الباري شرح صحيح البخاري، 11/335، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار المعرفةبيروت، 1379.





المظالم الواقعة على المرأة


بعد هذه الجولة الطويلة مع المرأة ورتبتها في السلّم الإنساني وموقعها الاجتماعي من منظورنا الرباني، ومدى اهتمام القرآن والسنة بها، من جهة.. ثم التحليق في آفاق السنن والقوانين الربانية والمعادلات الأساسية، وما يتفرع عنها من حقائق فطرية ونفسية واجتماعية وتاريخية، من جهة ثانية.. بعد هذا كله يأتي بيان المظالم التي تعاني منها المرأة رغم كل ما أولاها الإسلام من اهتمام وأعطاها من قيمة ومنحها من حقوق، مقدمة بين يدي الدور المطلوب منها في عملية التجديد والتغيير والبناء والتطوير؛ فتحديد الأهداف ورسم الأدوار ينشأ من واقع الحاجة وألم المعاناة.

المظالم الواقعة على المرأة

الحاجة إلى تلبية الحقوق المصادرة من ضرورات الحياة، خصوصاً إذا عظم الظلم وتضاعف وتجاوز إلى مواطن حساسة تمس الكرامة الشخصية والعزة الذاتية: فرداً وجماعة. وبمعرفتنا لهذه المظالم يمكننا وضع مخطط للأنشطة التي من شأنها أن تلبي هذه الضرورات، وتعبر بها المرأة في عن دورها في التغيير والإنقاذ.

وهذه إلمامة مختصرة بأهم وجوه العنت والظلم التي تتعرض لها المرأة في مجتمعنا العراقي، وأهل كل بلد أعلم بما فيه. قسمتها إلى مظالم مشتركة عامة، ومظالم حادثة بعد الاحتلال الثلاثي (الأمريكي الإيراني الشيعي) للمنطقة السنية:

المظالم المشتركة

  1. العنف الجسدي. متمثلاً بالضـرب خارج نطاق الضوابط الشرعية. ويشارك الفهم السيئ لقوله تعالى: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) (النساء:34) بترسيخ هذه الظاهرة الظالمة. فلو طبقت الآية على أصولها بأن تقدم وعظ الناشز ونصحها على ضربها، فإن لم تستجب فهجرها في بيتها.. لما احتاجت المرأة إلى هذا الأسلوب العنيف جسدياً ونفسياً، ولذهبت عن الرجل فورة الغضب اللحظية التي ينساق بسببها عامة الرجال إلى ضرب النساء انتقاماً وتنقيصاً، فتكون القسوة ويكون الإيذاء.

إن الوعظ لا يتم إلا في بيئة نفسية هادئة، والهجر يستغرق أياماً فلا يبقى للغضب أثر. وقد خرّج بعض العلماء الموضوع تخريجاً يشهد له علم النفس والأمراض النفسية بأن ذهب إلى أن اتباع هذين الأسلوبين (الوعظ والهجر) كافٍ في علاج نشوز المرأة الصالحة . لكن توجد فئة قليلة من النساء لا يعالجهن إلا الضرب لحاجة نفسية مريضة عند هذا الصنف لا يشبعها إلا استعمال القوة العضلية للرجل تجاهها. فالضـرببشـروطه المذكورة في الفقهإنما يكون لهذا الصنف المريض.

والنشوز لم يقصره القرآن الكريم على النساء فقط، بل عم به الجنسين: الرجال والنساء معاً، فقال تعالى في حق الرجل: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء:128).

  1. قتل المرأة طبقاً لمبدأ عشائري يسمى (غسل العار). وقد ترتكب هذه الجريمة دون تثبت. وربما تكون المرأة ملجأة أو لا يد لها فيما حصل لها كأن تخطف وتغتصب، أو تعتقل ويتم الاغتصاب في السجن، فإذا أفرج عنها قتلت! وهكذا تكون المرأة ضحية مرتين، ويقع عليها الظلم مرتين، وتتلوث سمعتها وتفقد حياتها ثمناً لغيرها.
  2. مصادرة حق المرأة في اختيار شريك حياتها، واحترام رغبتها وقرارها في الزواج بمن يناسبها ويكافئها. وفي بعض الأوساط الاجتماعية إذا كانت المرأة أرملة أو مطلقة ولديها أولاد فأرادت الزواج رميت بأنواع المعايب التي تجعل من زواجها نوعاً من المغامرة بسمعتها وكأنها ارتكبت نقيصة لا تغتفر! بينما تحترم رغبة الرجل في الزواج مهما كبر سنه وكثر ولده. وتزداد الحالة سوءاً إذا كان الأولاد كباراً. فيتحكم أولادهاذكوراً وإناثاًفي حالها ومستقبلها وقراراتها المصيرية، فهي تنتقل كإنسان ناقص الأهلية من الأب إلى الزوج ثم تنتهي حياتها تحت وصاية الولد.
  3. ضعف الاكتراث بطبيعة المرأة المختلفة عن الرجل، فتسخر في الريف للعمل في الحقل الذي يتطلب جهداً لا يتناسب وطبيعتها، وتمارس ذلك الجهد وكأنه فرض عين تعاقب عليه إن قصـرت فيه. وربما لا تراعى حالتها الجسدية والنفسية أثناء الحيض والحمل والنفاس؛ ما يزيد في آلامها النفسية والجسدية. وقد يعتبر التصريح بذكر الألم أثناء الحيض من الممنوعات والمحرمات في بعض المجتمعات، فهي لا تستطيع أن تبوح به لكي تعفي نفسها عن الخدمة في شدة أيامه!
  4. قيام الرجل بهجرها جزئياً أو كلياً بلا إذن أو إرادة منها، عند الزواج بثانية؛ والله تعالى يقول: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) (النساء:129،130). والهجر بنوعيه: الجزئي والكلي يجعل الناس يتوهمون وجود نقص في المرأة الأولى هو الذي دفع الرجل إلى الزواج بأُخرى. وهذابطبيعة الحالما تأباه الزوجة السابقة فتنفر بشدة من تعدد الزوجات، وإن كان سبب النفور في أصله فطرياً، لكن هذه النظرة تزيد الطين بلة، والداء علة.
  5. الحمل القسري ضد رغبة الزوجة، حين تكون غير مستعدة لذلك بسبب المرض أو صغر العمر، أو الدراسة وما شابه.
  6. حرمان المرأةخصوصاً في الريفمن التعليم كلياً أو جزئياً، وكثيراً ما تمنع البنت من مواصلة الدراسة بعد إكمال المرحلة الابتدائية.
  7. النظر باستصغار أو تشكيك إلى دور المرأة في نهوض المجتمع وقيادة عملية التغيير.
  8. احتكار الرجل منصب الاجتهاد والفتيا، وإن لم يقل بحرمته، لكنه هو حال الواقع بحكم واقع الحال نتيجة، فتفقد المرأة البيئة الحاضنة لنمو طاقاتها في هذا المجال.
  9. ازدراء حق المرأة في العمل، وحرمانها منه على اعتبار أنها مأمورة بالقرار في بيتها. وهذا يسلبهابإرادة خارجيةأهم مقومات اسقلالها وهو الاكتفاء الذاتي؛ ما يجعلها عرضة للتقلبات المستقبلية من جهة الزوج إذا ظلمها، والابن إذا أهملها. مع أن الإسلام وإن رغب في القرار في البيت، لكنه لم يحرم الخروج على من أرادت ذلك، أو احتاجته للعمل أو لأي مصلحة أُخرى.

