المرأة في مشروعنا - بيت الزوجية، التكامل، التفاضل

الكاتب: الدليميتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق


المرأة في مشروعنا - بيت الزوجية، التكامل، التفاضل


 بيت الزوجية

ما زلنا في أجواء قانون (الزوجية الكوني) فإن الحديث عن ذلك السكن، الذي لا يكتمل معناه ولا تتجلى حقيقته إلا بوجود زوجين.. يفرض نفسه عند هذه المحطة الجميلة من محطات الرحلة الأبدية مع المرأة، وفي بالي ثلاث معان عن السكن هي: الأمومة وإدارة البيت، والجمال، ومخدع الزوجية. سأتناولها باختصار يتناسب ومنهج الكتاب.

الأمومة وإدارة البيت

من أساسيات استقرار بيت الزوجية ووجود السكن العائلي تكوين الأسرة التي تكتمل بإنجاب الأولاد وتربيتهم. والجهد المبذول في سبيل ذلك يقع معظمه – ولا شك – على عاتق المرأة.

إنه جهد شاق حقاً، لكنه يحقق – في الوقت نفسه – إنسانية المرأة، ويمنحها الاستقرار النفسي. إن من أسعد لحظات العمر تلك اللحظة التي تحتضن فيها المرأة طفلها وترده بيديها، بل بكيانها كله، إلى صدرها، وتتحسس جسمه وتشم رائحته. والطفل يبادل أمه شعوراً بشعور، وأماناً بأمان، ورضى برضى. وفي ذلك أعظم الآثار الإيجابية في تنشئة الطفل نفسياً وجسدياً. ولا يدرك عمق كلامي إلا امرأة عاشت حالة الأمومة!

وإذا نظرنا إلى بيت الزوجية من خلال قانون (التكامل الكوني) نرى في مقابل قيام الرجل بوظيفة توفير الرزق والحماية للأسرة، تقوم الزوجة بوظيفة الأمومة وإدارة البيت. وهي وظيفة – بما فيها من جهد كبير تبذله الأم في تربية طفلها وتنميته في جسمه ونفسه وفكره – من أعظم الوظائف الإنسانية. فليس في انصرافها لتأديتها على أكمل وجه ضير أو إزراء تقل به عن الرجل، أو يتميز به الرجل عنها، كما قد تتوهمه المجتمعات التي انحرفت عن سواء الفطرة البشرية.

الأمومة وظيفة تمنح المرأة رفعة، وترفعها درجة. وكيف لا؟ وهي تقوم على وظيفة سامية لولاها تعرض الولد للضياع، والبيت للاضطراب، والزوج للتشتت، ولن يعوض عن الأم وحنوها وحنانها ودورها الأصيل في البيت دار حضانة ولا خادمة، ولا الدنيا جميعا.

الشيء نفسه يقال عن إدارة البيت بكل فقراتها. وهو تقسيم عمل بين المرأة والرجل (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)، يضع المرأة حيث هي في موضعها اللائق بها طبقاً لقانون (التفاضل الاجتماعي، والتكامل الكوني)، وقاعدة (المقصود الأبعد)، التي سأتناولها لاحقاً بإذن الله تعالى.

وماذا لو أرادت المرأة العمل خارج البيت؛ لدافع ما، أو حاجة ذاتية أو مجتمعية؟ والجواب: لا شيء في ذلك ولا حرج. إنما نحن نشير إلى المَهمة الأَولى والأليق بكل من الجنسين، ونبين رأينا الذي نرجحه في ذلك. لكن في نهاية المطاف يبقى الأمر متروكاً تقديره للمرأة، فهي التي تقرر ما يتوافق ودوافعها وحاجاتها وظروفها. هذا مع بقاء مشكلة ابتعاد الأم عن طفلها أثناء ساعات الدوام. وذلك يستدعي حلولاً للتخفيف من آثارها. نذكر هنا ما نراه مناسباً لذلك بما يتوافق ومنهج الكتاب:

– إلحاق قسم حضانة مناسب بكل دائرة؛ ليكون الطفل قريباً من أمه أثناء ساعات الدوام. وذلك إلى أن يبلغ الطفل في عمره مرحلة الروضة.

– حبذا أن يكون قسم الحضانة متطوراً عالي الأداء، فيه مشـرفات ذوات خبرة وأمانة يتابعن مدى قيام العاملات المباشرات بوظيفتهن على أتم وجه.

– قد تكون للموظفة أم، أو أم زوج، لا مانع لديها من حضانة الطفل أثناء غياب أمه، على أن يتم تعويضها بشغالة لكي تنصرف الجدة للطفل واحتياجاته.

– التمتع بإجازة (الأمومة والطفولة)، كما تسمى في العراق، أو (رعاية مولود)، كما تسمى في السعودية، يمثل حلاً مناسباً وإن كان الراتب منخفضاً طول فترة الإجازة التي أقصاها سنتان.

– أو تترك الموظفة العمل إن كانت مقتدرة مادياً.

لست غافلاً عن مشاكل أُخرى تواجه المرأة الموظفة أو العاملة، ليس آخرها وقوع كثير من النساء تحت عنت اجتماع العبئين على كاهلها: عبء العمل  خارج البيت، وعبء العمل داخله. ولكن منهج الكتاب يستلزم البعد عن الاستيعاب والتفصيل في طرح المشاكل واقتراح الحلول لها؛ فليس هذا من شأنه، إنما شأنه أن يهيئ المرأة ويمكنها لتجد الحلول بنفسها.

على أنني شخصياً أميل بقوة إلى أن تخطط المرأة وتعمل لتستقل اقتصادياً عن الرجل، ولا تربط مصيرها من هذه الناحية بغيرها، سواء كان هذا الغير زوجاً أم أخاً أم ولداً أم غيره؛ فإن الاستقلال الاقتصادي يقوي مركز المرأة الاجتماعي داخل البيت وخارجه، ويمنعها من أن تكون عالة على غيرها في حال شيخوختها، التي قد لا تكون فيها – رغم كبر سنها – سوى حاضنة مجانية لأنسال وأطفال الجيل الجديد، بوجود أمهاتهم أو عند خروجهن أو سفرهن مع أزواجهن.

سحر الكلمة وسر الاستقرار العائلي

هنا يأتي بيان سر عظيم من أسرار الاستقرار العائلي الذي لا يكون بيت الزوجية هادئاً هانئاً إلا به . فنقول:

بما أن المرأة ذات طبيعة عاطفية فمن العبث في معظم الأحيان أن نحاول حل المشاكل معها بما يخالف طبيعتها. فليس من الصواب اللجوء إلى المنطق الجاف كأساس لحل المشاكل الزوجية. إن النقاش والجدال وإيراد الحجج المنطقية – متى ما طغى على أجواء الخلاف الزوجي – أخطر عامل من عوامل خراب البيوت. وخير من ذلك الجنوح إلى شيء بسيط الكلفة عظيم الثمرة، هو أرخص شيء في الثمن المبذول لكنه أغلى ما يكون في الناتج المحصول.

ذلك هو الكلمة!

الكلمة أنجع مرهم للجرح، وأثمن جوهرة في عين المرأة. استعملها موشاة بالعاطفة النبيلة واللفظة الجميلة ترَ العجب. لم أجد كالكلمة شيئاً بالمجّان تشتريه المرأة بأغلى الأثمان! بل تبقى الكلمة فاعلة حتى مع الرجال؛ ولذلك قال النبي e: (الكلمة الطيبة صدقة)، بل قال الله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة:83).

وقال أحد القراء معلقاً على هذه الالتفاتة وقد نشرتها في مقالة على موقع (القادسية): “رغم كل الذي تعلمناه عن علاقة الرجل بالمرأة فإن مقالتك هذه قد أغنتنا عن قراءة العديد من الكتب التي تعالج هذا الموضوع. لقد أعدت قراءتها مرات عديدة كي أستمتع بهذه الكلمات. وانا أقرأ تأملت مع نفسي وراجعت علاقتي بزوجتي فوجدتها ضرباً من ضروب الجاهلية أو أشد. كم نحن في حاجة إذن لإصلاح علاقتنا مع أزواجنا! إن عدم فهم طبيعة المرأة يؤدي – بطبيعة الحال – إلى تفكك الأُسرة التي بتفككها تزود المجتمع بأفراد غير صالحين، فتعم الفوضى في المجتمع. ويبدو أن هذا هو جزء مهم من مشاكلنا التي نعاني منها”.

وفي الحديث الذي مر بنا في فقرة (المرأة في القرآن الكريم) عبارة لافتة! هي قول زوج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب له: (ولمَ تنكرُ أن أراجعك، فوالله إن أزواج النبي e ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل)! ففيها ما يبين أن الحياة الزوجية فيها من التعقيد أبعد مما يتصوره الكثيرون. وأن المشاكل لا تحل بطريقة (من المخطئ ومن المصيب؟). وهي طريقة، في الغالب، تعقد المشكلة ولا تحلها. ولو كان الأمر يُحل بمعرفة المخطئ من المصيب، ولمن الحق وعلى من؟ ما كانت أزواج النبي e إحداهن تهجره اليوم حتى الليل؛ فإنه لا يتصور أن النبي e يخطئ، ولا أزواجه يتصورن ذلك.

معادلة (01)

معادلة من أحكم وأروع معادلات العلاقة الزوجية.. تلك معادلة (01)! وهي تصلح كذلك لإدامة جميع العلاقات الاجتماعية.

أقول للزوج: قد تنفعل الزوجة عند الخلاف فتنحسر طاقتها الاستيعابية إلى حد الصفر (0) فكن أنت الرقم الذي يحتوي صفريتها العاطفية. على الأقل كن الرقم (1)، فتكون المعادلة (01). وإياك أن تترك العنان لعداد طاقتك حتى يصل إلى نقطة التصفير، وتكون المعادلة الكلية (00). إياك إياك!

وأقول للزوجة الشيء نفسه، وأعيده؛ فإنه أوقع في النفس: قد ينفعل الزوج عند الخلاف فتنحسر طاقته الاستيعابية إلى حد الصفر (0) فكوني أنت الرقم الذي يحتوي صفريته العاطفية، على الأقل كوني الرقم (1)، فتكون المعادلة (01). وإياك أن تتركي العنان لعداد طاقتك حتى يصل إلى نقطة التصفير، وتكون المعادلة الكلية (00). إياك إياك!

جربوا هذه المعادلة، ودربوا أنفسكم عليها. لن تحتاجوا إلى أكثر من شيء من الصبر في البديئة حتى تجدوها قد صارت جزءاً من حياتكم في البيت وخارجه، وسترون كيف تخف همومكم، وتخلد إلى راحة، لها مذاقها المتفرد، نفوسكم.

تأملوا هذه الآيات فإن أحق الناس بها أهلوكم وأولهم الزوج ذكراً كان أم أنثى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *  وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (فصلت:34-36). وقال Y: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) (النساء:36). والصاحب بالجنب: هو الرفيق في البيت والعمل والسفر.

وكان هذا خلق النبي e مع أزواجه، فإذا استغلق الأمر ووصلت الدرجة بهن أو إحداهن إلى الصفر، حافظ هو على توازن المعادلة، وبقي الرقم الأصعب.. الرقم الذي لا تؤثر فيه كل عوامل التصفير وجميع رياح التعرية، ولو اضطرته إلى الانسحاب بهدوء. المهم أن لا يكسر قلباً طالما منح قلبه الراحة ونبضه التوازن. وقد مر بنا حديث عمر t يذكر اعتزال النبي e نساءه جميعاً شهراً واعتكافه في مشـرُبة (أي غرفة). يقول:  فدخلت عليه، فإذا هو مضطجع على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه، متكئ على وسادة من أدَم، حشوها ليف، فسلمت عليه… إلخ ما جاء في حديثه. وهو في (الصحيحين).

الجمال

الجمال من مكملات بيت الزوجية، بلمساته التي ترفرف بأجنحتها على ذلك التكوين الرباني الجميل.. المرأة، والرجل كذلك.

أود أن أنطلق في حديثي عن الجمال من أقل مقدار منه يتهيأ للمرأة، لنرى هل يمكن أن تكون المرأة التي كذلك أجمل مما هي عليه؟ أو يمكن – بشيء من الجهد والتحايل – أن تكون في عين من حولها أجمل من امرأة متفق على جمالها، أو امرأة هي أجمل منها؟ عندذاك يصبح الحديث عمن حباها الله تعالى قسطاً من الجمال تحصيل حاصل.

الجمال رزق، كرزق المال والولد، ومن لم تؤت حظها من الجمال عليها بثلاثة أمور:

أ. أن تعلم أن هذا هو قضاء الله تعالى لها؛ فعليها أن تصبر وتحتسب، وتعلم أن ما خبأه لها ربها خير مما قدمه.

ب. أن المرء – في حقيقته – بكماله لا بجماله. وبجوهره لا مظهره.

ت. أن في كل إنسان عناصر خفية للجمال، لو أثارها عوضته كثيراً عن تلك العناصر الظاهرة.

  1. أول هذه العناصر ثقة المرأة بنفسها، وأن لديها من الجمال الظاهر أو الخفي ما يكفي ويغني. إن بعض النساء لديها من الإشعاع الذاتي ما يفرض على من حولها أن يراها جميلة، أو محببة مليحة رغيبة وإن لم تكن في الأصل كذلك. وهذا يقودها لاستثمار رأسمالها المخزون. والواقع المشاهد دليل لا يقبل التكذيب.
  2. النظافة في الجسم واللباس والبيت والطعام وما شابه ذلك.
  3. الزينة: الزينة في نفسها جمال. وهي تأتي بعد النظافة، ولا بد. وفي قوله تعالى أشارة لطيفة إلى كلا الأمرين: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) (الحجرات:7).

والتزين مطلوب من الزوجين. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إني أحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي؛ لأن الله تعالى يقول: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ). وما أحب أن أستنطف حقي عليها، لأن الله تعالى يقول: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ). ومعنى (أستنطف) أي أستوفي جميع حقي عليها، أي إنني أصفح لامرأتي عن بعض الواجب عليها ، وإغضي لها عنه). ولعل هذا داخل في الأدب النبوي الكريم الذي خلده الله تعالى لرسوله e حين قال: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ) (التحريم:3). فاكتفى بالإشارة إلى جانب من حديثها ولم يستقص تجنباً للإحراج. يقول سفيان:  (ما زال التغافل من فعل الكرام). ويقول أحمد: (تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل). ويقول الحسن: (ما استقصى كريم قط).

ويروى هذا الأثر الجميل بصيغة ثانية: وقف ابن عباس رضي الله عنهما أمام المرآة يتجمل ويتزين ويأخذ من لحيته ويرجل من شعره. فقال له نافع: ما هذا يا ابن عم رسول الله؟ أتفعل هذا وإليك يضرب الناس أكباد الإبل من شرق وغرب يستفتونك في دين الله؟ فقال له: وماذا في هذا يا نافع؟ إني أتزين لامرأتي كما تتزين لي امرأتي، وهذا في كتاب الله. قال نافع: أين هذا في كتاب الله؟ قال في قوله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف).

لكن لكل امرأة ما يناسبها، وقد لا يناسب غيرها، من الزينة التي تُظهر محاسنها ومواطن الفتنة فيها. يستوي في ذلك اللباس والوجه والشعر وسائر تضاريس الجسد. وأمهر النساء تلك التي… والتي استطاعت أن تتلطف في زينتها بحيث تجعل ما ظهر منها كأنه جزء من تكوينها الذي خلقت عليه. انظري إلى جمال بعض الممثلات والمذيعات تجديه ليس أكثر من براعة فنان لامست ذلك الجزء الذي ظهر جميلاً، ولولا ذلك لم يك كذلك. مؤكد أن بعض التقنيات المتطورة في هذا الفن في حاجة إلى مال لا تملكه كل امرأة, ولكن مؤكد أيضاً أن كل امرأة لن تعدم وسائل بديلة تتعوض بها قدر المَكِنة.

اختلاف ذوق الرجل عنصـر أساسي ينبغي مراعاته في الوصول إلى النتيجة المنشودة. ومنه إدراك أي حاسة من الحواس الخمس تتسيد بقية الحواس لتكون مراعاتها والعمل عليها أكثر من غيرها. علما أن الرجل والمرأة يتفاوتان في أي الحواس أكثر تحسساً من الناحية العاطفية. يقال: إن البصر أكثر حواس الرجل تفوقاً في ذلك، والسمع والشم أقوى حواس المرأة. وفي رأيي أن التفاوت الشخصي وارد أيضاً؛ فالتجربة تشير إلى أن لكل امرئ حاستَه التي هي أكثر تحسساً من غيرها. فلا يمكن ضبط الأمر إلا بالتجربة والخبرة المكتسبة. وبذلك يمكن للمرأة أن تفرزن بين هذه وهذه.

حين تكتمل مدارك المرأة في معرفة قواعد الزينة، وتطبق تلك القواعد بما يتناسب وخصوصيتها الجسدية ووضعها المادي، وتخيرت لكل حاسة في رجلها ما يتملقها ويضمن انحيازها.. تكون قد أفلحت في زيادة رصيدها من الجمال.

الأناقة

الأناقة جمال مجاني. أو يكاد.

من خصائص الأناقة المتميزة التي تفترق بها عن الجمال أنها ليست قاصرة على الجميلات، بل كل امرأة يمكن أن تكون أنيقة، وكل رجل كذلك. لكن الميزة الرائعة للأناقة تكمن في علاقتها الوثيقة بالجمال من حيث إنها تضفي على غير الجميلة جاذبية وهيبة، والجاذبية والهيبة من عناصر الجمال الأصيلة.

والأناقة هي التفنن في إظهار ذائقية الجمال ولمسات الحسن.

ومبناها على دقة التنسيق والترتيب، والبراعة في استعمال العلاقات الجمالية الخفية بين الأشياء. وتكون في كل ما يظهر من المرأة.. الملبس، زينة الوجه، تسريحة الشعر، التعطر، نعومة اليدين وسائر الجسم، طريقة الضحكة، غنج الكلمة، أسلوب التحدث، هيأة الجلِسة، رشاقة الحركة، كيفية تناول الطعام، طقوس تقديمه، وسائر التصرفات. بشرط أن لا تفعل المسلمة ذلك: كله أو بعضه تكبراً وغروراً.

انظري إلى تأنق  نبينا e في حبه لأمنا عائشة. تقول ر: كان رسول الله e يدعوني فآكل معه وأنا عارك (أي حائض)، كان يأخذ العِرق (أي العظم الذي فيه لحم) فيُقسم عليّ فيه فأعترق منه ثم أضعه، فيأخذه فيعترق منه ويضع فمه حيث وضعت فمي من العِرق. ويدعو بالشراب فيُقسم علي فيه من قبل أن يشرب منه، فآخذه فأشرب منه ثم أضعه، فيأخذه فيشرب منه ويضع فمه حيث وضعت فمي من القدح.

وكان e يتأنق في تسميتها فيرخم اسمها في بعض الأحيان ويصغره لها قائلاً: (يا عائش، يا عويش).

وهذا داخل فيما حض عليه النبي e من الإحسان إلى الزوج رجلاً كان أم امرأة، فقال e: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)([1]).

ومن شواهد الأناقة في الإسلام ما جاء في الأدب النبوي من ترجيل الشعر، وتعطير الجسم، وأداب المائدة. وثمت آداب مكملة للأناقة مثل تخصيص اليمين بغير ما تختص به الشمال. كَم يزعجني في بعض المجالس وجود رجل بيننا إذا عطس أو تثائب أو سعل بادر فوضع يده اليمين على فمه، ثم يصافحنا بها مودعاً بعد قليل! والأمر مع المرأة أولى وآكد.

ولو رحت أتتبع شواهد الأناقة في الوحيين لطال بنا المقام. فمن ذلك قوله: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) (لقمان:19). وقوله: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) (القصص:25). وقوله: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) (الإسراء:24). وقوله: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ) (النمل:44)، فيا لَلهِ ما هذا الصرح الذي بلغ هذا المبلغ في المتانة والأناقة والجمال!

وانظر إلى هذا التأنق في الشجاعة، وفي التعبير عنها في رد سيدنا موسى عليه السلام يوم: (قَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا)، فكان جوابه: (وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) (الإسراء:101-102)! وهو لا يقل جاذبية عن تأنق أبي دجانة في الحرب. إذ روي أنه إذا دخل ميدان الحرب دخله مختالاً يتبختر وقد عصب رأسه بعصابة حمراء([2]). بل إن تحدي الرجل الفرد طاغية زمانه وهو على عرشه يحتاج من الشجاعة أضعاف ما يحتاجه المقاتل مع كتيبة المقاتلين.

وللأناقة شروطها. أهم تلك الشروط الثقة بالنفس، وعدم الانجرار إلى تقليد الأخريات. فالمرأة المحترمة لها شخصيتها الأصيلة. ومن شروطها صيانة ملامحها بالابتعاد عن قوادحها، مثل بعض الحركات التي تفسد الذوق، كرفع الصوت بالكلام أو الضحك، ونكش الأسنان والتثاؤب مع عدم تغطية الفم. وأمور مشابهة لا تخفى.

المخدع

الحاجة إلى الجمال لا تقتصر على الساكن، بل تشمل المسكون كذلك.

بهذا يتحقق السكون الذي جاء مرفرفاً تحت ظلال قوله تعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم:21)، ويصبح البيت سكناً حقاً. هكذا كان بيت أمِّنا خديجة رضي الله عنها. حافظت فيه على الهدوء والسكون المطلوب لراحة الزوج؛ فكانت بشارة الله تعالى لها من جنس عملها. روى الشيخان عن أبي هريرة t قال: أتى جبريل النبي e فقال: (يا رسول الله: هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام، أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه، ولا نصب). والقصب هو اللؤلؤ.

وأجمل ما في السكن مخدع الزوجية.. ساحة المرأة التي تختبر فيها نتائج ما حباها الله تعالى به من جمال ظاهر أو باطن. والمضمار الذي لا ينازعها فروسيته فيه أحد. ويا أيتها المرأة الذكية، اعلمي أن أقرب وأيسر وأجمل ما تكسبين به قلب زوجك أن تجعلي من مخدعك مأوى متميزاً كل التميز عن باقي حجرات البيت: نظافة وراحة وعطراً وإضاءة، وغير ذلك مما تحتاجه أجواؤه الرفيفة، وأوقاته القصيرة الشفيفة.

أكتفي بهذا الإيجاز الشديد؛ فالكتاب لا يحتمل تفاصيل أكثر. ولأن معرفة آداب المخدع أمرها يسير على طالبه.

وثالثة أُخرى أهم وأحرى. هي أن هذا وأمثاله تقع مسؤولية بيانه على عاتق الأمٍّ فهي أولى وأوجب وأقرب أن تقوم به على أتم وجه.

ما أعظم الأمَّ حين تعي دورها الخطير في الحياة! فتقوم بإكماله قبل انتقال بُنَيتها من عشها الذي درجت فيه إلى عشها الذي كتب لها أن تقيم فيه، وما أجملها وهي تتمه بتثقيفها وتعليمها آداب العشرة الراقية، وكيف تجتذب المرأة زوجها، وما السبيل إلى الوصول لأعماق لبه، والاستيلاء على ما فيه من خالص حبه.

لقد كانت المرأة العربية في قديم الزمان تعلم ابنتها وتهذبها وتقوم بتزويدها بنصائح غالية تعينها على حسن العشـرة الزوجية. منها هذه الوصية التي حفظتها لنا كتب الأدب عن أم توصي ابنتها ليلة زفافها وهي تودعها:

أي بنيّــة، إنك قد فارقت بيتك الذي منه خرجت منه، ووكرك الذي فيه نشأت، إلى وكر لم تألفيه، وقرين لم تعرفيه. فكوني له أمَة يكن لك عبداً.

واحفظي له عشر خصال يكن لك ذخراً.

أما الأولى والثانية.. فالصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة.

وأما الثالثة والرابعة.. فالتعهد لموقع عينيه، والتفقد لموضع أنفه؛ فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشمن منك إلا أطيب ريح. والكحل أحسن الحسن الموصوف، والماء والصابون أطيب الطيب المعروف.

وأما الخامسة والسادسة.. فالتفقد لوقت طعامه، والهدوء عند منامه؛ فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مكربة.

وأما السابعة والثامنة.. فالعناية ببيته وماله، والرعاية لنفسه وعياله.

وأما التاسعة والعاشرة.. فلا تعصين له أمراً، ولا تفشين له سراً؛ فإنك أن عصيت أمره أوغرت صدره. وإن أفشيت سره لم تأمني غدره.

ثم بعد ذلك.. إياك والفرح حين اكتئابه، والاكتئاب حين فرحه؛ فإن الأولى من التقصير، والثانية من التكدير. وأشد ما تكونين له إعظاماً، أشد ما يكون لك إكراما. ولن تصلي إلى ذلك حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك فيما أحببت أو كرهت.

والله يصنع لك الخير واستودعتك الله.

 

 

[1]– رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.

[2]– روي هذا في السيرة بسند ضعيف. لكن جواز الخيلاء في الحرب جاءت من طريق آخر صححه جمع من العلماء، منهم ابن القيم وابن حجر والألباني.


لمتابعة قراءة المقال .. أنقر على هذا الرابط

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

6521740849391641416

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث