نظرات في السياسة - السياسة الشرعية
مقدمة..
كل مشروع حقيقي للإنقاذ يبدأ بفكرة، تنمو فتصبح منهجاً، يتطور عبر المجتمع لينبثق عن تكوين يواصل مساره حتى يصل إلى مرحلة يحتاج فيها إلى التعبير عن نفسه من خلال منظومة سياسية تسعى لتغيير الواقع بأدواتها ووسائلها المناسبة لأهدافها.
وهذه الفقرة أودعتها معاني ومعالم تجديدية في السياسة، تستفيد من الناتج المطروح، وتضيف إليه ناتجاً جديداً نابضاً بالحيوية؛ لأنه يجمع بين ثلاثة أشياء: البساطة التي هي قرينة العظمة، والجدة التي هي أس الإبداع، والواقعية التي هي روح التجديد.
ليس قصدي مما كتبت أن يكون بحثاً جامعاً في علم السياسة وتطبيقاته؛ فهذا لا تخلو منه المكتبة العربية ولا غيرها، وعادة ما يجنح للتنظير فيكون للتجريد أقرب منه للتطبيق.. بقدر ما هو قواعد وكلمات قامت على العلم، وأبرزتها الحاجة، وأنضجتها المعاناة، ومحصتها التجربة، وقومها الفكر. اخترتها بعناية لتكون معالم مفصلية في طريق السياسة الربانية، ضمنتها أموراً مهمة كثيرة قد لا تجدها في كتب السياسة المتخصصة، منها وضع معادلة علمية حيوية تحول بين السياسي والانزلاق في مفاسد السياسة، والعسكري والوقوع في قبضة طغيان القوة. وبهذا تخلصنا من أعظم آفتين من آفات السلطة:
- فساد السياسة
- وطغيان العسكرية.
إضافة إلى فك الارتباط بين الانتماء للمؤسسة والعصبية الحزبية التي عادة ما تنشأ نتيجة الشعور بهذا الانتماء. فكان هذا الكتاب جامعاً بين ثلاثة أشياء: وضع معالم البناء، وتشخيص عوامل الهدم، وبيان أسس العلاج.
معادلات سياسية
منطلقات
- السياسة قبل القيادة، فأن تقود يعني أن تسوس.
- السِّيَاسَةُ في اللغة: القيامُ على الشيء بما يُصْلِحُه.
- والسياسة في الاصطلاح هي: فن حكم الناس وقيادة الجمهور. وتقوم في أساسها على الرفق ورعاية المصالح. والشد مطلوب في موضعه.
- والسياسة أيضاً هي التعبير المرن عن المبدأ. فالثبات في العقائد والمبادئ، والمرونة في السياسات والمواقف.
- سياستنا شرعية: تراعي أحكام الشريعة فيما ورد فيه نص شرعي، وتراعي القيام على الناس بما يصلحهم ويحقق مصالحهم فيما لا نص فيه ضمن ضوابط الشريعة، أو بما لا يتعارض معها.
- العمل السياسي الرصين هو العمل الذي يمر عبر عمل مجتمعي منظم يلبي حاجات الجمهور، وهو ما نطلق عليه اسم (المشروع المدني)، ويحفظ نفسه ومكاسبه بقوة حامية ترد عنه عدوان الخصوم.
- المشروع المدني بمثابة الجسم القائم، والصدر الحاضن، والقلب النابض، والرأس المفكر. والسياسة والقوة بالنسبة إليه بمنزلة الجناحين. ولا جناح يخفق بلا جسم يقوم به وصدر يحضن وقلب ينبض ورأس يفكر ويوجه ويقود.
السياسة والقوة
- القوة أس السياسة: فسياسة بلا قوة مقامرة بأوراق مكشوفة.
- إذا كانت المصلحة أم السياسة، فالقوة أبوها.
- الأغبياء والضعفاء ينتهون في عالم السياسة إلى أحد مصيرين: الفقر أو العمالة. أو التوقف عن العمل السياسي.
- كن قوياً وقل وافعل ما شئت. وكن ضعيفاً وجامل ما شئت، فلن تكون إلا ضحية للأقوياء.
- حتى تريد لا بد أن تكون، وحتى تكون لا بد أن تتكون، فتظهر بكيان واضح للعيان.. مؤثر في الميدان. ثم ادخل عالم السياسة.
- القوة الشرعية قوتان ممتزجتان: قوة الإيمان وقوة الكيان. ولا تغني إحداهما عن الأُخرى. ولا يتأتى ذلك إلا بمنظومة قيادة يلتحم بها جمهور؛ فالفرد لا مكان له في سوق السياسة مهما أُوتي من قوة شخصية وإمكان وحجة وبيان.
- قوتنا اليوم في إبراز هويتنا، وإعداد منظومة قيادتنا، في مشروع واضح الفكرة الجامعة، محدد الهدف البعيد، يراعي مجموعة الأهداف المرحلية، ويهتم باستثمار الموارد المتاحة، ويتخذ الآليات المناسبة للوصول إلى الكيان القادر على أن يريد فيكون؛ لأنه كان فأراد.
- دخول عالم السياسة دون مشروع يجعل صاحبه ضحية لمشاريع الآخرين.
التوازن بين القوى الثلاث : المدنية والسياسية والعسكرية
يتكلم السياسيون عن الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية، ويُغفلون ذكر التوازن بين القوى الثلاث: المدنية والسياسية والعسكرية، وهذا لا يقل أهمية عن الأول إن لم يكن أهم منه. بل إن (الفصل) لا يُضبط إلا بـ(التوازن)، ودونه تستقل السلطة التنفيذية بالقرار ويكون التشريع والقضاء مجرد ذيل تابع لها.
يقوم هذا التوازن على مبدأ الفصل بين امتلاك القوة أو السلطة وممارستها وذلك بأن:
- تمارس السلطة ولا تملكها. كما يتاجر المرء بما لا يملكه.
- وتملك السلطة ولا تمارسها. كما يفوض المالك غيره يتاج بماله.
فيُمنع الجناح السياسي والعسكري (وهو من يمارس السلطة) من امتلاكها. ويُمنع الرأس المدني (وهو من يملك السلطة) من ممارستها.
يجب الفصل التام بين السلطتين: العسكرية والسياسية. فلا يتولى العسكري منصباً سياسياً، ولا السياسي منصباً عسكرياً. بهذا نمنع فساد السياسي وطغيانه، وطغيان العسكري وفساده. هذا هو الأساس، وللتحقيق تفصيله.
بهذا نبني دولة المؤسسات: دولة ولكن بمفاهيم أمة. دولة لا تكون السلطة فيها دُولة بين الأقوياء، كما لا يكون المال فيها دُولة بين الأغنياء.
تمدين الجيش
(تمدين الجيش) مصطلح غريب على السياسة. ما زالت أدبيات السياسة تتحدث عن (عسكرة المجتمع) وضررها على السياسة والاجتماع، غافلة عن ضرورة إبراز البديل أو الأساس المعالج له. كمن يهتم بتشخيص الداء ويهمل توصيف الدواء.
(تمدين الجيش) معناه: جعله جزءاً من التكوين المدني لمشروع الدولة، وليس كياناً خارجاً عنها متحكماً فيها. وذلك بأن تكون البداية بناء مشروع شمولي أساسه العمل المدني. حتى إذا تم الجسم المدني – بإذن الله – واستوى على سوقه، جاء دور انبثاق الجناح العسكري منه في وقته وموضعه كإحدى لبنات المشروع في هيكل البناء، وليس قبل ذلك، كما تقرر ذلك فـي (المنهج) كثابت من ثوابت العمل الرباني السديد. مع مراعاة قاعدة (التوازن).
بذلك يتمدن المجتمع كله: عسكريه ومدنيه. ويكون العسكر كأي مؤسسة مجتمعية، سوى أن وظيفتها خدمة المجتمع المدني بالحفاظ عليه من خارجه بالقوة في مواجهة ما يهدده، لا أن يكون هو المهدد له من هناك. وذلك بالتأسيس على قاعدتين:
- أن ينشأ الجناح العسكري بآلية (الانبثاق) عن الجسم المدني من داخله، لا بآلية (الإلصاق) به من خارجه.
- أن يتصرف بالقوة ولا يملكها.
عندها لن تكون مؤسسة الحكم في حالة خوف وترقب من المؤسسة العسكرية، ولن تتعرض الدولة للهزات والانقلابات الكارثية على يد العسكر، لا سيما مع قاعدة (التوازن بين القوى الثلاث: المدنية والسياسية والعسكرية)، التي تمنع من تحول القوة إلى دُولة بين الأقوياء، كما يمنع الاقتصاد الرباني من تحول المال إلى دولة بين الأغنياء.
السياسة والتاريخ والجغرافيا
- لا تاريخ في السياسة أكثر من بداية للتأسيس، وإنما تقوم السياسة على الجغرافيا أي الواقع؛ لذلك قيل (جيوبوليتيك) ولم يقولوا (هستوبوليتيك).
- الحالمون وحدهم يدخلون عالم السياسة وليس في أيديهم شيء سوى التاريخ: فعلنا، وكانوا وكنا. وهؤلاء دائماً يخرجون من الحلبة مفلسين، فيتعوضون عن الإفلاس في الجغرافيا تضخماً في مصرف التاريخ.
الجمهور
- السؤال عن قابلية الجمهور للانقياد، والعمل على صناعة هذه القيمة وتنميتها، لا يقل أهمية عن السؤال عن قدرة القائد على القيادة وصناعتها وتنميتها.
- لا يكون القائد قائداً في جمهور غير قابل للانقياد.
- المشروع المدني القائم على تدريب القادة، وتأهيل الجمهور، وربطه بالقيادة هو الطريق نحو قيادة جمهور واعٍ، يدرك قيمة الطاعة في المنشط والمكره.
- الجمهور يكثر بالنصر، ويقل وينفض بالهزيمة.
- الجمهور مزاجي سريع التقلب: فلا يخدعنك إقبال الجمهور، ما لم تكن أعددته من قبل، ثم كانت في يدك أعنة الترغيب، وأسنة الترهيب.
- الجمهور عاطفي تثيره الكلمة، وتشده الصورة، ويجذبه المشهد، ويدفعه الحماس. فالعواطف ضرورة من ضرورات قيادة الجمهور إلى دائرة العقل الرشيد، ومسار العمل السديد.
- الجمهور منخفض الوعي، ومستوى التفكير، لا يأبه للمنطق الخالي من العاطفة. لا يتغير بالحجة والدليل. إنما بالشعارات العامة المؤكدة المكررة.
- الجمهور ينظر إلى يدك ومكانك أكثرَ من كلامك.
- إدخال الجمهور في ميدان الصراع ضرورة من ضرورات النصر. ومن اقتصرت معركته على النخبة كانت عاقبته الخيبة.
قبل أن تسأل عن القائد .. اسأل عن الجمهور القابل للانقياد ؟
“أهل السنة في العراق اليوم.. غالبيتهم مع الفكر الذي تطرحه. لكنهم في حاجة إلى قائد ينزل إلى الميدان. وهو ينتظرك”. هذا ما قاله لي رجل قضى ربع قرن من عمره في أوربا.. هجر موطنه وتزوج من هناك، بعد أن شغل منصباً عسكرياً رفيعاً في وزارة الدفاع، يحمل شهادة دكتوراه في الاقتصاد. قبل سنين قليلة رجع إلى الشرق وحصل على وظيفة أستاذ في إحدى الجامعات. قومي الفكر، تديَّن مؤخراً وآمن بأن كل الطرق مسدودة غير طريق الله جلّ في علاه.
قلت له: لم يأن الوقت بعد.
قال: الوقت ليس في صالحنا.
قلت: الانتظار…… مع الإعداد، خير من الانتحار.
لم يردّ، بينما بدت علامات الحيرة تطل من عينيه اللتين ما زال فيهما وبيص يقاوم ظلمات عمقها ستة عقود. ابتسمت وواصلت حديثي، وكان فيه أخذ ورد، ولم يكن متصلاً ولا على وتيرة واحدة: أضرب لك مثالين:
فـي شتاء 2010 صليت الجمعة في جامع سيدنا عمرو بن العاص t في الفسطاط بمصر القديمة، حتى إذا انتهى الخطيب من خطبته صار يدعو ونحن معه فكان آخر ما قال: (اللهم هيئ لهذه الأمة صلاح الدين آخر يأخذ بيدها إلى النصر). ابتسمت في داخلي، وقلبت الدعاء لأقول: (اللهم هيئ لصلاح الدين أمة تُظهره وتظاهره، وتنصره ولا تخذله بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين).
لولا أن صلاح الدين وجد في محيط قابل للبعث من الرقاد ما وصل به الحبل إلى ما أراد. هذا معنى ما قاله لي صديق قبل أكثر من ثلاثين سنة، وما زال قوله عالقاً في ذهني! وتأمل القائد العظيم موسى u لِمَ لَمْ يتمكن من إقامة الكيان المنشود لبني يهود؟ والجواب ببساطة: لأن جمهوره لم يكن قابلاً للتكوين. ولم يكن يوشع عليه السلام خيراً، ولا طالوت أقوى وأعلم، ولا داود أخلق بالملك منه. لكنهم بنوا دولة، من حيث أن موسى لم يتمكن من ذلك. لقد كان يهيئ لهم لبناتها. ولولا لبنات موسى ما كان بناء داود. فأين الحلْقة المفقودة؟ إنه الجمهور القابل للانقياد.
جمهورنا اليوم غير مهيّأ، ولم يجد من يهيئه. فهو محبوس بين قضبان الانتظار، وإذا تطلع فإلى فضاء الانتحار!
وماذا ينتظر؟
ينتظر القائد السحري الذي يخلصه من الواقع المرير بقفزة عفريت أو لمسة ملَك، قبل أن يسأل الجمهور نفسه هل هو على استعداد لأن يقاد حتى من قبل ذلك الفارس الخرافي المهيب؟
إنه سؤال جوهري، بل إن السؤال عن الجمهور القابل للانقياد أهم من السؤال عن القائد المأمول للقيادة. وفي غياب السؤال الأهم يبقى الجمهور مغيباً عن التأثير، بعيداً عن الإعداد والاستعداد، فتضيع الجهود سدى.
لا يكتمل هذا السؤال الجوهري إلا بإدراك مفارقة جوهرية هي أن “القائد موجود رغم غيابه بين جمهور غائب رغم وجوده”!
هل تعلم أن القائد موجود بين الجمهور لكن الجمهور لا يراه؟
بل المشكلة ربما لأن القائد موجود بين الجمهور! وهذه هي الإشكالية الثانية. والسبب ببساطة أن الجمهور الذي توالت عليه العصور دون إعداد، يريد القائد كائناً أسطورياً: قوياً تصرع عضلاته الأسود، ملائكياً يشع من عينيه النور، ولياً ينشق عن آثاره العشب والزهور، قديراً يقول للشيء كن فيكون. فإذا كان القائد المؤهل يعيش بين ظهرانيهم، خبروه فوجدوه يخطئ ويصيب، يتعب ويقوى، يتلكأ ويُقدم: فإذا انبرى لممارسة القيادة نبذوه، وركلوه، بل ربما قتلوه قبل أن يتمكن من استثمار فرصته في تهيئتهم وبنائهم، قائلين: لقد خيب ظننا ولم يحقق مطلوبنا فارجموه.
ثقافتنا تصنع للقادة في ذهن الجماهير صورة زاهية أشبه بالأساطير. وحيث إن الأساطير لا توجد إلا في ثنايا السطور فلن تلد مخيلة الناس ذلك القائد الأسطورة الناشب في أحشائها، إنما يموت دوماً ويختنق أثناء الطلَق. أو تنفرج الظروف عن رجل من جنس الجمهور نفسه يسوق الناس بعصاه.
وبين القائد الأسطورة المفقود والقائد المتجبر الموجود يعيد التاريخ نفسه.
السياسة الشرعية
- الإسلام دين ودولة، لكن بمفاهيم أمة. ولا دولة بلا سياسة.
- مفهوم الدولة مفهوم سياسي عسكري، بينما مفهوم الأمة مفهوم ثقافـي إنساني، حضاري أخلاقي. بهذا تلتقي الأطراف الثلاثة للحضارة: الرسالة والسياسة والقوة.
- سياستنا لا تنفصل عن الأخلاق؛ لأنها شرعية مقيدة بحدود الدين وآدابه. وابتغاء المصلحة لا يبرر تحصيلها بأي سبيل.
- العلمانية لا ترى من السياسة سوى جانبها الدنيوي دون الأُخروي، والمصلحي دون الخُلقي. والواقعي/ البراغماتي. وهذه الأخيرة حسنة، لكنها ضائعة دون هذين الضابطين: الخلق والإيمان.
- مِن العلمانيين مَن عزلوا السياسة عن الدين تنزيهاً له وتعظيماً. إذ اشتبه الأمر عليهم بحيث لم يروا من السياسة إلا جانبها السيئ. وزاد الشبهة رسوخاً أمران: السلوك السياسي لعموم الإسلاميين، وجهل العلمانيين بمبادئ السياسة الشرعية.
- العلم العميق بشمولية الإسلام والإيمان الوثيق برب الأنام، من أصول السياسة الشرعية.
- السياسة الشرعية هي رعاية الدنيا وسياستها بالدين.
- أو هي “تدبير الشؤون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار بما لا يتعدَّى حدود الشريعة وأصولها الكلية، وإن لم يتفق وأقوال الأئمة المجتهدين”([1]).
- تنطلق السياسة الشرعية من الدين في أصولها، ولا تتعارض مع الشرع في تفاصيلها. فالسياسة من العاديات أو المعاملات التي قال علماء الأصول فيها: (الأصل في العاديات الجواز حتى يرد نص بالمنع. والأصل في العبادات المنع حتى يرد نص بالجواز).
- باختصار: السياسة الشرعية هي ما وافقت بنودها الشرع أصلاً، وإن لم ترد فيه نصاً.
- الأصل فـي السياسة قيامها على المصالح ما لم تتعارض مع الشرع.
الواقع
- لا سياسة بمعزل عن معرفة الواقع أو البيئة الداخلية والخارجية اعتماداً على المعلومات الصحيحة والبيانات والإحصاءات الدقيقة. فالسياسة الشرعية ليست فقهاً بالنصوص حصراً، وإنما معرفة بالواقع أيضاً، وكيفية التعاطي معه في ضوء الشرع اعتماداً على فقه المقاصد طبقاً للضوابط.
تجارب الشعوب
- الاستفادة من تجارب الشعوب في سياسة الناس بما لا يتناقض مع الشريعة أصل مقـرر لا حرج فيه، بل فعل مندوب يُحمد عليه، أو واجب يطالَب به. فبعض الدول -مثلاً -تسير على سياسة مزدوجة في شؤونها المدنية والعسكرية: فالجيش له ظهير شعبي يكمله، ويقوم بإسناده في حال ضعفه عن حماية الدولة، أو يتولى هذا الواجب في حال انهيار الجيش أو نكوله -لأي سبب -عن حمايتها ومنعها من السقوط. وفي حال الاحتلال يكون الشعب جاهزاً للمقاومة بدلاً من التشتت والبحث الارتجالي عن المال والسلاح والقيادات وحشد القوى: البشرية والمادية؛ فيكون الثمن مضاعفاً. هذا وأمثاله مما ينبغي الاستفادة منه. والأمثلة كثيرة. منها دراسة النظم السياسية للدول المتطورة في العالم.
استقرار الدولة وتماسكها
- استقرار الدولة والحفاظ على وحدتها من أهم مقاصد السياسة الشرعية التي ينبغي رعايتها. وهذا هو علة اختلاف آليات انتقال السلطة في تاريخ صدر الإسلام. فقد انتقلت السلطة إلى أبي بكر وعمر بآلية التعيين الفردي. وإلى عثمان بآلية اختيار واحد من مجموعة محددة. وإلى الحسن ويزيد بتعيين الخليفة لابنه. وإلى معاوية بتنازل الحسن. وإلى الوليد بن عبد الملك فمن بعده بآلية الوراثة. واستمر الأمر على ما هو عليه حتى نهاية الدولة العثمانية سنة 1924.
- اجتماع الناس على المفضول الأنسب أولى من التفرق على الصالح الأفضل. وهذا هو الواجب شرعاً، والمفروض عقلاً. وعليه مدار اختيار الحاكم المسلم.
- لا يجوز تولي الكافر حكم المسلم. ولا يجوز تولي الشيعي حكم السني سواء بسواء.
- لا يشترط فـي القائد أن يكون الأعبد والأورع، مادام عاملاً بالواجبات متجنباً فعل الموبقات. إنما يشترط فيه أن يكون الأكفأ في فن السياسة والقيادة، ولا تقبل منه الحدود الدنيا في هذا الفن.
- لو خيرنا بين رجلين: أحدهما أعبد الناس، لكنه ضعيف في فن السياسة، والآخر دونه فـي العبادة لكنه أكفأ سياسةً وأقدر على القيادة وجب علينا اختيار الثاني؛ لأن علاقته بالأمة تحددها الكفاءة السياسية والمَكِنة القيادية أكثر من الناحية العبادية. إن قوة القائد وضعفه للأمة أو عليها. أما عبادته فله وحده.
- يقبل فـي شرط العبادة بالنسبة للحاكم أدنى الواجب. أما شرط السياسة فلا يقبل فيه إلا أعلاه. فلا يقبل منه الحد الأدنى من الكفاءة فـي السياسة، كما يقبل منه الحد الأدنى من الواجب فـي العبادة.
واجبات الحاكم
- أعظم واجبات الحاكم، بعد صيانة الدين وتحكيم شرعة رب العالمين، أمران: تأمين أسباب الرزق وفرص الكسب للشعب. ثم تحقيق الأمـن والقيـام فـي الناس بالعـدل ، مع حماية كيـان الدولة بالفعل. أي رعاية الموجود وحماية الحدود: (أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (قريش:4).
- أما ما مطلوب من مؤسستنا في هذه المرحلة: فتوفير المنظومة الناجحة التي من خلالها يعبر السنة عن دينهم: إيماناً ونصرةً، أو عبادةً
وقضيةً. وتكون أساساً لبناء دولتنا السنية العراقية، صعداً في خدمة الأمة والمشاركة فـي إعادة كيانها. وهي مسؤولية يشترك فيها الجميع، بصرف النظر عن درجة العامل في سُلّم المسؤولية.
صناعة الأصدقاء وتفريق الأعداء
- الحب أساس الوحدة والجماعة، ولكن القوة تبنيها، ثم تكون سياجها الأمين.
- صناعة الأصدقاء، حتى من الأعداء، فن لا غنى للسياسي الناجح عنه. بعض السياسيين بارع في فن صناعة الأعداء، حتى من الأصدقاء!
- تفريق الأعداء عنك، لا تجميعهم عليك من أولويات السياسة؛ السياسي لا يدع أعداءه يجتمعون عليه.
السياسة الخارجية
- المصلحة أم السياسة، والقوة أبوها.
- الإنسانية، الأخوة، الدين، الجوار: كلمات لا وجود لها فـي قاموس السياسة.
- المصالح المتبادلة أساس السياسة مع الدول.
- الدول ليست جمعيات خيرية، بل هي مؤسسات ربحية بكل معنى الكلمة، لا تعطي ما لم تأخذ.
- ليس في عالم السياسة أن تأخذ بلا مقابل، حتى مع العدو. الساذَجون وحدهم من يقول: كيف تفعل هذا، وفيه مصلحة لعدوك؟
- السياسة الناجحة أن تجعل الآخرين يرون مصلحتهم في تحقيق مصلحتك.
- أنجح المشاريع هو ذلك المشروع الذي تجتمع عليه مصالح الدول. فإذا كان هذا في مصلحتك فبادر لاقتناصه ما لم يكن مانع شرعي.
- السياسي الناجح من عمل على استثمار التوازنات الدولية لتحقيق مصلحته الداخلية.
- نحتاج إلى تعريف صحيح للعميل من أجل أن نحسن قراءة الواقع. فمهام الحكم تجعل الحاكم في مواجهة العالم. وهذا يلجئه إلى المناورة واتباع (سياسة التوازن) بين متطلبات الشريعة ومطالب الشعب من جهة، وضغوط القوى العالمية من جهة أُخرى.
- “فقه المقاصد” القائم على معرفة “فقه الأولويات” و”فقه الموازنات”، يحقق للحاكم المسلم (سياسة التوازن) ضمن حدود الشرع.
[1]– السياسة الشرعية في الشؤون الدستورية والخارجية والمالية، عبد الوهاب خلاف، ص 20، دار القلم، الكويت، 1408هـ – 1988م.



إرسال تعليق