لم يمنع الإسلام المرأة من ممارسة التجارة والعمل في السوق، والخروج للجهاد، وغير ذلك من الأعمال خارج البيت، وإن كان قرارها فيه خيراً لها، وهو الأولى بها؛ فهو ميدانها الأول الذي تخرج منه الأجيال النافعة للمجتمع بنين وبنات. لكن ذلك على سبيل الترغيب لا الوجوب. وإنما المحرم هو أن تخرج متبرجة أي تتمشـى بين أيدي الرجال، أو تظهر محاسنها لهم، أو تمشي مشية تكسر وتغنج؛ فذلك تبرج الجاهلية([1]). ومن التبرجأن تلقي الخمار على رأسها ولا تشده فيواري قلائدها وعنقها وقرطها ويبدو ذلك كله منها”([2]).

وأما قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (الأحزاب:33)، فقد قال الماوردي: قوله عز وجل: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) قرئت على وجهين: أحدهما: بفتح القاف, قرأه نافع وعاصم, وتأويلها: اقررن في بيوتكن, من القرار في مكان. الثاني: بكسر القاف: قرأها الباقون, وتأويلها كن أهل وقار وسكينة([3]). وقال ابن كثير في (التفسير): أي الزمْنَ فلا تخرجن لغير حاجة. ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إِماء الله مساجد الله وليخرجن وهن تفلات)، وفي رواية (وبيوتهن خير لهن).إ.هـ .

مظالم ما بعد الاحتلال

أضاف إلينا الاحتلال الثلاثي (الأمريكيالإيرانيالشيعي) أصنافاً من الاضطهاد وألواناً من الظلم تهد الجبال، وتوهن الحديد صبت على رأس المرأة صباً! إن ذلك يستدعي منا استجابة تأخذ بنظر الاعتبار متطلبات الحالة الراهنة من جهة، ووجود المعوقات القائمة من جهة ثانية، ثم قدرتنا الفاعلة من جهة ثالثة، وكيف يتم التعبير عن المحصلة النهائية للقوى الثلاث في المعادلة. وفيما يلي ذكر أهم أصناف الاضطهاد وألوان الظلم المضافة بعد الاحتلال الثلاثي، والتي تضاعفت بعد جلاء الاحتلال الأمريكي وانفراد الاحتلالينأو بالحري الاستحلالينالإيراني والشيعي في التحكم بشؤون العراق:

  1. شيوع ظاهرة الترمل بفقدان الزوج، أو اليتم بالأب. والأذى والحزن والانكسار بعد فقدان القريب كالأم والأخ والأخت ومن يليهم، والأحبة والمعارف والأصدقاء والجيران.
  2. تحمل المرأة أعباء الأسرة بعد اختفاء المعيل بالقتل أو الاعتقال أو المطاردة أو التهجير. كما أن قلة فرص العمل المتاحة أمام أهل السنة أدى إلى زيادة أعداد النساء اللائي اضطررن إلى تحمل تلك الأعباء.
  3. الاغتيال والقتل خارج القانون. بالإضافة إلى الإصابات غير القاتلة والإعاقات والعاهات الجسدية، وعقابيلها من الأمراض الجسدية والنفسية.
  4. الاعتقال التعسفي والاختفاء القسـري، والخطف على أيدي المليشيات ثم الاغتصاب والقتل والرمي في الشوارع والمزابل والمزارع.
  5. الإجهاض القسري داخل السجون، أو نتيجة التعذيب والضـرب المبرح.
  6. التعذيب في السجون بكل ألوانه الجسدية والنفسية، بما فيه الاغتصاب الجنسي.
  7. ولم يكن الإعدام آخر ما تحملته المرأة السنية في العراق من أصناف الاضطهاد وألوان الظلم.

___________________________________

[1]– أحكام القرآن، 3/471، أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي، تحقيق عبد السلام محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية بيروتلبنان، الطبعة الأولى، 1415هـ/1994م.

[2]– تفسير الماوردي (النكت والعيون)، 4/400، أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، تحقيق السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية، بيروتلبنان.

[3]– تفسير الماوردي، 4/399. المصدر السابق.







دور المرأة في عملية التغيير الاجتماعي

 

الدور المطلوب من المرأة  

ليس المنهج موضعاً لبيان جاهز بتفاصيل الدور المطلوب من المرأة تأديته؛ فهذا ألصق بالأمور العملية منه بالأفكار النظرية. وأترك ذلك إلى ذكاء واختيار النخبة العاملة، المتناغم مع إملاءات الواقع. كما أترك بيان آلية التنفيذ إلى قسم (البرنامج) من المشروع. سوى إضافة ملاحظة مهمة هي أننا نطمح إلى أن تؤدي المرأة دورها في إطار (قيادة التغيير) لا (إدارة التغيير) فحسب. ومعنى إدارة التغيير تنفيذ البرنامج المرسوم كما هو. أما قيادة التغيير فتعني التدخل في تغيير البرنامج لصالح الهدف العام كلما استدعت الحاجة، والتفكير الدائم في تطويره والعمل على ذلك طبقاً لقاعدة (الخروج عن النظام من أجل النظام نظام). على أن أهم ما نرمي إليه من وراء الدور المطلوب من المرأة في المشـروع السني هو:

  1. تمكين المرأة من معرفة ذاتها ومنزلتها وحقوقها التي منحها الله تعالى إياها منحة ربانية لا منة لأحد فيها عليها، والتي فصلتها الدساتير والقوانين الداخلية والخارجية؛ فإن أول التغيير المعرفة.
  2. صناعة وعي اجتماعي يحوّل المعرفة إلى طاقة فاعلة؛ فإن الوعي بالحالة هو أول ما يثير النفس وينتج الطاقة ويبعث الحركة.
  3. تمكين المرأة المعرفي والعملي في جوانب الحياة الفكرية، والنفسية، والحقوقية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها من الجوانب التي تطور المرأة وتنميها وتباركها وتزكيها، وتجعل منها إنساناً قوياً فاعلاً له وجوده الحقيقي ومكانه اللائق به في السلم الاجتماعي.

وما من شك في أن لكل حقل من هذه الحقول، وهدف من تلك الأهداف برامجه وأنشطته المؤدية إليه طبقاً لخطة مرسومة سلفاً. فعلى سبيل المثال: مشروعنا يشجع على الاستقلال المادي، وتسنم المرأة لوظيفة أو دور اجتماعي يناسبها؛ فإن هذا يشارك في حمايتها من الظلم الشائع حولها، ومن أن تكون عرضة للاستضعاف في مسار حياتها، ومن الإهمال والتشييء الذي عادة ما يكون من نصيب المرأة في خريف عمرها. فهذا الهدف، والدور المطلوب لتحقيقه، ناشئ من حاجة واقعية ومعاناة اجتماعية هي التي دفعتنا للتفكير الجاد كي نستخلص الفكرة المنتجة. ثم نتركها مفتوحة النهايات كي تكون على الدوام قابلة للتحوير والتغيير والتطوير. ولتحقيق هذا الهدف تحتاج النخبة العاملة إلى خطة وبرنامج وأنشطة مناسبة له.

خطوط عامة عن الدور المطلوب حسب مراحل المشروع

  1. في مرحلة التحصين: مطلوب من المرأة أن تقوم بمهمتها في الدعوة إلى ترسيخ الهوية السنية، وإعداد القيادات النسوية.
  2. وفي مرحلة التكوين والعمل المجتمعي تمارس المرأة دورها من خلال وسائل عديدة، أهمها تأسيس المنظمات المدنية وقيادتها، أو إدارتها. ويأتي تأكيدنا على المنظمات من حيث إن المنظمة المدنية تمنح المرأة حصانة رسمية وأمنية، وتيسر لها سبل التواصل مع المجتمع، وتهيئ لها موارد للدعم المادي والمعنوي.
  3. وفي مرحلة التمكين والعمل السياسي المحمي بالقوة: يمكنها أداء النشاط الذي تستدعيه المرحلة تأثيراً وتحريكاً، وتوجيهاً.

أهم المؤسسات المدنية في مرحلة ( التكوين )

حين نطرح (المؤسسة المدنية) ممثلة للدور المطلوب من المرأة أن تؤديه، لا نعني بها أنها المثال الوحيد للقيام بذلك الدور، إنما هي إحدى أهم الآليات المتاحة في الواقع، لكن أفردناها بالذكر لأنها تأتي في مقدمة تلك الآليات، وأكثرها تأثيراً في المجتمع وقدرة على جذب الطاقات واستيعابها وتطويرها، على الأقل في الزمن الذي نعيشه. ومن لم يساير الزمن تولى عنه وتركه يراوح على رصيف الضياع.

فيما يلي بيان لأهم المؤسسات أو المنظمات المدنية التي نريد من المرأة إنشاءها وقيادتها في المرحلة الثانية من المشروع، وهي مرحلة (التكوين) التي تقوم أساساً على العمل المجتمعي والتعامل المباشر مع الناس:

  1. مؤسسات الدعوة والإرشاد الديني، وما يتفرع عنها من مراكز تحفيظ القرآن الكريم ودراسة علومه، والعناية بالحديث الشريف وغيره من علوم الدين: تعليماً وتزكية. وطموحنا تخريج منظومة فقهية نسائية تحيي فقه النوازل.
  2. مؤسسات تعنى بتثقيف المرأة وتعليمها وتدريبها لاكتساب الخبرة في شؤون السياسة والإدارة العامة، كي تتمكن من تقلد المناصب السياسية والإدارية.
  3. مؤسسات حقوقية لتخريج فوج من المحاميات والقاضيات من أجل دفع المظالم واستحصال الحقوق ومحاكمة الجناة.
  4. مؤسسات إعلامية نسوية تهتم بالمرأة وقضاياها كافة.
  5. مؤسسات خدمية لتوفير الحاجات الأساسية للفئات المتضررة من النساء. ودعم الأسر الفقيرة والمتعففة.
  6. مؤسسات الرعاية الصحية لتقديم الخدمة الصحية للمرأة والطفل.
  7. مؤسسات تشغيل المرأة وتوفير فرص العمل والعيش الكريم.
  8. مؤسسات راعية للفتيات المراهقات والطالبات الجامعيات.
  9. مؤسسات حماية المرأة (قانونية، اجتماعية، اقتصادية وغيرها).
  10. مؤسسات تنمية الأسرة إيمانياً واقتصادياً واجتماعياً.
  11. مؤسسات سيدات الأعمال، وهي مؤسسات استثمارية لتخريج جيل من سيدات الأعمال والناشطات في المجال التجاري.
  12. مؤسسات ثقافية وأدبية وفنية.
  13. مؤسسات لرعاية الطاقات العلمية لدى الأكاديميات والطبيبات والمهندسات وغيرهن.
  14. مؤسسات ومراكز تعنى بالدراسات والبحث العلمي.
  15. مؤسسات نفسية لعلاج آثار الحروب والعنف الجسدي.

في ضوء ما سلف بيانه يمكن للمرأة، متعاونة مع شقيقها الرجل، رسم خطة مناسبة، ووضع برنامج تفصيلي للدور المطلوب من المرأة تأديته بمختلف أشكاله للخلاص من الواقع المرفوض وصولاً إلى بناء المستقبل المفروض. وذلك بالنظر المباشر إلى الحاجات الذاتية والاجتماعية الأساسية وتلك المتولدة نتيجة الظلم والتبخيس من جهة، ومراعاة مراحل المشـروع الثلاث: التحصين والتكوين والتمكين من جهة ثانية. مع استحضار ما ذكرناه من قواعد وتأصيلات عن نظرتنا الربانية للمرأة كما وردت ملامحها في الوحي الإلهي العظيم، واستخلصناه منه بالفكر الميداني المسدد والمقارب بتوجيهه الرباني القويم. (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (النساء:124).


شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

6521740849391641416

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث