المرأة في مشروعنا - المقصود الأبعد، التبخيس، سايكولوجية التبخيس
قاعدة المقصود الأبعد
الحكم على الشيء بين التجريد والتجسيد
من عيوب العقل وقوعه في مطب التجريد، فينظر للحالة مجزوءة عن صورتها الكلية، كالذي ينظر لعين جميلة بمعزل عن الوجه الدميم الذي يحيط بها، فيحكم بالجمال لصالح صاحبها، وكالذي ينظر إلى حادث قتل بشع يقع أمامه فيحكم على القاتل بأنه ظالم، ولو اطلع على خلفية الحدث لربما كان الحكم على العكس من ذلك.
لا بد إذن من تجسيد عناصر المشهد كلها للخروج بنتيجة صحيحة. فالاقتصار على عنصر أو عنصرين مجانفة للمنهج العلمي للوصول إلى الحقيقة.
من عناصر التجسيد (المقصود الأبعد) أو النهائي لتكامل الأشياء وتفاضل الأشخاص. وهو الغاية التي من أجلها كان الشيء أو التصرف على الشكل الذي كان عليه، وفي حالة عدم استحضار ذلك المقصود تبدو الصورة مختلة.
لنأخذ على ذلك مثالاً واحداً؛ فقد روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري قال: بينا النبي e يَقسم ذات يوم قَسْماً [وفي رواية: بعث علي t، وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله e. فقسمها رسول الله e بين أربعة نفر] فقال ذو الخويصرة [رجل من بني تميم]: يا رسول الله اعدل، قال: (ويلك، من يعدل إذا لم أعدل)؟ وفي رواية: فغضبت قريش. فقالوا: أتعطي صناديد نجد وتدعنا؟ فقال رسول الله e: (إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم). فجاء رجل كث اللحية مشـرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد! قال: فقال رسول الله e: (فمن يطيع الله إن عصيته! أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني)؟
وروى مسلم عن عمر بن الخطاب t قال: قسم رسول الله e قسماً فقلت: والله يا رسول الله! لَغير هؤلاء كان أحق به منهم. قال: (إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني؛ فلست بباخل).
حقيقة الحدث هكذا: أعطى النبي e جماعة من الأغنياء من رؤساء القبائل – منهم عيينة بن بدر الفزاري والأقرع بن حابس – بينما ترك فقراء أحق منهم بالعطاء. نظر إلى المشهد مجموعة من الحاضرين اتفقوا في أمر واحد وهو أن الأمر جرى على غير ما ينبغي عليه، واختلفوا في أدب التعامل مع المشهد: فمنهم من اعترض متهماً النبي بالجور في القسمة، ومنهم من غضب، وهو أهون، ومنهم من سأل ليفهم، وهو الأدب المشـروع في مثل هذه الحالة.
والسبب في استشكال الأمر على الجهات الثلاث هو غياب (المقصود الأبعد) عن الشهود، الذي يضبط هذا التصرف الغريب فيجعله مشروعاً من جهة، ويصحح صورته في ذهن الرائي من جهة أُخرى. ولو كان ذلك المقصود حاضراً – وهو تألف أولئك الأغنياء، أو دفع تهمة البخل عن شخص النبي e التي تصرف الناس عنه – لما:
- غضب من غضب (قريش)
- واستفهم من استفهم (عمر بن الخطاب)
- أما ذو الخويصرة فله شأن آخر؛ إذ اعتراضه ناشئ عن مرض قلبي لا إشكال فكري. على عكس الحالتين الأوليين فهما ضمن المدى المقبول على اختلافهما في الدرجة ما دام لا شك ولا اعتراض.
مع ملاحظة أن غضب قريش كان بحضور النبي e فهو غضب عتب وتدلل ينتظر قرار النبي: أيمضيه فيغنموا أم يمنعه فيُسلِّموا. وهذا ممنوع بالنسبة لمن جاء بعدهم، إذ ليس لهم إلا الاستسلام، وإلا فالاستفهام كما فعل الفاروق عمر.
المقصود الأبعد الضابط للتفاوت بين الجنسين
خلق الله تعالى الرجل وهيأه لغاية، أو وظيفة، غير الغاية التي خلق لأجلها المرأة. وهذا يستلزم تفاوتاً في الخصائص والقوى تبعاً لتفاوت الغاية أو (المقصود الأبعد) للخلق. لقد خُلق الرجل ليكون عامةُ سعيه خارج البيت خدمة للأسرة والمجتمع؛ فهذا يلزم منه أن يكون أقوى في بدنه وأثبت في نفسه. فمَن للبيت تحقيقاً لبناء الأسرة؟ وهو (مقصود أبعد) آخر.
لا أحد غير المرأة. وهذا يلزم منه أن تكون أكثر لطفاً ورقة وأغنى عاطفة وأرهف شعوراً. كما يلزم منه أن تكون أكثر ملازمة للبيت من الرجل؛ فلو خرج الاثنان ضاع الأولاد وتفككت الأسرة.
انظر ماذا أصاب العالم المتمدن من نتائج كارثية على مستوى الفرد والأُسرة والمجتمع يوم نظر إلى قيمة المساواة بين الجنسين فقط غافلاً أو متغافلاً عن قاعدة (المقصود الأبعد) وهو بناء الأسرة – دعك من الخلط بين قيمتي المساواة والعدل – فأخرج المرأة من بيتها للعمل والكسب! والرجل في الوقت نفسه يخرج للعمل والكسب أيضاً؛ فمن للأطفال، فضلاً عن مطالب الأسرة الأُخرى؟ غاية ما فعله أن عوّض ذلك بمؤسسات رسمية تتولى رعاية الأطفال على يد موظفات ريثما تعود الأم من عملها! لكن هؤلاء الموظفات لا تجمعهن بالطفل رابطة أمومة؛ فلا عاطفة تشبع، ولا حنان يدفئ، ولا حب يمنح الثقة والاستقرار للنفوس الشاردة. أضيفي إلى ذلك مدى الحرمان الذي يقع على الأم في المقابل بسبب ذلك!
فكانت النتيجة أن ينشأ الطفل محروماً من حنان أمه ودفء حضنها وطعم صدرها؛ فيصاب بالأمراض والعلل النفسية زيادة على ما هي عليه حتى أمست ظاهرة اجتماعية في ذلك العالم. وكان الجفاف في العاطفة بين أفراد الأسرة، ثم ضَعْفُ الترابط والعلاقة الأبوية والأخوية الذي ينتهي بالتفكك الوشيك للأسرة، ويكون مصير الأم والأب عند المرض أو الشيخوخة تلك المؤسسات الرسمية الجافة الخالية من أي لمسة للحياة جزاءً وفاقاً.
وعند البحث عن المشكلة من جانبها الفكري أو أساسها النظري نجده في النظر إلى المرأة من ثقب (المساواة) القريب الخادع في غياب هذا (المقصود الأبعد) الضابط، وهو البناء السليم للأسرة. كما أن هذا النظر القاصر أنتج عند المتأثرين من المسلمين بالمدنية المعاصرة تلك النظرة المختلة لحرص الإسلام على قرار المرأة في بيتها، على عكس الرجل.
على أن هذا لا يلزم منه منع المرأة من العمل والخروج المطلوب بمستوياته الثلاثة: الواجب والمستحب والمباح، بشروطه الشـرعية وآدابه المرعية فيما لو أرادت ذلك، كما لا يجوز الحجر عليها في البيت بحجة أن الله تعالى قال: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (الأحزاب:33). فالقرار في البيت لا يلزم منه عدم الخروج مطلقاً؛ فقد قال e: (قد أَذن الله لكُنَّ أن تَخرُجن لحَوائجِكنَّ) رواه البخاري. والحوائج كثيرة متنوعة؛ فكان من الصحابيات – مثلاً – من تخرج مع الجيش تقاتل وتمرِّض الجرحى وتسقي العطشى، وكان منهن من تتاجر. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: (وقرن في بيوتكن) أي: اقررن فيها، لأنه أسلم وأحفظ لكن. (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) أي: لا تكثرن الخروج متجملات أو متطيبات، كعادة أهل الجاهلية الأولى([1]).
وفي قوله تعالى: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) (القصص:23) أمران:
الأول: أن الأصل تواجد المرأة في بيتها؛ ولهذا قال نبينا موسى u مستغرباً وجود المرأتين في ذلك المكان خارج البيت: (مَا خَطْبُكُمَا)؟ وكأنه سأل – من ضمن ما سأل – عن سبب خروجهما فبينتا له السبب وهي الحاجة، وذلك في قوله تعالى: (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ).
والأمر الثاني: جواز خروج المرأة من بيتها للحاجة، ومزاولة كل ما لم يرد النهي عنه في الوحي من العمل، بشرطين:
- الأول: عدم تفويت (المقصود الأبعد)، وهو الحفاظ على بناء الأُسرة.
- الثاني: التزام حدود الشرع والأدب، وإلى ذلك الإشارة في قوله تعالى: (وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ)، فلم تختلطا بالرجال.
وعند النظر في هذا التشريع نجد أن (المقصود الأبعد) هو تأسيس أسرة سليمة متماسكة مستقرة، والحفاظ عليها كذلك، وحمايتها مما يناقض هذا المقصود. هذا هو الأساس وهو المنطلق وهو المقياس الذي نرد إليه كل نشاط للمرأة. وهذا يلزم منه أمران نفهمهما في ضوء قانوني (التكامل الكوني والتفاضل الاجتماعي):
الأول: للأسرة حاجة من داخلها وهي ملازمة المرأة بيتها إلا لحاجة، ومنها الفسحة الحلال في حدود الحشمة، وطلبُ العلم، وممارسةُ العمل المباح.
الثاني: للأسرة حاجة من خارجها لا يتم المقصود إلا بها وهي خروج الرجل للعمل والكسب. إضافة إلى حاجة المجتمع للرجل أكثر من حاجته للمرأة، مثل ممارسة النشاط السياسي والعسكري.
والبيت على صغره مؤسسة كاملة لا بد فيها من رئيس ومرؤوس. وقد اقتضت حكمة الخلق أن يكون الرجل هو الرئيس والقائد. وهذا – أي قيادة الرجل للبيت، وهو (مقصود أبعد) أيضاً – يلزم منه أن يكون الرجل ذا فضلة في عقله نسبة إلى المرأة، وإلا اضطرب أداء هذا الدور فاختلت المؤسسة. وهو تفاضل وظيفي لا تمايز إنساني؛ فلا يعني شرطاً أن الرجل أكرم من المرأة. إنما الكرامة الإنسانية بالتقوى وهما فيها على قدم المساواة من حيث الأصل. والتفاوت فيها مفتوح لكليهما بالتساوي والتكامل.
وفي غياب هذين البعدين: الأسرة والقيادة، لا يحتمل النظر القريب تفاضل الجنسين في موضوع العقل، ويبقى متحيراً بين صحة الحديث الوارد في ذلك وبين ما يبدو له من خلل بسبب نظره القريب.
[1]– تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1420هـ – 2000م.
التبخيس الاجتماعي للمرأة
تتعرض الأنثى في كثير من البيئات إلى عمليات تبخيس منذ الصغر، تتخذ صوراً شتى تتراوح بين التصريح والتلميح والإيحاء إليها – وللذكر أيضاً – بأنها دونه في مرتبتها الإنسانية. قد يعبَّر عن هذا التبخيس والنظرة الدونية بألفاظ جارحة وإشارات غير لائقة وأمثال وتقاليد شعبية، وربما تعدى إلى الضرب والتنكيل. كما ينعكس على تقاليد وتواضعات اجتماعية لا يفهم منه سوى دونية المرأة في بشريتها وقيمتها الإنسانية.
خذ مثلاً على ذلك هذه الصور الأسرية في بعض الأوساط الاجتماعية، لا سيما في الريف:
- تحكم الأخ الذكر بأخته الأنثى فيأمرها بشتى الأوامر، وعليها أن تطيعه ولا بد. فإن خالفت لأي سبب لا يبعد أن يعرضها ذلك لأن تقذف بكلمة نابية، وقد يصل الأمر إلى الضرب. ترسبت هذه الحالة وترسخت كثابت اجتماعي. ساعد على ذلك كون الذكر هو من يسعى عادة لكسب الرزق خارج البيت، والأنثى هي التي تقوم بوظائف البيت. وتلك قسمة عادلة، يقتضيها قانون (التكامل الزوجي). وليست المشكلة هنا، إنما في ضعف إدراك هذا القانون، وسوء تطبيقه.
يستلزم قانون (التكامل الزوجي) تفاوت العمل وتقاسمه بين الجنسين، فواجبات البيت من شأن الأنثى بينما واجبات العمل خارج البيت من شأن الذكر، ومنه القيام بحاجات المرأة: أماً كانت أم أختاً أم زوجة أم غيرها، مثل حمايتها وتوفير مستلزمات تطبيبها وحاجات دراستها وحلول مشكلاتها التي لا تتهيأ لها بمفردها، وما شابه ذلك. وكما أن تقصير الأخير في أداء عمله يحمله مسؤوليةً عليه إنجاز تبعاتها، كذلك الأمر مع تقصير الأنثى في واجباتها الداخلية، وعليها تحمل مسؤوليتها. وعلى كل فريق أن لا يتضايق من مطالبته بأداء واجباته. لكن إن وقع التقصير – ولا بد أن يقع شيء منه قلّ أو كثر – فعلى الجميع أن يلتزموا حدود الأدب والاحترام المتبادل، مع الود والرحمة والسلوك الرفيع.
- إظهار الابتئاس بولادة الأنثى عكس الذكر، واختصاص بعض البيئات الذكر عن الأنثى بمزيد من العناية والعطف. ومن خلال التمييز في الطريقة التي يتعامل بها الأب مع الأنثى مقارنة بأخيها الذكر، ينطبع في ذهن الطفل أن الأنثى أقل قيمة في الخَلْق والانسانية.
- إشعار الأُنثى بأنها عورة وأن فيها نقصاً عليها التواري عن الأنظار لكي تخفيه منذ طفولتها، وتقييدها في اللعب والحركة والضحك. هذا لا يعني أن علينا – في سبيل ترك ذلك – أن نهمل القيم، مثل قيمة الحياء، الذي هو للمرأة جمال وقوة وهيبة، كما أنه جزء من طبيعتها، التي لا يصلح التنازل عنها ولا تصح الدعوى لإخراجها منها. كما لا يعني غض الطرف عن أن هناك مقداراً من التفاوت في درجة رعاية الأمر بين الجنسين. إنما المشكلة في غرس القيمة أو تنميتها بطريقة تعقد البنت.
- قد يُطلب الزواج بالمرأة من خلال ذويها، الذين يناقشون الأمر فيما بينهم دون علمها وكأن الأمر لا يعنيها البتة، فيرفضون أو يقتنعون دون اعتبار لرأيها. وقد ينتهي الطلب بالرفض دون علمها، أو تتم الموافقة ثم تجبر عليها بشتى الطرق ترغيباً وترهيباً. وعادة ما تشارك الأم في هذا الاعتداء الصارخ على أخص خصوصيات الإنسان ذكراً كان أم أنثى!
على أننا نلاحظ أن هذه الظاهرة قد بدأت تعرف طريقها إلى الانحسار.
حرية المرأة في اختيار الزوج
إن إجبار المرأة على الزواج بمن تكره مخالف للشرع والعقل والفطرة. روى البخاري في (باب: لا يُنكِح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها) بسنده عن أبي هريرة أن النبي e قال: (لا تنكح الأيم حتى تُستأمَر، ولا تُنكح البكر حتى تستأذن). قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: (أن تسكت).
قال شيخ الإسلام: أما الثيب فقد زال عنها حياء البكر فتتكلم بالنكاح، فتُخطَب إلى نفسها، وتأمر الولي أن يزوجها. فهي آمرة له، وعليه أن يطيعها فيزوجها من الكفء إذا أمرته بذلك. فالولي مأمور من جهة الثيب، ومستأذِن للبكر. فهذا هو الذي دل عليه كلام النبي e. وأما تزويجها مع كراهتها للنكاح: فهذا مخالف للأصول والعقول، والله لم يسوغ لوليها أن يكرهها على بيع أو إجارة إلا بإذنها، ولا على طعام أو شراب أو لباس لا تريده. فكيف يكرهها على مباضعة من تكره مباضعته، ومعاشرة من تكره معاشرته؟! والله قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة فإذا كان لا يحصل إلا مع بغضها له، ونفورها عنه فأي مودة ورحمة في ذلك؟([1]).
وروى البخاري في (باب: إذا زوج ابنته وهي كارهة فنكاحهم مردود) بسنده عن خنساء بنت خذام الأنصارية: إن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله e فرد نكاحه. وروى ابن ماجة وغيره عن ابن بريدة عن أبيه قال جاءت فتاة إلى النبي e فقالت إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته قال فجعل الأمر إليها فقالت قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء([2]).
وفي الصحيحين وغيرهما: عن عمر بن عبد الله بن الأرقم أن سبيعة بنت الحارث أخبرته: أنها كانت تحت سعد بن خولة، وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدرا، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل ابن بعكك، رجل من بني عبد الدار، فقال لها: ما لي أراك تجملت للخطاب، ترجين النكاح، فإنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت، وأتيت رسول الله e فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي.
قال الشيخ الألباني: وفي الحديث فوائد فقهية أخرى ساق الحافظ الكثير الطيب منها كقوله: وفيه جواز تجمل المرأة بعد انقضاء عدتها لمن يخطبها؛ لأن في رواية الزهري عند البخاري: فقال: مالي أراك تجملت للخطاب؟ وفي رواية ابن إسحاق: فتهيأت للنكاح واختضبت. وفي رواية معمر عن الزهري: وقد اكتحلت، وفي رواية الأسود: فتطيبت وتصنعت”([3]).
إن تجمل المرأة للخطاب – ضمن الضوابط الشرعية – مشروع في ديننا، وذلك من الحرية المكفولة للمرأة بإذن النبي e. وقد قال تعالى عن المرأة التي تأيمت حديثاً وهي ما تزال في فترة عدتها: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ) (البقرة:235).
روى البخاري عن ابن عباس: (فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ) (البقرة:235). يقول: إني أريد التزويج، ولوددت أنه تيسر لي امرأة صالحة. وقال القاسم: يقول إنك علي كريمة، وإني فيك لراغب، وإن الله لسائق إليك خيراً، أو نحو هذا. وقال عطاء: يعرض ولا يبوح، يقول: إن لي حاجة، وأبشري، وأنت بحمد الله نافقة. وتقول هي: قد أسمع ما تقول، ولا تعد شيئاً.
قال ابن كثير في (تفسيره): يقول تعالى: (ولا جناح عليكم) أن تعَرّضوا بخطبة النساء في عدتهن من وفاة أزواجهن من غير تصريح… عن ابن عباس قال: إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله، ولوددت أني وجدت امرأة صالحة, ولا ينتصب لها ما دامت في عدتها. وقال: وهكذا حكم المطلقة المبتوتة يجوز التعريض لها.
فهوم دينية خاطئة
ساعد على ظاهرة التبخيس بعض الفهوم الخاطئة لنصوص شرعية وأحكام فقهية ذكرنا بعضها في موضوع (قانون التفاضل الاجتماعي).
من هذه الفهوم الخاطئة تصور البعض وكأن الحجاب تم التأكيد عليه في حق المرأة بناءً على أن جسدها عورة تعني النقص. ولو تمعنا في الأمر أكثر لوجدنا ما يلي:
- إن عورة المرأة يغلب عليها الكمال، وليس النقص، مقارنة بالرجل؛ لِما في جسمها من زيادة جمال عن جسمه. فالجمال، الذي هو من جنس الكمال، هو الذي استدعى مزيداً من الستر لدى المرأة.
- ليس كل عورة نقصاً؛ فوجود عورة الرجل – مثلاً – كمال، وعدمها هو النقص وليس العكس، وهذا العدم عيب يُلزمه بطلاق المرأة إن كان زوجاً؛ ويجعله أقل منها درجة في هذا الباب، ويفقد شرط الكفاءة. فليشكر الرجل ربه على عورة أورثته كمالاً..!
- ولا ننسى ما جاء في حق السيدة مريم رضوان الله عليها من قوله تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) (التحريم:12). ولم يرد في حق الرجل في المقابل مثل هذا التكريم العجيب. وقد مر بنا الكلام على هذا في أول الكتاب.
ويصل التبخيس حداً يجعل الرجل يشعر بالخجل من ذكر اسم أمه أو زوجه أو إحدى قريباته، وكأنه عورة ينبغي أن تستر. وهو نوع من المهانة الجمعية اللاشعورية الشائعة في المجتمعات الاضطهادية يسقطها الرجل على المرأة. أي إنها – في الحقيقة – تعبير عن نقص الرجل لا نقص المرأة. وذلك مخالف للقرآن الكريم والسنة النبوية؛ فقد سمى القرآن نساء بأسمائهن، ولم يكن النبي e يتردد من مناداة المرأة باسمها. فقد قال: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) متفق عليه، وروى مسلم عن عائشة قالت: لمّا نزلت: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (الشعراء/214) قام رسول الله e على الصفا فقال: (يا فاطمة بنت محمد! يا صفية بنت عبدالمطلب! يا بني عبدالمطلب! لا أملك لكم من الله شيئا. سلوني من مالي ما شئتم). تأمل كيف كانت المناداة باسم قريباته من النساء: ابنته وعمته على ملأ من الناس ومن فوق جبل الصفا!
[1]– مجموع الفتاوى، 32/25، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416هـ/1995م.
[2]– ترجح لي بعد بحث طويل مذهب الأحناف في عدم اشتراط موافقة الولي في النكاح، ويكفي الشاهدان في صحة العقد.
[3]– سلسلة الأحاديث الصحيحة، 6/494. مصدر سابق.
علم نفس (سيكولوجية) التبخيس الاجتماعي للمرأة
الثقافة الاضطهادية أساس تبخيس المرأة
تلك هي الجذور الاجتماعية للتبخيس. أما الجذور النفسية الجمعية فيمكننا إجمالها بكلمة واحدة هي (الثقافة الاضطهادية) الشائعة في مجتمعاتنا. وحتى نفهم منابع هذه الثقافة المتخلفة نحتاج إلى الاستعانة ببعض مقررات (علم نفس الجماهير).
حين يسلط على الإنسان ضغط أو تحد خارجي يعجز عن مواجهته أو تجنبه، يتعرض التوازن النفسي الداخلي إلى الخلل، ويقع الفرد في ما يسمى بـ(الأزمة النفسية). وهي حالة انفعالية مؤلمة تنشأ من الإحباط المتواصل لدافع أو أكثر من الدوافع القوية. تقترن الأزمة عادة بحالة من التردد والحيرة والتوتر والقلق (Anxiety)، إضافة إلى ما يترتب على إحباط الدوافع من شعور أليم بالنقص والخيبة والعجز، أو الشعور بالذنب والخجل والخزي والاشمئزاز، أو الشعور بالظلم والرثاء للذات، أو الشعور بالوحدة والاغتراب، أو شعور الفرد بفقد احترامه لنفسه.
وإذا لم يوفق الفرد إلى حل المشكلة التي تواجهه بطرق إيجابية واقعية، ظل في حالة من التوتر الانفعالي الموصول، فيدفعه ذلك للجوء إلى أساليب ملتوية خادعة، تحدث في منطقة اللاشعور من العقل، تخفف عنه بعض ما يكابده من تأزم نفسي، وتقيه مشاعر القلق والعجز والفشل والخجل والرثاء للذات وغيرها من المشاعر التي تنشأ عن إحباط دوافعه. فإذا به يتجاهل المشكلة أو يتناساها أو ينكرها أو يستصغرها أو يموه عليها أو يتنصل منها بإلقاء اللوم على غيره لا على نفسه. كل ذلك للخلاص مما يعانيه من القلق بدلاً من مواجهته. لذا تسمى هذه الأساليب الملتوية بالحيل الدفاعية؛ لأنها تدفع عن الفرد غائلة القلق، وتهبه شيئاً من الراحة الوقتية، وإن تكن وهمية، كي لا يختل توازنه النفسي([1]).
(التماهي بالمضطهد Identification with the aggressor) أحد تلك الحيل الدفاعية، تنشأ عندما يكون التوتر ناتجاً عن تسلط واضطهاد مستمر لا يمكنه مقاومته. وهي عملية نفسية دفاعية تحدث في الجانب اللاواعي للعقل من أجل مجابهة القلق والشعور بالعار. ومعناها (تمثل عدوانية المعتدي، مع البحث عن ضحية أضعف منه يصب عليها عدوانه بدلاً من المعتدي كتعويض عن عدم قدرته على تصـريف غضبه باتجاه الهدف الصحيح). وربما كان هذا نوعاً من عملية نفسية تسمى (التحويل)، وفيها يفرغ الشخص عاطفته على هدف آخر ليس هو الهدف الأصلي، مثل أن ينزعج موظف من كلمة نابية من مديره لا يقدر على ردها عليه، فيظل متوتراً حتى يفرغ انفعاله في أقرب ضحية يصادفها أضعف منه. وعادة ما تكون زوجته أو ولده.
الشيء نفسه يحصل للمجتمع حين يتعرض لاضطهاد، سيما إذا طال زمن الاضطهاد والاستبداد وتوالت على الشعب سياطه فتنشأ حالة من (التماهي الجمعي بالمضطهد) تعم المجتمع كله، فيتسلط أفراده بعضهم على بعض.
هذا سر اضطهاد المرأة الجسدي والنفسي في مجتمعاتنا الشـرقية؛ لأنها مجتمعات عانت من الاضطهاد طويلاً، فهي استبدادية اضطهادية: يسلط أفرادها الاضطهاد بعضهم على بعض: القوي على من هو أضعف منه، والضعيف ممن هو أقوى منه بصورة يكون فيها الجميع ظالماً ومظلوماً في وقت واحد. ولأن المرأة هي الجانب الأضعف دوماً فهي تتلقى الاضطهاد في جميع الأحوال ثمناً لإثبات الرجل ذاته كي يجابه المهانة والشعور بالنقص الذي يعاني منه باستمرار تجاه الأقوى.
هذا هو التشخيص.. هذه هي العلة!
وهنا نقول: إن إثبات الذات بتسليط الأذى على الضعيف خسة ولؤم ينبغي على الرجل أن يبادر إلى تركه والترفع عنه مع الذهاب إلى علاج نفسه المريضة كي يحقق إنسانيته المجروحة، لا بأذى المرأة واضطهادها، وإنما بمعرفة أصل الداء كخطوة أولى للشفاء، ثم احترام زوجته وولده ومن هم في دائرة مسؤوليته. وهذا المعنى الدقيق ورد في حديث لا يصح سنده لكنه دقيق المعنى عن النبي e أنه قال: (ما أكرمَ النِّساءَ إلَّا كريمٌ ولا أهانَهُنَّ إلا لئيمٌ)([2]).
قيادة المجتمع تبدأ من البيت
بل هناك ما هو أعمق أثراً.. وأعظم نتيجة!
إن داء (الصنمية) المستشري في القيادات المؤسسية والرموز الشعبية، سببه أن مجتمعاتنا في عمومها مجتمعات اضطهادية عانت طويلاً من التسلط والاستبداد. وعن طريق عملية (التماهي بالمضطهد) التي تحدث في اللاشعور الجمعي للمجتمع، تتقمص عامة الجماهير شخصية الحاكم المستبد. ولهذا تجد كل واحد منهم – إلا من رحم – يستبطن في داخله شخصية ذلك الحاكم الذي يضطهده فهو عبارة عن مستبد صغير، لا فرق بينه وبين المستبد الكبير سوى حجم القدرة التي يمتلكها هذا وذاك. ولذلك قيل في الأمثال: (فرعون قدر فأظهر، وغيره عجز فأضمر). ويكفي أن ينتقل هذا المرض بالحث والتأثر والعدوى؛ فليس شرطاً أن يتعرض كل فرد للاضطهاد حتى يصاب به([3])!
الصنمية أخطر عوق يصيب نفوس القادة، وهي أم الاستبداد. والسبب أن مجتمعاتنا اضطهادية، تنتج الاستبداد باستمرار. فالجمهور المتخلف أو الاضطهادي هو الذي يصنع الصنم، وهو الذي يحطمه بعد فوات الأوان ليقوم بتصنيع صنم آخر. وجذور ذلك قائمة على الاضطهاد بكافة أشكاله. فالثقافة الجمعية للمجتمع الاضطهادي تميل إلى التطلع للمنقذ السحري، والحلول العاجلة. وعادة ما تؤمن بما يسمونه (الحل الوحيد). ومن هنا نشأت (الثورية) والاعتماد على الحلول العسكرية، وإهمال الحل القائم على مشروع حقيقي (مدني): ينطلق من فكرة تؤسس لهدف، يتطلب وسائل وآليات، وتهيئة موارد، وتربية جمهور وإعداد قيادات رجالية ونسوية في منجاة من العقد والمعوقات النفسية: فردية وجمعية. وهذا ما اعتمده الرسول e في بناء الدولة وتأسيس الحضارة. و(الحل الوحيد) في حاجة إلى شخص ساحر الصفات، يتخذونه صنماً ينقذهم من صنم ليكون هو الصنم.
ظلم المرأة إذن ناتج عن التخلف الثقافي الجمعي للرجل.
وهي قضية نفسية جمعية لا واعية. تحتاج منا علاجاً نفسياً، أوله الوعي بالحالة. ودون ذلك ستفشل جميع عمليات الإصلاح في هذا الشأن، وأولها عملية الإصلاح الديني والتربوي والعلمي.
على هذا الأساس يبدأ إنقاذ المرأة بإنقاذ الرجل أولاً، وعلاجه من هذه الحالة الجمعية المستشرية في مجتمعاتنا.. حالة (التماهي بالمضطهد). هذا من أهم ما توصلنا إليه من حقائق قيادية منهجية. هدتنا إلى تثبيت أسس في (المنهج) غاية في الأهمية، منها فقرة (التجديد)، هي إضافات أجدها – حسب علمي – غابت عن بقية المناهج التغييرية، فاستمر إنتاج الصنم.
من هنا ندرك سر معنى لطيف للعلاقة بين الاستقرار العائلي وقيادة المجتمع في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان:74) كان ينبه عليه قديماً الشيخ محمود غريب رحمه الله([4]). فمن نجح في قيادة بيته: زوجاً وأولاداً قيادة قائمة على الحب والاحترام والمشورة وسماع الرأي والحرية المسؤولة – وهذه كلها من لوازم الاستقرار والسعادة البيتية (قرة أعين) – نجح في قيادة الجمهور وترؤس الدول بالطريقة نفسها.
إن هذا المعنى، مع إدراك سره، أراه من أعظم ما تحتاجه الدعوات التغييرية التجديدية اليوم للنجاح في محيطنا الشـرقي الذي يشيع فيه الاضطهاد بجميع أشكاله الفكرية والنفسية والجسدية. وهو أحد الفروق الأساسية بين دعوات الغرب ودعوات الشرق في العصر الوسيط والحديث. ولا يلزم من هذا القول بأن الغرب أنصف المرأة، كما أنه ليس قدوة لنا في معرفة الحقائق ورسم المناهج، وإن استفدنا منه في بعض الجوانب.
[1]– أصول علم النفس، ص447 فما بعدها، الدكتور أحمد عزت راجح، المكتب المصري الحديث للطباعة والنشـر، الاسكندرية. بتصرف.
[2]– حكم الألباني بوضعه في: الجامع الصغير للسيوطي، 1/6661.
[3]– لاحظ عبد الرحمن الكواكبي هذه الظاهرة قبل مئة عام فوصفها لكنه لم يذكر سببها حين قال (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، ص62، الطبعة الثانية، دار القرآن الكريم – بيروت، 1393هـ – 1979م): “الحكومة المستبدة تكون طبعًا مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى الشرطي إلى الفراش إلى كناس الشوارع”.
[4]– الشيخ محمود غريب عالم مصري، قدم العراق سنة 1974 إماماً وخطيباً في جامع (البنية) الواقع في منطقة (علاوي الحلة) ببغداد. كان له أثر كبير في الصحوة الربانية في العراق. غادر البلد سنة 1982 لأسباب أمنية. وتوفي رحمه الله في دولة عمان سنة 2013.



إرسال تعليق