نظرات في السياسة - الموازنة، مفاهيم ضرورية، المآل

الكاتب: الدليميتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق


نظرات في السياسة - الموازنة، مفاهيم ضرورية، المآل

والموازنة بين المصالح والمفاسد

 الشريعة حكيمة، جاءت لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد. وليست هي مجرد أوامر ونواهٍ معلقة في الهواء، أو تغرس في الأرض كيفما يُشاء. إن هذه المصالح قد تحيط بها ظروف وحاجات وتحديات متغيرة تجعل الحكم الشرعي عند الفعل غيره عند الأصل. وقد جاء في الشريعة نفسها ما يضبط هذا التغير، ولم يترك ذلك نهباً لضعف الإنسان وجهله وهواه.

التحديات الدافعة إلى الموازنة بين المصالح والمفاسد

وإذا كانت الظروف والحاجات والتحديات دائمة التغير حسب الزمان والمكان، فإن من أكثر التحديات التي تواجهنا في عصرنا الذي نعيش فيه، ويحتاج المسلم -خصوصاً السياسي الذي يكون في موقع المسؤولية -إلى قرار وموقف يوازن بين المصالح والمفاسد طبقاً لضوابط الشرع يرجح تقديم هذا (أي القرار من حيث التنزيل والفعل)؟ أم هذا (أي القرار من حيث النزول والأصل)؟ أقول: من أكثر تلك التحديات ما يلي([1]):

  1. الانشغال بإشعال حرب واجبة في الأصل، ضد عدو معتد محتل. ينبني على حربه انهيار الدولة وتكالب الأمم؟ أم الانصراف إلى تحقيق مصالح الأمن الداخلي للمواطنين، والكفاية الاقتصادية للدولة، وتكوين علاقات حسنة مع دول العالم؟
  2. محاسبة فاسدين كثر، ينبني على محاسبتهم انشغال القضاء سنين طويلة، واضطراب الأمن، وتأليب العامة، وفقدان الحاضنة الداخلية، وانتشار الشائعات والأكاذيب عن تسلط الدولة وظلمها، وفقدان الولاء لها؟ أم تربية المجتمع، والعمل على كف أيدي السارقين المتنفذين، وتعيين الأكْفاء في المناصب المالية، وإشاعة العدل؟
  3. تطبيق الحدود الشرعية جملة دون تدرج؛ ما يؤدي بالناس إلى رفض الدولة والعمل على إسقاطها؟ أم تكوين رأي عام في الأمة تجاه أوامر الشرع وأحكامه لا سيما حدوده؟
  4. جباية الجزية من أهل الكتاب، وهدم كنائسهم الناشئة ومنعهم من بنائها؟ أم طمأنة تلك الأقليات الكافرة تجاه الحكم الإسلامي العادل، وتكوين رأي عام إيجابي لديهم عنه؟
  5. إلغاء السياحة كلياً مع تحمل ما ينبني عليه من رفض شعبي قد يتطور إلى ما هو أسوأ؟ أم التدرج فـي بناء السياحة المشروعة بالشروط التي يمكن تطبيقها ضمن الظرف المتدرج؟ وما يقال في السياحة يقال فـي الفن السائد.
  6. إغلاق المصارف الربوية وتصفية أموالها جملة واحدة؛ ما يؤدي إلى احتقان خطير داخل المجتمع وخارجه على النطاق الدولي، يؤدي إلى ضرر بالغ في استقرار الدولة واقتصادها؟ أم تحقيق مصالح إغناء المواطنين عن الاقتراض من هذه المصارف والمؤسسات الربوية عن طريق الدعوة والإعلام، وعن طريق تقديم البديل الشرعي، ونشره بين الناس، وتطوير تلك المؤسسات وتغييرها لتتلاءم مع الشريعة عن طريق عونها وإغرائها وتقديم البدائل لها؟
  7. عقوبة أصحاب محال الخمور ودور الزنا وفضحهم، وكسبهم أعداء للدولة؟ أم إغلاق هذه المحال والدور وإغناء أصحابها مالياً بتأمين أعمال شريفة لهم تسد حاجتهم، وتحقق الستر لهم، مع العمل على إعادة تأهيلهم إيمانياً وتربوياً لمنحهم فرصة للتوبة والانضمام إلى المجتمع ؟ مع التأكيد على ضرورة تحديد فترة زمنية مناسبة منعاً للتساهل والتماهل الذي يؤدي إلى التعود فالخضوع إلى الأمر الواقع.



محاذير سياسة الموازنة بين المصالح والمفاسد

خطران كبيران يكتنفان الأخذ بالخيار الثاني في حاجة إلى رصدهما والحذر منهما: الأول قبل التمكين، والثاني بعد امتلاك أدوات التمكين، وتهيؤ البيئة الداخلية للعمل بالأحكام الأصلية. وهما:

قبل التمكين:

  1. دخول العمل السياسي بلا قوة (القوة تعني الجسم المدني والجناح العسكري) يؤدي إلى انزلاق السياسي في دهاليز السياسة وضغوطها وإغراءاتها، دون إمكانية محاسبته أو ردعه.

بعد التمكين:

  1. أن تتخذ سياسة الموازنة ذريعة للاستقرار على ترك درء المفاسد المحرمة وجلب المصالح الواجبة، حتى بعد التمكين والقدرة على تطبيق المشروع بعيداً عن المحذور؛ فنصير إلى الحكم بغير ما أنزل الله اختياراً ورغبة!

إن هذا يتطلب ضرورة تأصيلاً وتخريجاً شرعياً يضبط الموازنة بين المصالح والمفاسد، تحقيقاً للسياسة الشرعية الرشيدة.

بعض الأدلة الشرعية

  1. قوله Y: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْـتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة:3).
  2. قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن:16).
  3. التدرج في تحريم الخمر، ومن نصوصه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (البقرة:219).

ومما جاء في الحديث مما يتوافق وما ذكرناه آنفاً من آيات الكتاب:

  1. روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي e قال لها: (يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين: باباً شرقياً، وباباً غربياً، فبلغت به أساس إبراهيم).
  2. روى البخاري عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله t يقول: كنا فـي غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمعها الله رسوله e قال: (ما هذا)؟ فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال النبي e: (دعوها فإنها منتنة). قال جابر: وكانت الأنصار حين قدم النبي e أكثر ثم كثر المهاجرون بعد. فقال عبد الله بن أبي: أوَقد فعلوا، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فقال عمر بن الخطاب t: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، قال النبي e: (دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه).
  3. روى البخاري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن أبا هريرة أخبره: أن أعرابياً بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله e: (دعوه، وأهريقوا على بوله ذنوباً من ماء، أو سجلاً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين).
  4. روى البخاري عن جابر بن عبد الله ، يقول: قال رسول الله e: (من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله)؟ فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: (نعم)، قال: فأذنْ لي أن أقول شيئاً، قال: (قل). فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنّانا، وإني قد أتيتك أستسلفك. قال: وأيضا والله لتملُّنه، قال: إنا قد اتبعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقاً أو وسقين.
  5. روى الترمذي وأبو داود وغيرهما عن بسر بن أَرطاة t قال سمعت النبي e يقول: (لا تقطع الأيدي في الغزو)([2]).
  6. ترك عمر بن الخطاب t حد قطع يد السارق فـي عام الرمادة.



مفاهيم ضرورية لفقه السياسة الشرعية وممارستها

تحتاج السياسة الشرعية إلى معرفة بالعلوم والمفاهيم التالية([3])، بعد معرفة (علوم الآلة) وعلى رأسها أصول الفقه، واللغة، والقرآن والحديث:

فقه المقاصد والأولويات والموازنات

المقاصد: وهو فقه مراد الله بعد فهم قول الله. يقول الإمام ابن قيم الجوزية (إعلام الموقعين عن رب العالمين:1/167): الفقه أخص من الفهم،

وهو فهم مراد المتكلم من كلامه. وهذا قدر زائد على مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة.

فقه الأولويات: وهو معرفة ما هو أجدر من غيره في التطبيق. أو هو وضع كل شيء في مرتبته، فلا يؤخر ما حقه التقديم، أو يقدم ما حقه التأخير، ولا يصغّر الأمر الكبير، ولا يكبّر الأمر الصغير.

فقه الموازنات: أو الموازنة بين المصلحة والمفسدة: وهو المفاضلة بين المصالح المتعارضة والمتزاحمة بين بعضها، وبينها وبين المفاسد إذا ازدحمت، وبين المفاسد نفسها إذا تعين فعلها وازدحمت مع بعضها؛ لتقديم الأولى بالفعل منها. ويلخصه قول عمر بن الخطاب t: (ليس العاقل من عرف الخير من الشر، إنما العاقل من عرف خير الخيرين). ويمكن تفصيل هذا القول ليكون (معرفة شر الشرين، وخير الشرين، وشر الخيرين). وله علاقة مترابطة بـ(فقه المقاصد) و(فقه الأولويات).

 

 

[1]– انظر: مسالك التمكين في السياسة الشرعية.. الموازنة في المصالح والمفاسد، ص27-30، بتصرف، أ عبد الله عيسى السلامة، د. عبد الله محمد ربابعة، د. أسامة عدنان الغنميين، دار عمار للنشر والتوزيع، عمانالأردن، الطبعة الثانية، 1436هـ – 2051م.

[2]– صححه الألباني وغيره. ولفظ أبي داود (باب الرجل يَسرِقُ في الغزو، أيُقطَعُ؟عن جُنادَة بن أبي أُمية، قال: كنا مع بُسْرِ بنِ أبي أرطاةَ في البحرِ، فأتي بسارقٍ يقال له: مِصْدَرٌ، قد سرقَ بُخْتِيَّةً، فقال: سمعتُ رسولَ الله e يقول: (لا تُقطَعُ الأيدي في السَّفر) ولولا ذلك لقطعتُه. صححه شعيب الإرناؤوط. وقال الترمذي: حديث غريب. (قلتطه”: وهو حكم بالضعف عند الترمذي) وقد روى غير ابن لهيعة بهذا الإسناد نحو هذا. والعمل على هذا عند بعض أهل العلم منهم: الأوزاعي: لا يرون أن يقام الحد في الغزو بحضرة العدو مخافة أن يلحق من يقام عليه الحد بالعدو. فإذا خرج الإمام من أرض الحرب ورجع إلى دار الإسلام أقام الحد على من أصابه كذلك قال الأوزاعي.إ.هـ. ونقل ابن قدامة على هذا إجماع الصحابة، وأتى بعدة شواهد عليه عن عمر وحذيفة وسعد. انظر: المغني: 9/309.

[3]– اعتمدت في إيراد المصطلحات الأصولية الآنفة وتعريفاتها أو شروحها على أكثر من مصدر منها كتاب (تكوين ملكة المقاصد)، د. يوسف بن عبد الله حميتو، ط1، بيروت 2013. ومصادر أُخرى على شبكة المعلومات.




مفاهيم ضرورية لفقه السياسة الشرعية وممارستها 

المصلحة

وهي جَلْبُ منفعة أَوْ دَفْعُ مضرة. وتقسم إلى معتبرة وملغاة ومرسلة.

فأما المعتبرة: فما وردت بدليل شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع. مثل تشريع الجهاد وتحريم الخمر.

وأما الملغاة: فهي التي ألغاها الشارع من الاعتبار، أو كانت في خلاف المشروع كالديمقراطية في الحكم والبدعة في العبادة، وتسوية الذكر بالأنثى في الإرث.

المصلحة المرسلة

وهي مصلحة لم يشهد الشرع لها باعتبار ولا بإلغاء. وحقيقتها كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع، دون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو

الإلغاء. مثل جمع القرآن الكريم في مصحف واحد بعد أن كان مفرقاً. وعقد ورش التدريب لصناعة الخبرة.

الاستحسان

الاستحسان يتلخص في أمرين: (ترجيح قياس خفي على قياس جلي؛ بناء على دليل). و(استثناء مسألة جزئية من أصل كلي أو قاعدة عامة بناء على دليل خاص يقتضي ذلك)؛ وذلك مراعاة للمآل، واعتباراً للعوارض المحيطة بالمكلف، والتفاتاً للعدل والمصلحة، ورفعاً للحرج، وتحقيقاً للموازنة بين المصالح والمفاسد عن التزاحم، وتنزيلاً للأحكام على واقع الأنام. مثل قضاء الصوم دون الصلاة للحائض في رمضان؛ فإن مقتضى ظاهر القياس أن الصلاة أولى بالقضاء لأنها أعظم منزلة، لكن -عند التدقيق -يكون الحرج بقضاء الصلاة أولى بالمراعاة، ورفع الحرج أصل شرعيوتجويز الفدية للحامل والمرضع، والأصل القضاء.

وتجويز الشرط مع البيع لمن يغبن في البيع ولا يحسن تجنبه مثل حبان بن منقذ فقال له النبي: (إذا بايعت فقل: لا خلابة ولي الخيار ثلاثة أيام). وعقد الاستصناع وهو تعاقد شخصي مع صانع على أن يصنع له شيئاً نظير مبلغ معين، مع أنه بيع معدوم.

وإقامة الإقليم وإن خالف ظاهر أصل الجماعة. أو الانعزال عن الشيعة إن كان أهل السنة في حالة من الضعف بحيث لا يقدرون على دفع شر الشيعة عن دينهم واستباحة دمائهم وأعراضهم وأموالهم، وإن أدى ذلك إلى الانفصال بدولة مستقلة، كما فعل القوم الذين بين السدين مع يأجوج ومأجوج وقد طلبوا من ذي القرنين أن يفصلهم عنهم بسد؛ لأن الحفاظ على ضروريات الحياة من الدين والكرامة والنفس والعرض والمال والعقل أولى من الحفاظ على وحدة أرض لا يأمن فيها المسلم على كرامته وباقي مقومات وجوده كإنسان كريم.

سد الذرائع

والذريعة ما أفضى إلى فعل محرم؛ فله حكمه، كما في قوله سبحانه: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام:108). ومثل الإقامة في بلاد الكفر، وصناعة التماثيل.

تحقيق المناط

وهو الاجتهاد في إثبات وجود علة الحكم في الفرع. وهو وسيلة تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائعويستلزم معرفة علة الحكم أولاً، ثم التثبت من تحقق مناط العلة نفسها في الفرع المراد الحكم عليه. والفرق بينه وبين القياس بزيادة مراعاة الأعيان والزمان والمكان والمآل. وهو (فقه الواقع والتوقع). وله صورتان:

الأولى: إثبات علّة في الفرع متـّـفق عليها في الأصل لإلحاق الفرع بالأصل. أي نقل حكم الأصل إلى الفرع بإثبات وجود هذه العلة الجامعة التي يدور عليها الحكم. ويمثلون له في الأصول بإثبات كون نباش القبور سارقاً لقطع يده. فالمناط هو السرقة إن اثبتناها طبقنا نص السرقة فيه. وإثبات أن علة اعتزال النساء في المحيض هي الأذى، فينظر في تحقيق الأذى في النفاس ليكون الحكم هو الاعتزال في حالة النفاس. ومن ذلك البحث فـي حكم السبي والاسترقاق في هذا الزمان: هل المناط مجرد الكفر؟ أم المقابلة بالمثل؟

الثانية: تطبيق القاعدة العامّة فـي آحاد صورها. مثال ذلك: قاعدة العدل في قوله تعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِـﭑلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِى ٱلْقُرْبَى) (النحل:90). فتعيين ولي الأمر العدل يعتبر تحقيقاً للمناط؛ لأنّك طبّقت القاعدة العامّة وهيالعدلفـي آحاد صُورها وجزئيّاتها وهو: تعيين أولياء الأمور، ونصب القضاة. وكذلك في قوله تعالى: (فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ) فلو قتل شخصٌ حماراً وحشياً فعليه بقرة لأنّها تشبه الحمار الوحشي.

وإلحاق هذا النوع بباب (تحقيق المناط) فيه مسامحة. قال الشنقيطي: “والمناط هنا ليس بمعناه الاصطلاحي؛ لأنه ليس المراد به العلة، وانما المراد بـه النص العـام وتطبيـق النص فـي أفراده هو هذا النوع من تحقيق المناط. ولا يخفى أن في عده من تحقيق المناط مسامحة، ولا مشاحة فـي الاصطلاح”([1]).


[1]– مذكرة أصول الفقه، ص227، محمد الأمين بن المختار الشنقيطي.




اعتبار المآل

وهو مجاوزة الواقع إلى ما هو متوقع؛ للحكم عليه بما يناسب المقصِد الشرعي من وضع الحكم. ويستلزم اعتبار المآل معرفة بقواعد أو مسالك تطبيقية للتحقق من تنزيل الأحكام تنزيلاً سليماً مثل: التدرج والتأجيل والاستثناء.

التدرج

وهو التنزيل الجزئي لأحكام الشريعة على الواقع بحسب ما يقتضيه ترتيب المصالح والمفاسد. وفيه مراعاة لقوانين النفس والاجتماع وطبيعة النفس البشريةويشهد له ما فـي (البخاري) عن عائشة رضي الله عنها قالت: ” إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام. ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبداً. ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبداً. لقد نزل بمكة على محمد e وإني لجارية ألعب (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر)، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده”.

وفيما رواه الشيخان من وصية النبي e لمعاذ بن جبل t دليل حين أرسله إلى اليمن من التدرج في دعوة الناس إلى التوحيد ثم الصلاة ثم الزكاة. ويشهد لذلك، إن صح، ما قاله عبد الملك بواعز فورة الشباب المتحمس لأبيه عمر بن عبد العزيز: (يا أبت ما لك لا تنفذ الأمور؟! فوالله ما أُبالي لو أن القدور قد غَلَتْ بي وبك في الحق) فأجابه: (لا تعجل يا بني؛ فإن الله قد ذمَّ الخمر في القرآن مرتين وحَرَّمها في الثالثة. وإني أخاف أن أحمل الحقَّ على الناس جملةً فيدفعوه جملةً، ويكون من هذا فتنة). ثم دخل عليه ثانية، وقال: (يا أمير المؤمنين: ما أنت قائل لربِّك غداً إذا سألك فقال: رأيتَ بدعةً فلم تُمِتْها، أو سنةً فلم تُحْيِها؟!) أو قال: (إِنِّي لأرَاك يَا أبتاه قد أخرت أموراً كَثِيرَة كنت أحسبك لَو وليت سَاعَة من النَّهَار عجلتها، ولوددت أَنَّك قد فعلت ذَلِك وَلَو فارت بِي وَبِك الْقُدُور) فقَالَ لَهُ عمر: (أَي بني إِنَّك على حسن قسم الله لَك وفيك بعض رَأْي أهل الحداثة وَالله مَا أَسْتَطِيع أَن أخرج لَهُم شَيْئا من الدّين إِلا وَمَعَهُ طرف منالدُّنْيَا أستلين بِهِ قُلُوبهم خوفًا أَن ينخرق عَليّ مِنْهُم مَا لَا طَاقَة لي بِهِ). وروي بطرق لا تصح.

التأجيل

وهو العدول عن تطبيق الحكم الشرعي في ظرف معين وإسقاط العمل به في ذلك الظرف حتى يحين ظرف آخر مناسب يعاد فيه ذلك الحكم إلى التطبيق. مثاله ما رواه الشيخان أن النبي e قال لأم المؤمنين عائشة ر: (لولا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ؛ فَإِنَّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَتِ الْبَيْتَ اسْتَقْصَرَتْ. وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفين) أي بابين. وهذا داخل في باب تعارض مصلحة مع مفسدة أكبر منها، ولا يمكن فعل إحداهما إلا بترك الأُخرى؛ فيقدم درء المفسدة الأكبر، والانتظار بالمصلحة إلى حين زوال صحبة المفسدةوأيضاً نهي النبي e عن إقامة الحدود في الغزو اعتباراً للمآل الضرري على المسلمين؛ إذ قد يدفع الحد من أقيم عليه إلى الالتحاق بالعدو وما شابه ذلكويقول القرطبي: “إنهم اتفقوا على أن للإمام أن يؤخر القصاص إذا خاف فتنة”.

الاستثناء

هو العدول عن تطبيق الحكم الشرعي في حق بعض الأعيان والوقائع والأمكنة.. مثل عدم قطع أمير المؤمنين عمر t يد من سرق عام الرمادة. وإسقاطه سهم المؤلفة قلوبهم لزوال علته رعاية لمصلحة المسلمين.

قواعد أصولية

بذلك جاءت القواعد الأصولية وعلى رأسها قاعدة (درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة)، وقواعد أُخرى عظيمة في هذا الباب مثل: (الضرورات تبيح المحظورات)، و(لا ضرر ولا ضرار). وقاعدة: (يغفر في البقاء ما لا يغفر في الابتداء). ومثالها ترك النبي e بناء الكعبة على قواعد إبراهيم u.. وقاعدة: (المنع أسهل من الرفع) ومثالها حديث البائل في المسجد فإن النبي e أمر بتركه حتى يتم بوله؛ لأنه لو قطع بوله لنجست ثيابه، وقد يحدث عليه جراء ذلك داء في بدنه، وينجس موضعين، وإذا ترك فالذي ينجسه موضع واحد؛ فترجح جانب تركه على ما فعل من المنهي عنه على قطعه بما يدخل عليه من الضرر. وهذا كلهكما يقول الشاطبينظر إلى ما يؤول إليه ترتب الحكم بالنقض والإبطال من إفضائه إلى مفسدة توازي مفسدة مقتضى النهي أو تزيد.

وهذه القاعدة تعتني بالمنهيات بعد الوقوع. وقد عرفنا سابقاً أن الشريعة الإسلامية مقصدها تحقيق مصالح العباد، وأن الأوامر فيها لجلب المصالح، وأن النواهي فيها لدرء المفاسد. وهذه القاعدة جاءت لتعالج تصرفات المكلف بعد تلبسه بالممنوع اذا ترتب على منعه مفسدة أشد أو أكبر. قال بعض العلماء: ”إن المفسدة التي حرم الله لاجلها الممنوع ستقابل بمفسدة اشد إذا أردنا زواله فنرجح بقاءه على وجه يليق بالعدل، وبذلك نتفادى وقوع ضرر أكبر من ضرر الأصل”.

وهذا كله يبرز أهمية تلك القاعدة الجليلة في دفع المفاسد. وهذا يؤكد أن هذه القاعدة نوع من أنواع الاجتهاد التطبيقي، أنيطت بها مهمة ترجيح إحدى كفتي الميزان بعد النظر في الواقع الجديد بما هو مصلحة للمكلف.

الثبات والمرونة في الشريعة الإسلامية

إن هذا يُثبت ويحقق خاصية (الثبات والمرونة في الشريعة الإسلامية). وقد جاء في بعض تعريفات (المرونة): “الحد الفاصل بين الثبات المطلق الذي يصل إلى درجة الجمود، والحركة المطلقة التي تخرج بالشيء عن حدوده وضوابطه، أي إن المرونة حركة لا تسلب التماسك، وثبات لا يمنع الحركة”. والشريعة الإسلامية وسط بين الجمود والميوعة؛ إذ تنقسم أحكامها إلى قسمين:

الأول: أحكام ثابتة لا تقبل التجدد أو التطور. وهي المسائل التي وردت فيها نصوص قطعية في ثبوتها وفي دلالتها؛ فهي لا مجال فيها للاجتهاد، ولا تتغير بتغير الزمان والمكان. إلا في جانبها التنزيلي على مواردها من الواقع. وهو ملحظ من ملاحظ المرونة في شريعة الإسلام.

الثاني: أحكام قابلة للاجتهاد والرأي والنظر. وتشمل جانبين، الأول: ما استجد من الحوادث ولا نص فيها. والجانب الثاني: الأحكام الظنية من حيث ثبوتها أو دلالتها، فهي قابلة للاجتهاد البشري من خلال مسالك الاجتهاد والاستنباط المعروفة. هذا ما جعل التشريع الإسلامي قادراً على التكيف ومواجهة التطور والملاءمة مع كل وضع جديد بحيث لا يحدث جديد إلا وللإسلام فيه حكم: إما بالنص وإما بالاجتهاد. وبذا فهولا يضيق بالوقائع المستجدة وحاجات الناس ومصالحهم.

لا بد من ضبط فقه المقاصد والمصالح وبقية أنواع الفقه بضوابط الشرع، فما كل مصلحة جازت عقلاً اعتبرت شرعاً. وقواعد مثل (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، و(ما لا يتم الباطل إلا به فهو باطل)، و(الوسائل لها حكم المقاصد).. ليست على إطلاقها. فالجلوس على مائدة الخمر لا يصح وسيلة لدعوة الخميرين.

وفـي ضوء ما قدمنا نفهم قول الفقيه الأصولي الحنبلي نجم الدين الطوفـي (ت: 716هـ) فـي شرحه لحديث (لا ضرر ولا ضرار): “ولا يقال إن الشرع أعلم بمصالحهم  -مصالح العباد -فلتؤخذ من أدلته، لأنا نقول: قد قررنا أن رعاية المصلحة من أدلة الشرع، وهي أقواها وأخصها، فلنقدمها في تحصيل المصالح، ثم إن هذا إنما يقال في العبادات، التي تُخفَى مصالحها عن مجاري العقول والعادات، أما مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم، فهي معلومة لهم بحكم العادة والعقل، فإذا رأينا دليل الشرع متقاعداً عن إفادتها، علمنا أنه أحالنا في تحصيلها على رعايتها”([1]).

اكتساب الملَكات

من الضروري التمرن على هذه العلوم والقواعد والمفاهيم حتى تتحول لدى السياسي إلى ملَكة([2]) خادمة للسياسة الشرعية، والتي لا يستغني عنها القائد الرباني لا سيما السياسي. مثل:

  • ملكة الاستقراء: وهو تقرير أمر كلي بتتبع جزئياته.
  • ملكة التقعيد: وهو تأسيس قضية كلية جامعة مانعة، حاكمة بصيغتها على كل ما يصدق عليه عنوانها؛ بناء على تتبع جزئيات موضوعها.
  • ملكة التكييف: وهو التصور الكامل للنازلة وتحريرها وبيان انتمائها إلى أصل معين معتبر. ويحتاج التكييف تصوراً تحصل معه صورة الشيء في العقل بناء على قاعدةالحكم على الشيء فرع عن تصوره”.

 

 [1]– التعيين في شرح الأربعين، ص237. وقد قيد الطوفي كلامه هذا بما يشبه ما قلناه، وذلك في كتابه (مختصر الروضة) و(شرحها).

[2]– الملَكة: صفة راسخة في النفس، أو استعداد عقلي خاص لتناول أعمال معينة بذكاء ومهارة). ولا تحصل إلا بالتعليم وطول المران.

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

6521740849391641416

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث