نظرات في السياسة - الحكم الراشد، التمكين، الحاضنة

الكاتب: الدليميتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

نظرات في السياسة - الحكم الراشد، التمكين، الحاضنة

الحكم الراشد في الإسلام

 يقودنا الاستقراء إلى أن عناصر الحكم وقواعده الأساسية فـي الإسلام خمس، تمثل أهم مكونات الحكم الراشد ومضامينه فـي الإسلام. وهي:

  1. تحكيم الشريعة.
  2. إقامة العدل بين الناس (الشعب)، وكماله الرحمة.
  3. تحقيق الأمن. وهو قسمان:

أ. داخليبالحفاظ على أرواح الناس وأموالهم، وعقاب من يهددهم في ذلك. ومن ذلك ما جاء في حد (الحرابة)، ومسؤولية الحاكم في تأمين الطرق وتنفيذ الحدود على المخالف.

ب. خارجي: لحماية الدولة ببناء (القوة)، وتنظيم العلاقات مع الدول: سلماً وحرباً.

  1. توفير فرص الكسب والعيش الكريم.
  2. الشورى. وهي الوسيلة الشرعية الموصلة إلى المقاصد السابقة.

وعلى هذا يدور كلام العلماء من السياسيين وغيرهم. يقول علي بْن أَبِي طَالِب t: (لا بد للناس من إمارة: برة كانت أو فاجرة. فقيل: يا أمير المؤمنين هذه البرة قد عرفناها فما بال الفاجرة؛ فقال: يقام بها الحدود، وتأمن بها السبل، ويجاهد بها العدو، ويقسم بها الفيء)([1]). فذكر أصول المقصود من الإمارة وهي: تطبيق الشريعة (إقامة الحدود)، ورعاية الناس في أمنهم ورزقهم (أمن السبل وتقسيم الفيء)، وهذا في الداخل. وحماية الدولة بدفع العدو، وتمامها بالجهاد لنشر الرسالة.

وقال أبو المعالي الجويني: (الإمامة رياسة تامة، وزعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة، في مهمات الدين والدنيا. مهمتها حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الخيف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين)([2]).

مع ملاحظة ما يلي:

  • مدار الحكم الصالح على العدل، لا على المساواة.
  • المساواة معتبرة متى ما حققت العدل، وإلا فهي هدر.
  • والحرية حق مكفول للناس. فالناس أحرار داخل حدود الشرع وضمن ضوابط الاجتماع. فلا حرية في مخالفة الشريعة. كما أن حرية الفرد أو المجموع تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين: فرداً أو مجموعاً.

عدم تحديد شكل للحكم في الإسلام

أما شكل الحكم، فلم يرد في الشرع تحديد له، وحصره في نوع معين من أنواع الحكم. فأي نظام تكتمل فيه هذه العناصر فهو حكم شرعي سواء كان خلافياً أم ملكياً أم جمهورياً أم غيره. فقد اختار الله تعالى لبني إسرائيل ملكاً كطالوت، ومدح ملكاً كذي القرنين. فالمدح والذم يتوجه لمضمون الحكم لا إلى شكله. وفي ذلك ورد القول عن سيدنا علي أنه قال يوم الجمل: إن رسول الله e لم يعهد إلينا عهداً نأخذ به في إمارة، ولكنه شيء رأيناه من قبل أنفسنا، ثم استخلف أبو بكررحمة الله على أبي بكرفأقام واستقام، ثم استخلف عمر -رحمة الله على عمر -فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه([3]).

مجمل القول: الإسلام يركز على المضمون ولا يهمه الشكل، وبهذا نزلت نصوص الوحي كما قال سبحانه في وصف الحاكم الراشد:

(وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:40،41).

الشورى في الإسلام

  • الشورى: مأخوذة لغة من (شَوْر) العسل: وهو استخراجه من خلاياه. فالشورى استخراج الرأي من مواضعه في رؤوس المستشارين، بالنقاش والتداول. فالمستشير يستخلص من المستشارين رأيهم، كما يستخلص النحال العسل من الخلية ويصفيه وينقيه مما يعلق به من شوائب كالشمع وغيره.
  • حقيقة الشورى: الرجوع إلى أهل الرأي والاختصاص في الأمور الدينية والدنيوية، سواء في ذلك المسائل الظنية الاجتهادية، والمسائل النصية القطعية من ناحية تنزيلها على مواردها في الواقع؛ للوصول إلى الأصلح والأنفع للأمة.
  • المستشارون: هم الخبراء من كل أصناف المجتمع تبعاً لاختصاصهم يستوي في ذلك جميع العلوم الضرورية من الدين والسياسة والعسكرية والقانون والاقتصاد والاجتماع والنفس والتاريخ وغيرها. وتحديد صنف الخبراء المستشار تبع للنازلة المستشار فيها.
  • أهل الحل والعقد: أصحاب الشوكة والعصبية والقوة من الرؤساء والقادة والعلماء وسائر وجوه الناس القادرين على حسن الاختيار وتحقيق الإرادة، وإمضاء الأمر على المخالف. والقوة شرط فيهم؛ فلا حل ولا عقد دون قوة تلزم الناس به. والفرق بينهم وبين المستشارين وجود الشوكة. والشوكة هي القوة النافذة: معنوية كانت أو مادية؛ فليس كل مستشار من (أهل الحل والعقد). ونرى أن أصل الشوكة ذاتي يتمتع به المستشار بحكم امتلاكه لعصبية أو شعبية أو منصب أو مال، أو ما شابه ذلك. لكن لا بد من تفويض وتعيين رسمي للأفراد الذين يمثلون (أهل الحل والعقد) منعاً للفوضى.
  • ونرى أن الشورى واجبة، على تفصيل تبعاً للأمر المستشار فيه.
  • الشورى لا تقتصر على اختيار الحاكم وحسب، وإنما تتجاوزه إلى إدارة شؤون الدولة بعد تولي السلطة.
  • ثمت جوهري بين الشورى واتخاذ القرار. الشورى هي كما أسلفنا. أما اتخاذ القرار فله آلية أُخرى. والأصل فيها أن من له الإمرة هو الذي يملك ذلك بعد إجراء الشورى واستطلاع الرأي. وله الحق في أن يكل جزءاً من صلاحيته لغيره فيشرك أهل الشورى في حسم الأمر طبقاً لأي آلية يراها، كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t في نقل السلطة إلى من بعده؛ إذ جعل الأمر لستة يختارون من بينهم من يرونه الأصلح. وعلى هذا الأساس نقول:
  • الشورىبعد إجرائهامُعلِمة لا ملزمة. ويضبط الأمر خوفاً من وقوع فوضى الاستبداد بوجود جهة عليا لها حق الرقابة على الحاكم، وعزله إذا وجدته يغلب عليه الاستبداد الضار أو لا يحسن الأخذ بالرأي الأصوب. وتوضع لذلك ضوابط تُضمّن في (النظام الداخلي/الدستور).
  • البيعة بيعتان:

لكن ليس كما دلس فيهما الإسلاميون المتأخرون. إنما حقيقة البيعتين كما يلي:

  1. بيعة الانعقاد: وهي حق الخليفة السابق لمن يختاره، فإذا استخلف أحداً انعقدت البيعة له شرعاً. وبقي تنفيذها متوقفاً على طاعة أهل الشوكة والعامة.
  2. بيعة الطاعة: وهي بيعة أهل الحل والعقد أو أهل الشوكة، وبيعة العامة.

والناظر في أدلة الشرع وتطبيقاتها يجد أن الشرع راعى في البيعة أمرين:

  1. انعقاد البيعة شرعاً. وهذا مرجعه إلى الحاكم السابق. إلا إذا افتلت قبل أن يعين خلفه لأي سبب من الأسباب. فيكون انعقاد البيعة هنا راجعاً إلى أهل الشأن، وهم من يطلق عليهم مصطلح (أهل الحل والعقد).
  2. انعقاد البيعة واقعاً. وهذا يتوقف على جهتين:

أ. بيعة أهل الحل والعقد.

ب. ثم بيعة عامة الناس.

فإن امتنعت إحدى الجهتين فهي آثمة بصرف النظر عن أثر هذا الامتناع في إمضاء العقد واقعاً من عدمه.

بهذا تكون البيعة الصحيحة شرعاً السليمة العواقب واقعاً ما تمت على ثلاث مراحل:

  1. اختيار الإمام بعد مشاورة أهل الشأن. وبه تنعقد البيعة الشرعية لمن عقدت له.
  2. بيعة أهل الحل والعقد لمن اختاره الخليفة. وبها تتم الخطوة الأولى والأكبر لتنفيذ البيعة وجعلها واقعاً ملموساً؛ لأنهم يملكون الشوكة، ويتبعهم جمهور العامة. وبهذا تضمن الخطوة الثانية والأخيرة، أو المرحلة الثالثة. فإذا بايع أهل الشأن حصل الاطمئنان بموافقة العامة، وصارت فرصة المخالفة ضعيفة الوقوع أو ضعيفة الأثر.
  3. وتبقى المرحلة الثالثة، وهي أشبه بتحصيل الحاصل. فإنه يندر أو ينعدم أن يبايع أهل الشأن ويخالفهم جمهورهم. ولو افترضنا حصل امتناع من العامة وتمرد على الخليفة الجديد، فإن بيعته لا تتم واقعاً إن لم تكن عند الخليفة قوة قاهرة. وإن غلبته العامة كانت آثمة لعصيانها أمر الخليفة السابق.

وهذا مجرد افتراض قد لا يكون وقع وربما لن يقع، كتبته لتجلية حق الاستخلاف، ودور كل من النخبة والعامة فيه.

  • تختلف الشورى عن الانتخاب من حيث إن الشورى طريقة لاستخراج الحكم وتعيين الحاكم، أما الانتخاب فوسيلة لتعيين الحاكم لا استخراج الحكم. الشورى استخراج الرأي واستبيانه بالتداول بين أهل الشأن. والانتخاب هو اختيار واحد من بين عدة مرشحين بالتشاور بين أهل الشأن. وهي مسألة زائدة عن الشورى، وإن كانت داخلة فيها. فكل انتخاب شورى، وما كل شورى انتخاب، ولا هو لازم لها.
  • الانتخاب هو أحد طرق تولية الحاكم، وليس الطريقة الوحيدة. فقد يتم اختياره بغير الانتخاب أي بتعيين واحد يتم التشاور بشأنه كما فعل أبو بكر يوم عيّن عمر، ولم يلزم -ولا يلزم -منه انتفاء الشورى. فلا تلازم بين عدم الانتخاب وعدم الشورى.
  • الانتخاب الشرعيإذا جرى العمل به لتعيين الحاكملا يرجع به إلى جمهور الناس، وإنما هو حق النخبة؛ لأنهم الجهة العليمة بأمر الساسة ومن يصلح للسياسة. والسياسة بمختلف شؤونها أمر تخصصي ضيق المسالك لا يحسنه الجمهور، وليس من شأنه. وما فعله الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف t للترجيح بين عثمان وعلي رضي الله عنهما اجتهاد منه. وميل عامة الناس إلى عثمان أكثر من علي لم يكن منهم لسبب موضوعي علمي يتعلق بالسياسة، وإنما لسبب ذاتي عاطفي يتعلق بحب الناس للحاكم اللين الجانب أكثر من الشديد، لا سيما إذا كان غنياً كريماً. وكان علي شديداً كعمر، ولم يكن غنياً. فمال الناس عنه إلى عثمان للينه وسماحته مقارنة بعلي. وفي كلٍّ خير. وإنما أردنا الغوص في هذه المسألة لفهمها على حقيقتها، وبيان كون الجمهور هو الجمهور في عاطفيته ومزاجيته ومحدودية إدراكه ونطاق اختياره في كل زمان ومكان. لا الوقوف عند ظاهرها كما هي عادة المحتجين بها. وفي رأيي أن الأمة آنذاك كانت أحوج إلى شدة علي منها إلى لين عثمان، وفي عهد علي كانت أحوج إلى العكس، والله أعلم.
  • لا بأس باللجوء إلى الانتخاب فـي حالات معينة. مثل أمر النبي e الأنصار في (بيعة العقبة الكبرى) أن يخرجوا من بينهم اثني عشر نقيباً. على أنه انتخاب محدود بمجموعة معينة لا مفتوح على الجمهور. وقد روي أنه لما ولى ابن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشي خراسان قَالَ له: عليك بعمال العذر. قَالَ: وما عمال العذر؟ قَالَ: من شاورت فيه العامة فأشاروا عليك به؛ فإنهم إن أحسنوا كان حسنهم لك، وإن أساءوا اتسع العذر بينك وبينهم وبين الناس. لكن في الخبر علتين: الانقطاع. وكونه فـي الشورى لا فـي الانتخاب.
  • لا نجد مانعاً شرعياً من تحديد فترة معينة لولاية الحاكم. مع مراعاة حاجة الشرقيين الماسة إلى رمز معنوي ذي شخصية أبوية آسرة. وفي الموازنة بين وجود رمز دائم محدد الصلاحيات منضبط بدستور، ووجود مجلس تشريعي وحكومة تنفيذية متغيرين حل وسط لهذه الإشكالية.
  • الشورى شيء والديمقراطية شيء آخر: تأصيلاً وتفصيلاً. وفي الشورى غنية. ولا بأس في الاستفادة مما توصل إليه العقل البشري ضمن ضوابط الشرع، بل ذلك مندوب مطلوب.
  • نرى أن الديمقراطية نظام سيئ، وإن تضمن بعض المحاسن التي لا مانع من الأخذ بها؛ وذلك لمخالفته للشريعة، ولأنه خدعة وضعت للاستحواذ على السلطة من قبل الأغنياء والأقوياء، قائمة على الدعاية والإعلام إيهاماً للجمهور بأنه يختار الحاكم برأيه وإرادته. والحقيقة أن الشعب مُسير في ذلك بالإيحاء والإغراء لا مخير. هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن السياسة، ومنها معرفة من يصلح للحكم ممن لا يصلح، فن معقد لا يحسنه سوى النخبة، والجمهور عاجز بطبعه عن إدراكه وإتقانه.

 

 

[1]– السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ص51، ابن تيمية. وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشادالمملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1418هـ .

[2]– غياث الأمم في التياث الظلم، ص22. عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (ت 478هـ)، تحقيق عبد العظيم الديب، مكتبة إمام الحرمين، الطبعة الثانية، 1401هـ .

[3]– رواه أحمد، وفيه رجل لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح. انظر الرابط التالي:

http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?idfrom=8954&idto=8998&bk_no=87&ID=1863




التمكين .. بين مفاهيم الدولة ومفاهيم الأمة

«الإسلام دين ودولة .. لكن بمفاهيم أمة»

مفهوم الدولة مفهوم سياسي عسكري، بينما مفهوم الأمة مفهوم ثقافـي إنساني.

أرض وشعب وحكومة.. هذه هي مكونات الدولة، والحكومة سياسة وقوة. أما مكونات الأمة فكل ما يقوم عليه بناء الدولة من معان ومفاهيم إنسانية تشكل ثقافة الشعب وأخلاقه وسلوكه داخل الدولة. ولا تماسك ولا استقرار ولا نماء ولا استمرار لدولة لا تقوم على مفاهيم أمة.

والإسلام دين ودولة، لكن بمفاهيم أمة.

لقد كانت مفاهيم الأمة حاضرة في دين الإسلام منذ لحظة نزوله، وذلك قبل قيام الدولة أو نزول مفاهيمها. ففي سورة (العلق) كان العلم والنظر في آفاق الكون ودلائله، والنفس وما فيها من علل، والمجتمع وما فيه من طواغيت. كل ذلك موشحاً بالإيمان باليوم الآخر، ومختوماً بالسجود والقربى. وفي سورة (القلم) دخل الخُلُــق بشقيه الإيجابي والسلبي ميدان التأسيس. وفيها النظر في تاريخ الماضين؛ ليأخذ المتلقي: نبياً وأصحاباً درساً في الثبات؛ فعاقبة الخروج عن السبيل، ولو قليلاً، مخيفة. ولم ينزل الأمر بدعوة الخَـلق وإنذارهم في سورة (المدثر) قبل استكمال عدة العلم والخُلُــق والعبادة، ولم يكتب إلا محفوفاً بجملة من الشروط والمؤهلات ابتدأت بتعظيم الرب وانتهت بالأمر بالصبر؛ فمن كان عاجزاً عن دعوة نفسه وتربيتها فهو عن غيره في ذلك أعجز.

وتواتر التنزيل المكي يربي في نفوس الصحابة مفاهيم بناء الأمة وتهيئة المجتمع. تأمل سورة (الإسراء) وما فيها من مفاهيم بانية للمجتمع. منها تأسيس الدعوة على العلم بالحقائق لا على المعجزات والخوارق. وهو مفهوم يكاد يغيب عن ذهن المسلم اليوم. وتتابعت المفاهيم فكان منها أسباب هلاك الأمم، والتوحيد، وذم الشرك، وبر الوالدين، وصلة الأقارب، والإحسان إلى المحتاج موصولاً بذم الإسراف والتبذير علاجاً لطغيان حالة الكرم عند العربي عن حدها. وكان منها النهي عن قتل النفس والزنا وأكل مال اليتيم. وتطرقت إلى السوق لتعالج الجشع: إجرائياً فأمرت بإيفاء الكيل والميزان، وإيمانياً فذكرت أن هذا خير وأبرك عاقبة. وعالجت العقل فأرشدت إلى تفعيل مداخل علمه: السمع والبصر والفؤاد. كما عالجت النفس فنهت عن الخيلاء والكبرياء. وفي ذلك ما فيه من التواضع للخَـلق وترك التعالي عليهم، فتتقارب النفوس وينبعث الحب وتزيد الروابط بين المجتمع. ودون ذلك لا يمكن إقامة دولة قوية متماسكة.

وتربية المسلم على أنه صاحب رسالة عالمية: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) (ص:88،87).  والتواصل الروحي مع الأنبياء والرسالات والأمم المسلمة السابقة.. جزء من مفاهيم الأمة: (… وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ * إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:47-92). وفـي سورة (المؤمنون) نسق مشابه. وهكذا؛ فكانت الفترة المكية محضناً لتربية المسلمين على مفاهيم الأمة.

قيام الدولة الربانية على مفاهيم الأمة

ثم تأسست الدولة في المدينة وقام بناؤها، وتنزلت مفاهيمها من العدل والشورى وإعداد القوة وبسط الأمن الداخلي والخارجي وتنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وتوفير الخبز وفرص العمل وتشغيل الأيدي العاطلة وغيرها. ولكن كانت مفاهيم الأمة هي الأساس الذي قام عليه بناء الدولة. وفي سورة (البقرة) بيان تفصيلي للترابط الوثيق بين تلك المفاهيم بشطريها. ومن أمثلتها تأسيس الجهاد  -الذي هو، في أصله، مفهوم دَوْلتي -على الرسالة: ملخصةً بـ(الهدى) تأصيلاً وتفريعاً، وعلى الترابط الاجتماعي مشاراً إليه بالزواج من الأيامى وكفالة اليتامى، وما تبع ذلك من بيان للعلاقة الأسرية الناجحة. عدا الأمر بالزكاة والصدقة والدَّين والإنفاق في وجوه الخير. وغير ذلك من أسس الترابط الاجتماعي. مع النهي الشديد عن كل ما يؤدي إلى التفكك المجتمعي ومنه الربا.

وبقيت هذه المفاهيم الأممية تتنزل حتى آخر سورة وهي (النصر) مع أن موضوعها وهو النصر على الأعداء يتعلق بالدولة. لكن الله تعالى أراد من عبده المنتصر أن ينظر إليه نظرة ثانية. فالنصر الذي تحقق هو (نصر الله) لا نصره؛ لهذا عليه أن يسبح الله تعظيماً له على إنجاز ما وعد. فالله هو الذي يُعظم في هذه الحال، فيلهج بذكره. وأما الفاتح المنتصر فليس لهوهو في أوْج النصرإلا الاستغفار والتوبة مما اعترى فعله من نقص وتقصير، ولا غير. وغياب هذا المعنى هو الذي يفسح المجال لدى الفاتحين لبروز الغرور وظهور معالم الطغيان التي تبلغ مداها في استباحة البلاد المفتوحة وظلم أهلها.

عندما تطغى مفاهيم الدولة على مفاهيم الأمة

إقامة الدولة أمر ممكن متى ما ابتغيت إليه أسبابه. لكنهاإذا كانت خاوية من مفاهيم الأمةإما تزول سريعاً أو تكون قائمة على الاستبداد؛ لأن هذه المفاهيم هي التي تصنع الدِّعامة الساندة والحاضنة الصالحة، وبفقدانها ستختل العلاقة بين الحاكم والشعب فيجد نفسه مجبراً ومدفوعاً إلى استعمال القوة للحفاظ على كيان الدولة، وسيجد مئة عذر وعذر يسوغ له حكم الناس بالقوة. وهذا هو الاستبداد، وفاعله المستبد. وليس شرطاً أن يكون المستبد شاعراً بأنه مستبد. بل قد يكون منسجماً مع نفسه وإرادته وفعله مهما كان؛ أليس ما يفعل لأجل دولة الإسلام؟ وفي نهاية المطاف ينفصل الشعار عن الواقع، فتكون الدولة إسلامية وحقيقتها استبدادية؛ فالأمر ليس بالتمني ولا بالتحلي. ولكل شيء لغته ومفتاحه.

حين لا تقوم الدولة على مفاهيم الأمة يكون الجيش حامياً للدولة لا حامياً للشعب، وتتحول الدولة إلى كيان عسكري مخابراتي ليس لأجهزته الأمنية مهمة تتعدى التجسس على الناس ومتابعتهم ومطاردتهم حفاظاً على سلامة الحاكم وأعوانه، وعلى هيكل الدولة ومؤسساتها؛ لأن العلاقة بين الدولة والأمة أو بين الحاكم والشعب استحالت إلى كراهية وشك وتوجس وخوف. على العكس مما لو قامت الدولة على مفاهيم الأمة فإن الجيش يكون حامياً للشعب، والحاكم جزء من هذا الشعب فحمايته تحصيل حاصل؛ وعندذاك يستميت الشعب في الحفاظ على هذه الدولة.. على هذه الأمة.

الاستثناء وارد .. ولكن إلى حين

هذا هو التسلسل الطبيعي لقيام دولة الإسلام. يكون بناء الأمة فيه مقدماً على قيام الدولة رتبة وتوقيتاً. لكن هذا لا يعني عدم التعامل مع المتغيرات بحسبها؛ فقد نلجأ إلى حمل السلاح لحماية الذات قبل نضوج الفكر بما فيه من مفاهيم. والانتظار حتى اكتمال البناء طبقاً لهذا التسلسل قد يسبقه المحو فالزوال. لهذا نحن مع أي جهد لإنقاذ أهل السنة وحمايتهم من طاغوت الشيعة: سياسياً كان الجهد أو عسكرياً، وإن كنا لا نتفق معه تمام الاتفاق. ومن هذا الباب دعونا وندعو لتكوين الإقليم السني. ومن الباب نفسه نفرح لانتصارات أسود السنة دون تفريق على الشيعة وأعوانهم دون فرق، وندعو لهم بالنصر والصلاح. ولكن نحن نعلم يقيناً أن إقامة دولة بعد التمكن العسكري مع إهمال أو ضعف توفر مفاهيم البناء المدني الأممي سيؤدي بهذه الدولة إلى النهاية المذكورة آنفاً مهما كانت نواياها صالحة، أو ظنت نفسها كذلك. وإن أسمت نفسها دولة أو خلافة إسلامية؛ فالعبرة بالحقائق والمعاني لا الأسامي والمباني. وهذا هو الذي يدعونا للتحذير والنصيحة والبيان.

المشروع المدني

تجنب المطب الكبير الذي سقطت فيه الأمة منذ زوال الخلافة الإسلامية، يحتاج ضرورة إلى البناء على مشروع نهضة ربانية بانية يبدأ من الأسس، وتعلو سافاته من هناك يتلو بعضها بعضاً دون قفز أو فجوة بسبب ردات الفعل الطارئة، وإنْ تعامَل مع الطوارئ بحسبها. وهو ما أسميناه بـ(المشروع المدني) الذي نتبناه وندعو إليه بقوة؛ ففي هذا المشروع يتم الإعداد لجيل واعد عظيم، يعرف كيف يقيم دولة ولكن بمفاهيم أمة.





الحاضنة الاجتماعية من مفاهيم الأمة في إقامة الدولة

الإسلام دولة، لكن بمفاهيم أمة.. مفاهيم تقوم على مبادئ إنسانية وثقافة مدنية ومنطلقات حضارية أخلاقية. تؤسس لدولة على قواعد ثابتة تتجاوز المحلية إلى العالمية؛ ولولا هذه المفاهيم الراقية الراسخة ما تهيأ للإسلام أن يقيم دولة عالمية امتدت عميقاً في الزمان والمكان، وهي اليوم تتهيأ لأداء الدور نفسه، وتدوير عجلة التاريخ  بيد الإسلام العظيم مرة أُخرى (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21).

من المفاهيم الأممية للإسلام، ذات البعد الاجتماعي والسياسي مفهومالحاضنة الاجتماعية أو الشعبية”. وهي ببساطة المجتمع الذي تعيش وتتحرك فيه.

إن تكوينحاضنة اجتماعيةيتطلب إقامة نوع من الروابط العامة مع المجتمع المحيط أساسها الحب والتسامح والرحمة والعدل والإنصاف. ولأن المجتمع الإسلامي يقوم على التنوع الديني والقومي والمذهبي فتكوينالحاضنةبطبيعة الحال لا يشترط له الاتفاق في كل شيء، وإنما يكفي فيه نوع من التوافق على الأهداف العامة للفرقاء، يعود على الجميع بالفائدة بصورة متوازنة تقتضي شيئاً من التنازل الخاص حفظاً للوجود العام ضمن حدود الإسلام. وهنا ينقسم الناس طرفين ووسطاً: طرفاً ينفلت من كل قيد شرعي أو عرفي مراعاة للحاضنة. وطرفاً يهمل رعاية الحاضنة حفاظاً للقيد الشرعي أو العرفي. ووسطاً بين هذا وهذا. فإذا كان ضمن ضوابط الشرع في تحقيق التوازن كان هو الحق الذي يؤسس لدولة على قواعد ثابتة تتجاوز المحلية إلى العالمية. ودون ذلك فباطل محض، أو باطل مغلف بحق.

يشهد لذلك القرآن الكريم في آيات كثيرة، كقوله سبحانه: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة:9،8).

أما النبي e فكان يحرص على كسبالحاضنة الاجتماعيةوتكوينها وإدامتها. ومن أهم وسائل كسبالحاضنةاستمالة شيوخها ورؤسائها وقادتها، وإن كانوا جفاة ذوي أخلاق صعبة وسلوك اجتماعي خشن، أو يحملون في أنفسهم ضغينة للمسلمين ويترصدون الفرص السانحة لأذاهم. وفي موقف النبي e من عيينة بن حصن الفزاري وعبد الله بن أُبَي بن سلول شواهد راقية لذلك:

  • كان عيينة بن حصن الفزاري شيخ قبيلة فزارة. قال أبو عمر بن عبد البر في (الاستيعاب): “كان عيينة يُعدُّ في الجاهلية من الجرّارين، يقود عشرة آلاف”. وكان أحمق ذا مشاكل ومشاكسات أتعبت النبي e. ولقب لحمقه ورئاسته لقبيلته بـ(الأحمق المطاع)! لكن النبي e كان يتألفه، ويغض الطرف عنه، ومن ذلك أنه أعطاه يوم حنين مئة من الإبل. روى البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رجلاً استأذن على النبي e فلما رآه قال: (بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة)، فلما جلس تطلق النبي e في وجهه وانبسط إليه. فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه؟ فقال رسول الله e: (يا عائشة متى عهدتني فحاشاً؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره). قال ابن بطال: هو عيينة بن حصن الفزاري، وكان يقال له: الأحمق المطاع، وقد رجا النبيُّ e بإقباله عليه تألُّفَه ليُسْلِم قومُه؛ لأنّه كان رئيسهم. وكذا قال عياض والقرطبي والنووي جازمين بذلك.
  • وكان شراً منه رأس النفاق عبد الله بن أُبَي بن سلول. وما فعله من أذى في حق النبي e والمسلمين معروف مشهور. من ذلك استغلاله لخلاف وقع بين أنصاري وآخر مهاجري انتصر بعض الحاضرين من الصحابة لهذا وآخرون لهذا، وكانوا راجعين من غزوة (بني المصطلق) فقال: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) معرضاً بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم! فاستأذنه عمر رضي الله عنه في قتله، فقال له صلى الله عليه وسلم: (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه). والقصة في صحيح البخاري.

وأشد ما فعله من ذلك اتهام بالنبي صلى الله عليه وسلم في زوجته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. والحادثة مشهورة ومعروفة بـ(حديث الإفك) كما سماها القرآن في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور:11). تقول عائشة: (وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول) رواه مسلم. وجاء في سياق الرواية عن عائشة: (فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: “يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً. ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي”. فقام  سعد بن معاذ  الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله؛ إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام سعد بن عبادة  وهو سيد الخزرج  وكان رجلاً صالحاً ولكن اجتهلته الحمية فقال لسعد بن معاذكذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام  أسيد بن حضير، وهو ابن عم  سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا).

وفي سنن أبي داود عن عائشة قالت: (لما نزل عذري قام النبي صلى الله عليه وسلمفذكر ذلك وتلا القرآن. فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضُربوا حدهم، وسماهم: حسان ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش). ولم يجلد ابن سلول مع أنه كبير الساعين في الإفك. وقد اختلف العلماء في وجه تركه صلى الله عليه وسلم لجلده. فقيل: لتوفير العذاب العظيم له في الآخرة. وقيل: لعدم توفر البينة فإنه كان يرمز ولا يصرح. وكل ذلك تأويل بعيد، مجانب لرواية أمنا عائشة رضي الله عنها، وفي آية (النور) ما يشير إلى كون (الذي تولى كبره) معروفاً مشخصاً. لهذا نرجح القول الآخر مما قاله العلماء وهو ترك حده تألفاً لقومه ومداراة ابنه؛ فإنه كان من صالحي المؤمنين وإطفاء لنائرة الفتنة، فقد ظهرت مباديها من سعد بن عبادة ومن معه. والأصول كلها تشهد لذلك.

ومن أشهر ما جاء في مداراة (الحاضنة الاجتماعية) إكرامه صلى الله عليه وسلم لأبي سفيان، وهو الذي كان يتولى كبر محاربة النبي e وقيادة الجيوش لذلك، حتى قال في حقه، والحديث في (صحيح مسلم): (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)؛ فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته!

وهذا كله يدل على أن الدولة -لاسيما في أول تأسيسها -لا تقوم على القوة فحسب، ولا الإكراه، ولا ملاحقة الناس واتهامهم تتبعاً للشبهات والعورات، وإثارة أجواء الشك والشك المتبادل، فضلاً عن المسارعة في القتل ما لم تدع إلى ذلك ضرورة ببينة واضحة معتبرة. بل على العفو والصفح وإكرام وجوه القوم وتقريبهم، وإشاعة أجواء الثقة والطمأنينة، والإيحاء بأن العهد الجديد يبشر بالخير والسلام في دين الناس ودنياهم. فإن هذا هو الذي يؤسس لدولة على قواعد ثابتة تتجاوز المحلية إلى العالمية. ودون ذلك الاستبداد والاضطهاد المؤدي إلى زوال الدولة عاجلاً أم آجلاً كما دلت السنن: كونيها وشرعيها، وجاءت بذلك الأخبار عن الأولين والآخرين.

المشروع المدني أساس الحاضنة الاجتماعية

إن الذي عليه العمل منذ أكثر من مئة عام، هو القفز إلى القتال أو السياسة دون إعداد الحاضنة الاجتماعية، أيالمجتمع الذي نعيش ونتحرك فيه، سوى تجارب محدودة هنا وهناك.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف نُعِـد هذا المجتمع الذي نعيش فيه؟ أو كيف نهيئالحاضنة الاجتماعية؟ والجواب المباشر بلا تأخير: (المشروع المدني) هو الذي يحقق هذا الإنجاز العظيم، الذي هو المستند الوحيد لقيامدولة بمفاهيم أمة”. ففـي (المشروع المدني) فقط يتم تهيئة الإنسان من الناحيتين: ناحية الفكر وناحية العمل.

الفكر المرن القادر على التجدد ومواجهة تحديات الحياة بالثوابت والمتغيرات، وتصحيح المفاهيم، والتخلص من الفكر العقيم، أو القديم الذي ما عاد صالحاً أو أمسى ضرراً معوقاً. ثم تحويل الفكر المنضبط بالخلق الشرعي وقواعد السلوك الإنساني إلى برامج عمل ذات هدف منشود وخطة مناسبة تأخذ في اعتبارها القدرات والمعوقات والظرف المحيط: داخلياً وخارجياً.

هذا مع المراجعة والتغيير كحق والتطوير كواجب، ثم ترك النهايات مفتوحة لذلك.

بهذا يتم تحويل الشخص العادي إلى إحدى مراتب التأثير الإيجابي الثلاث: قائد أو مدير أو منفذ لبرنامج تجمع بين الواقعية والطموح. وفيه يتحول  الشخص من فرد الى منظومة قيادية. علماً أن كل مرتبة من هذه المراتب عبارة عن فكر وجهد ومال وعناء وزمن، وليست مجرد أسماء وعناوين. فحين نقولقائدفهذا يعني عملية استحالة معقدة مجهدة.

 

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

6521740849391641416

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث