القسم الثاني : المنهج (الجزء الثاني)

الكاتب: الدليميتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق


القسم الثاني : المنهج (الجزء الثاني)

 بين العقيدة كأصل ثابت والردود كضرورة طارئة متغيرة

أساس العقيدة التوحيد. والتوحيد أصل ثابت، لا بد من معرفته لصحة الدين. أما الشرك فمظاهر متغيرة، كثيراً ما تختلف من قوم لقوم، ومن مكان لمكان، وزمان لزمان. فلكل قوم مظاهرهم الشركية: فقد تكون أحجارا وقد تكون كواكب ونجوماً، وقد تكون أشجاراً، وقد تكون مراقد ومشاهد، وقد تكون تحاكماً إلى شرع غير شرع الله. كما قد تكون شركاً اقتصادياً أو سياسياً. وتكون اتخاذاً للعلماء أرباباً من دون الله. وتكون إلحاداً في أسماء الله وصفاته. وتكون عبادة للبقر أو أي صنف من أصناف الحيوانات. وتكون إنكاراً لربوبية اللهوإن كان هذا كفراً خالصاًوقد تكون مظاهر أخرى. أو تكون هذا كله مجتمعاً أو مقترنا بنسبة أو بأخرى.

وبما أن مظاهر الشرك تتغير؛ لذا وجب أن تتغير ردودنا بتغير هذه المظاهر وجوداً وعدماً. ونجدد من الردود حسب الحاجة. ونعتبر ذلك من العقيدة التي نهتم بها. ولا يصح أن نجمد على ردود معينة قد لا يكون لها مورد شركي على الواقع يمكن أن تعالجه.

أذكر أنه في عام 1998 أعطيت كتاب (العصمة) لأحد الأصدقاء من أهل (المحاويل) ذي الغالبية الشيعية. وصاحبي هذا من المهتمين بالدعوة على أساس العقيدة السليمة، ويخطب الجمعة في بعض الأحيان. فتناوله، ونظر فيه، ثم التفت إلي وقال: أليس الصحيح أن نبدأ فندعو إلى العقيدة أولاً، قبل هذا الكتاب وأمثاله من الكتب؟ فكان جوابي له: وهذا الكتاب يعالج موضوعاً من صلب العقيدة. إنه دفاع عن أصل النبوة، ورد على عقيدة فاسدة يتبناها الملايين من الناس يشاركوننا العيش في بلد واحد.

إن هذا الخلل في النظرة إلى العقيدة المطلوب طرحها، سببه عدم التفريق بين العقيدة التي هي أصل ثابت، وبين العقيدة التي هي ردود على الخلل الطارئ على ذلك الأصل. تلك نؤمن بها وندعو إليها على كل حال. وهذه مرتبطة بالواقع الذي يختلف من مجتمع إلى آخر.

الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، أكد على موضوعات الشرك المتعلقة بالأولياء ودعائهم وزيارة قبورهم وما إلى ذلك. وهذا نحتاجه تفصيلاً في مثل مجتمعنا نحن أهل العراق. ولكننا نحتاج معه إلى التأكيد على الموضوعات المتعلقة بما أضافه الشيعة إلى الدين من أصول وفروع باطلة. وهي موضوعات لم يفصل فيها الشيخ كثيراً؛ لأنه واجهفي العموممجتمعاً منتسباً إلى أهل السنة، ولم تكن معاناته الأساسية مع الشيعة وأباطيلهم. حتى إنه في كتابه الأشهر (التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) لم يقف عند (توحيد الأسماء والصفات) إلا في بابين من مجموع أبواب الكتاب الذي فاق الستين باباً. وهذا شيء طبيعي في دعوة كل مصلح أو مجدد؛ لضرورة ارتباط الإصلاح الاجتماعي بواقع المجتمع الذي يتحرك فيه المصلح، ويريد له الصلاح. فليس ثمة تقصير ينسب إلى الأول. إنما التقصير ينشأ من جمودنا على أقوال الأولين، دون اعتبار لما يطرأ من ألوان جديدة للشرك أو الخلل الاجتماعي، والذي يحتاج إلى طرح جديد يتناسب معه.

مرجعية القرآن

من الأمور الأساسية التي ينبغي أن نتخذها مساراً ثابتاً في دعوتنا، أن نعتمد في طرح عقيدتنا، وإبطال عقائد الشيعة على القرآن الكريم. وهذا مبني على قواعد ثلاث:

  1. الأول أن القرآن جمع أمهات العقيدة وأصولها، وبينها بياناً شافياً، سهلاً ميسراً للجميع على اختلاف مداركهم، وتحصيلهم العلمي.
  2. والثاني: أن خلاف الشيعة لنا هو خلاف أصول. والأصول كلها في القرآن بالنص المحكم الصريح الذي يفهمه كل قارئ أو سامع. وبما أننا نجزم بصحة أصولنا، وبطلان أصول الشيعة؛ فنحن وحدنا الذين يمكن لهم أن يحتجوا لصحة ما لديهم من أصول بنصوص القرآن الصريحة. وهذا شيء لا يتوفر للشيعة قط. إذ ليس لديهم من نصوص القرآن سوى المتشابه. والمتشابه لا تقوم به حجة. كما قال سبحانه: (هُوَ الــَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيات مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) (آل عمران:7). وهنا تكمن (الضربة القاضية)، التي نجتث بها أصول الشيعة، ويتبين لطالبي الحق منهم بطلان دينهم، وصحة ديننا جزماً ويقيناً لا شك فيه.
  3. أن القرآن الكريم هو الرابط الوحيدولو ظاهراًالذي يمكن أن يجمع بين السنة والشيعة كمرجع للاحتجاج. بينما لا رابط يجمع بيننا وبينهم من الحديث أو التفسير، أو غيرهما. فلا نحن نؤمن بمروياتهم، ولا هم يؤمنون بمروياتنا. وكذلك التفسير، وآراء العلماء.

قد يقال: إن الشيعة يعتقدون بتحريف القرآن. أو لا يعتقدون في الأصول بغير مرجعية العقل. وهذا صحيح، لكن ثمة تفصيل يفيدنا. وهو أن هذا شيء لا يستطيع علماؤهم أن يصرحوا به علناً أمام الناس، إنمافي هذه الحاليقرون بصحة القرآن، وينكرون قولهم الآخر؛ فيمكن لنا أن نلزمهم الحجة أمام الجمهور من خلال نصوصه المحكمة. كما أنهم يتخوفون من التصريح لعوامهم بأنهم لا يرجعون إلى القرآن في إثبات أصولهم، وإنما إلى العقل وحده. وهذا شيء ينفعنا عند دعوة هؤلاء العوام، أو محاججتهم. ثم إن كثيراً من هؤلاء العوام لا يعتقدون أصلاً بهذه العقيدة الفاسدة، بل لا يعلمون أنها عقيدة مسلّمة لدى علمائهم. فيبقى القرآن الكريم هو الرابط الوحيد الذي يمكن أن يجمع بيننا وبينهم عند دعوتهم أو محاججتهم.

أما ضمن مجتمعنا السني، فلنا أن نرجع إلى السنة النبوية الشريفة، وإلى أقوال العلماء المعتبرين وهذا في غير الأصولما دام الاتفاق حاصلاً على ذلك كله كمرجعية مسلَّمة. على أننا نظل نؤكد على ضرورة ربط الناس بمحكم القرآن، وإعطاء هذا الأمر أولوية خاصة؛ لأسباب كثيرة ليس هذا موضعها.


ب. بيان خطر الشيعة والتشيع


2. بيان خطر الشيعة والتشيع

يتركز المحور الثاني للموضوعات الأساسية التي تتطلب المواجهة التغييرية طرحها، حول بيان خطر الشيعة وخطر دينهم (التشيع)، وفضح أباطيلهم وتعرية خزعبلاتهم. إن هذا يسهم إسهاماً فعالاً ومباشراً في تحصين أهل السنة، وتحصيل الوعي بينهم، وإثارتهم نحو هذا الخطر، وإخراج مكامن القوة والعمل السليم باتجاه الهدف. ينتظم ذلك تحت قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) (الأنعام:55).

جوانب الخطر الشيعي

علينا أن نبين لقومنا أن التشيع مشكلة خطيرة، هي من كبريات المشاكل الدينية والسياسية والاجتماعية، لاسيما في بلدنا (العراق). وليس هذا الخطر قاصراً على الدين فحسب. بل هو خطر عميم وشر مستطير يجتاح الدين، والأخلاق، والسياسة، والاقتصاد، والوطنية، وكيان الأمة ومفاهيمها، وقيمها وثوابتها. فالتصدي له ضرورة حتمية من أجل إنقاذ هذه القيم جميعاً.

التشيع:

  1. طقوس تعطل الحياة
  2. وعقائد تعطل الدين
  3. ودين يعطل العقل
  4. وعقل يدمر نفسه
  5. ومشاعر تفسد النفس

لست في مقام الشرح والتفصيل. وإنما في بيان المهمات الأساسية. والشرح يأتي في وقته ومحله بإذن الله. فأقف الآن وقفات سريعة وأساسية حيال الخطر الشيعي على أهم جوانب الدين ومفاصل المجتمع:

1. الدين: التشيع دين أراد له واضعوه أن يكون ديناً بديلاً عن الإسلام. ويكفي في هذا المقام أن تذكر بعض العناوين الرئيسة لهذا الدين: الإمامة، العصمة، تقليد المرجع، اتخاذه رباً من دون الله، تحريف القرآن، إنكار السنة، تكفير الصحابة، الخمس، المتعة.. حتى ترى الصورة البشعة التي هو عليها!

  1. الأخلاق والمجتمع: التقيةمثلاًعند الشيعة تدرب صاحبها على الكذب وتروضه على الخداع. ونكاح المتعة ينشر الرذيلة والفاحشة، ويسقط أخلاق المرأة والرجل، ويفكك الأسرة، ويكثر به اللقطاء، وتنتشر الأمراض. وإباحة أموال الآخرلا سيما السنةتعلمه السرقة والخيانة. وتكفيره وإباحة دمه وعرضه تنشر الفتن والمقاتل والحروب، وتجعل الشيعة يشعرون بالعزلة، ويطبقونها واقعاً. وتقليد المرجع وتقديسه يجعل الشيعي ذليلاً مهيناً متمسكناً. وأكل أموال الناس باسم الخمس وغيره يجعل المال دولة بين المراجع وعوائلهم ويفسد أبناءهم، ويجعل من الدين مهنة، والعمامة زياً (رسمياً) لها. ولهذا يحرص هؤلاء على لبس العمامةرغم فراغها وخوائهاحرصهم على أرواحهم. وبهذا صار الشيعة طبقات مفككة متناحرة.

هل هناك أفسد وأخطر من فرد أو جماعة تتمتع بكل هذا الشذوذ من الأخلاق؟! فإذا علمت أن دين الشيعة يبيح لأتباعه عمل ما يشاءون من الذنوب والجرائم، دون أن يتحملوا تبعتها يوم القيامة ما داموا يدينون بـ(ولاية أهل البيت)! أدركت ماذا يمكن أن يكون حالهم في الواقع؟! وخطرهم على المجتمع؟!!!

  1. الاقتصاد: الشيعي لا يشعر بالانتماء إلا إلى طائفته، فإذا استوطن مجتمعاً يخالفه فإنه سيكون معول هدم وتخريب لاقتصاده؛ لأنه لا يفكر إلا في نهبه وسرقته. فإذا سيطر عليه سيكون الفساد والسرقة بالكتل المليارية. وواقع العراق اليوم يشهد بوضوح تام على هذه الحقيقة.
  2. السياسة: الشيعي في أي قطر تلزمه عقيدته باعتبار المرجع الديني هو (الحاكم الأعلى)، الذي يرجع إليه في شؤون دينه ودنياه، ومنها السياسة، واعتبار الشيعة في ذلك القطر هم شعبه الذي ينتمي إليه دون غيرهم، مع عدم الاعتراف بحق الوجود والحياة والملكية لذلك الغير. وبهذا يكون الشيعة في أي دولة (دولة داخل دولة). وهذه حالة شاذة تمثل أخطر علاقة سياسية اجتماعية في العالم. كما تلزم تلك العقيدة الشيعي بتكفير الحاكم غير الشيعي، ووجوب عصيانه والانقلاب عليه، وسرقة أموال الدولة، وتخريب ممتلكاتها. وإذا دخل الشيعة حزباً أو مؤسسة من مؤسساتها فلتجويفها ونخرها من الداخل. كما فعلوا مع حزب البعث، ودوائر الأمن والمخابرات ومؤسسة الجيش السابق في العراق. وإذا شعروا بالقوة مارسوا العنف ضد الدولة، كما هو حالهم في البحرين اليوم، ويتطلعون إلى مثلها في الكويت وغيرها من دول الخليج. كما تلزمهم هذه العقيدة بتكفير المجتمع الذي يعيشون فيه، واعتباره مجتمعاً معادياً يجب تحطيمه بأي وسيلة. ومن هنا يجنح الشيعة دوماً إلى التآمر مع الأجنبي ضد البلد الذي يعيشون فيه، كما فعلوا بالعراق سابقاً، ولاحقاً.
  3. كيان الأمة وتاريخها وقيمها وثوابتها: لا أرانيبعد الذي ذكرته آنفاًفي حاجة إلى الوقوف عنده؛ حتى لا يطول بنا المقام.

التعايش مع الشيعة

يبرز هنا اعتراض شائع، مُفاده: الشيعة طائفة كبيرة في العراق، ويستحيل علينا أن نلغيهم من الوجود؛ فلا بد من التعايش معهم. وما تقوله يلغي هذا الخيار، الذي لا خيار سواه، من الأساس.

وأقول: المشكلة أن بعض (الحلول) هي في حقيقتها عبارة عن هروب من الحل، أو قفز على المشكلة، ومحاولة حلها بعدم مواجهتها؛ تنصلاً من تحمل تبعات الحل الحقيقي، وتهرباً من دفع ثمنه.

لقد قلت ما قلته تشخيصاً للداء، وتقريراً لواقع موجود. فإن كان ما قلته صحيحاً، فليس ذنباً أن أنطق حقاً، وأقول صدقاً. إنما الذنب ذنب من يتجاهل الحق، ويزعجه الصدق. وإن لم يكن الأمر كذلك فيكن الاعتراض مبنياً على أن ما أقوله غير صحيح. وعندها يأخذ النقاش منحى آخر.

إن هذا الذي أقوله هو الحقيقة عينها. ومما يدل على حقيقته الاعتراض المذكور. وما أقوله لا يلغي مبدأ التعايش. بل هو الذي يوجده ويثبته؛ لأنه يجعله قائماً على ركن ركين، ويبنيه على أساس مكين. لا على الوهم، والمجاملات الزائفة والمداهنات الخاطئة الكاذبة. التي لا يحرص عليها سوى المنتفعين والنفعيين من أهل السياسة، أو الواهمين الحالمين من ذوي القلوب (الطيبة) والعقول الساذجة.

أنا لا أقول هذا لأنني لا أؤمن بالتعايش واقعاً، أو لا أريده بدايةً. إنما أريد أن أقول: إذا كنا مضطرين للتعايش، فلا يعني هذا أننا نقبل به على أية حال. حتى حال الذل والمسكنة والهوان. ولا يلزمنا هذا بدخول الساحة كالعميان، دون أخذ العدة، وتوفير الشروط اللازمة لصحة الأمر وثباته ودوامه.

إن التعايش بين طائفتين كعقد البيع والشراء، أو الزواج بين اثنين: يعد باطلاً وغير ممكن التحقيق ما لم تكن الرغبة والموافقة حاصلة بين الطرفين. وما لم يتسلم كل طرف حقه المنصوص عليه في العقد.

موانع التعايش

أربعة موانع تحول بين الشيعة والتعايش مع السنة:

  1. العقدة، وأهمها (الشعور العميق بالاضطهاد) تجاه السنة؛ ما يدفعهم للانفجار والثأر والانتقام على الدوام.
  2. العقيدة، وعلى رأسها (الإمامة)، التي تلزم الشيعة بقتل السنة كفراً محاربين، واستباحة أموالهم غنائم، وأعراضهم سبايا.
  3. التقليد كعقيدة عند الشيعي يلزمه بتقديس قول المرجع الديني لزوماً يخرجه إن خالف من الملة. والمرجع مرتبط بإيران، وإيران تدفعه إلى الثورة والعدوان.
  4. الولاء لإيران. وليس من مصلحة إيران تعايش الشيعة مع السنة.

هذه أهم الموانع التي تحول بين الشيعة والتعايش مع السنة. وكل واحد منها يمثل عائقاً مستحيل الاجتياز؛ لأنه يُعدِم عند الشيعي إرادة ذلك من الأساس، وتجعل فكره محصوراً في كيفية طرد السني، أو تهميشه والسيطرة عليه. والوضع في العراق اليوم شاهد صارخ على هذه الحقيقة.

في المناطق والدول التي يضعف أو يقل وجود الشيعة فيها، تجد الشيعي يتبع أسلوب التمسكن والتمظلم، طارحاً شعارات الأخوة والحوار والتقارب والتعايش والدين الواحد، وما إلى ذلك. لكنه ما إن يتمكن حتى يتنكر لذلك كله. وإيرانوالعراق أيضاًيشهد على صحة هذه الحقيقة. لقد تنكر الخميني لوعوده لقادة أهل السنة، وجازاهم جزاء سنمار. يكفي أن يُعلم أن طهران لا وجود لمسجد سني واحد فيها، مع سبق المنع والإصرار. وكذلك فعل قادة الأحزاب الشيعية في العراق مع أهل السنة، الذين صدَّقوا وعودهم، ولم يعتبروا بغيرهم.

الشيعي لا رغبة لديه في التعايش، ما لم يكن مضطراً أو ملجأً إلجاءً إليه.

نعم ليس الشيعة كلهم هكذا. ولكن هؤلاء المخالفين قلة غير مؤثرة؛ فلا يمكن أن نعول عليها كثيراً، ولا قليلاً. إلا في الجانب الدعوي، أو محاولة استثمارهم، والأخذ بأيديهم نحو المقاصد الخيرة. دون أن نفرط بأخذ الاحتياط الواجب في امتلاك القوة، التي هي الأساس الوحيد للتعايش المنشود.

وعلى هذا الأساس لا مهرب لناإذا أردنا التعايش مع الشيعةمن امتلاك القوة، وأن نكون نحن الحاكمين؛ لنمنع الشيعة من تدميرنا، وتدمير أنفسهم معنا. يجب علينا أن نكون أرحم بأنفسنا من أن ندعها بأيدي السفهاء يلعبون بها. وأن يعلم السفهاء أننا بذلك نكون أرحم بهم من أنفسهم عليها.

ولكن لهذا الحل مقتلاً ليس من السهل بل ولا الممكن تفاديه! ألا وهو عدم وجود ضمان دائم ببقاء القوة في يد السنة. كما حصل لنا في العراق سنة 2003، وانهدمت دولة استمرت (82) سنة رغم امتلاكها القوة.

إذن امتلاك القوة وحده لا يكفي، ما لم يكن معه الضمان باستمرار امتلاكها. وهذا مستحيل. فما الحل؟

لا أجد حلاً لهذه المعضلة سوى الانحياز عن الشيعة بإحدى طريقتين:

  1. إما الفدرالية وتكوين الإقليم السني. وهذا خيار محفوف بالمنغصات.
  2. أو الانفصال التام.
  3. إنكار أباطيل الشيعة 

يفرض علينا المنهج الرباني في الكتاب والسنة عند تنزيله على الشيعة أن نتناول أباطيلهم بالفضح والإنكار والعلاج بتفاصيلها، صراحة ومواجهة. مثل تحريف الكتاب و(التقية) والتلون والنفاق، وعدم علم عامتهموعلمائهم بالقرآن والسنة، وأكل أموال الناس بالباطل باسم (الخمس) وما يسمونه زوراً بـ(الحقوق الشرعية)، وادعاء النجاة في الآخرة مهما اجترحوا من كبائر، والتقليد الأعمى لرجال دينهم واتخاذهم أرباباً من دون الله. إضافة لقتل دعاة الحق، واستحلال أموال المخالفين ونقض عهودهم ، وغيرها وغيرها من المنكرات والأباطيل الشائعة بينهم.

  1. عرض المخازي التاريخية للشيعة

في سورة (البقرة) وكثير من آيات الكتاب الكريم عرض تفصيلي لتاريخ اليهود ومخازيهم على مدى العصور. وفي هذا درس قرآني عظيم أن من شمخ بأنف قائم على تاريخ مخزٍ فإن المجاملة لا تنفع معه بل ينبغي أن يدمغ بذلك التاريخ ليعرف حقيقة نفسه ويرى أن الناس يعرفونه على حقيقته، فيردعه ذلك ويجعله يعيش حالة من الشعور بالنقص والصغار، أو- على الأقل- يتأدب وهو يتعامل مع الأتقياء الأطهار.

قارن هذا بتاريخ مساحته أربعة عشر قرناً من المخـازي والآثام، يحمله الشيعة على ظهورهم ابتداءً بقتل عمر وعثمان وعلي وظهور عبد الله بن سبأ والحركات الباطنية الهدامة على مر التاريخ، واستمر وهو يتضخم بالمخازي والآثام إلى يومنا هذا في عامنا هذا في بلدنا هذا الذي يلعنون فيه (خير أمة أخرجت للناسويطعنون بأشرف نسوة كن في بيت ويدعون تحريف الكتاب والسنة. ناهيك عن أكل أموال الناس بالباطل واستحلال الكذب والدجل والعمل (بالتقية) أي النفاق وهتك ستر المحصنات تحت لافتة (المتعة) أي الزنا باسم الشرع. وآخر مخازيهم جلبهم الغزاة إلى العراق وخدمتهم والتعاون معهم على أبنائه الشرفاء. ثم هم مع كل هذه الخزايا والدنايا يشمخون بأنوف ترعد، ويطلقون على أهل السنة اسم (أبناء العامة) أي أنهم أبناء الخاصة! تماماً كاليهود الذين مع خزاياهم ودناياهم يدعون أهم (شعب الله المختار) وأنهم (أبناء الله وأحباؤه).

عرض مخازي الشيعة التاريخية على مر العهود والعصور، وفضح تزويرهم للتاريخ من صلب المنهج الرباني الذي نتبعه في معركتنا مع إيران وشيعتها.

  1. تجريد الشيعة من الانتساب المزيف إلى ( أهل البيت )

لا تجد جماعة مبطلة إلا وتتعلق برمز صالح من الأقدمين، تنتسب إليه، وتستمد مشروعيتها من هذا الانتساب المزور. إن فضح هذا الزيف ضرورة من ضرورات إضعاف أهل الباطل؛ لأنه يسحب بساط المشروعية التي يعتاشون عليها، ويستمدون بقاءهم واستمرارهم من خلالها. لذا يؤكد القرآن الكريم على قطع هذه الصلة بين أهل الباطل ورموزهم الصالحة التي يدّعون الانتساب إليها من الأنبياء وغيرهم من الصالحين. كما قال تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران:67). وقال: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:68) .

يعتمد التشيع الفارسي في بقائه على ادعائه الانتساب إلى (أهل البيت)، ويستمد قوته وأسباب وجوده واستمراره من هذه الدعوى. فتجريده منها يسحب البساط من تحته ويظهر وجهه الكالح على حقيقته. وهو ما يلزمنا به المنهج القرآني. أما الاقتصار على مدح علي t فهو اعتراف ضمني بصحة تلك النسبة المزيفة، وهو منهج المنهزمين البائسين. وقد آن الأوان لأن نضرب على يد أولئك الحمقى المنهزمين كي ينتهوا عن هذا العبث.

تجريد الشيعة من حق الانتساب إلى (أهل البيت العلوي أو النبوي). والبيان الواضح أن هذه مجرد دعوى وستار كاذب. وإيقاف جميع التهريجات السنية الرامية إلى التقرب إليهم من باب محاولة إثبات حب (أهل البيت) الفاشلة رغم تكرارها منذ مئات السنين.. ركن أصيل من أركان المنهج الأمثل في مواجهة الشيعة ووالانتصار عليهم والقضاء على خطرهم.


القسم الثاني: الركائز العملية 


ثانياً : الركائز العملية

 

أ. منهج التغيير الجمعي ، والفرق بينه وبين منهج التغيير الفردي

أهم أسباب التغول الشيعي والفشل السني في مواجهته، الطريقة القاصرة المتبعة في التغيير؛ تقتصر على دعوة الفرد، وتكتفي بذلك دون الخطو باتجاه دعوة المجتمع الدعوة القادرة على تغييره جمعياً ككتلة متلازمة، لا كأفرادٍ في مجموعة مفككة، اعتماداً على أدوات وأساليب ومبادئ التغيير الجماعي، والتي تختلف عن أدوات وأساليب ومبادئ التغيير الفردي.

إن هذه الطريقة القاصرة تفترض أن (تغيير الفرد يؤدي إلى تغيير الأُسرة، وتغيير الأُسرة يؤدي إلى تغيير المجتمع). وهذه قاعدة في حاجة إلى مراجعة، وتنظير غير علمي طبقاً لمبادئ علم الاجتماع المجربة عملياً، بل المستخلصة أصلاً من الواقع العملي. فالمجتمع ليس حاصل جمع مجرد لمجموعة الأفراد الذين يكونونه. يغفل الأنظمة والتفاعلات التي تغير من طبيعة الفرد عندما يتصرف محكوماً بشخصيته الجمعية، عنه عندما يستحضر شخصيته الفردية.

نحن نهدف إلى تغيير المجتمع ككل، ولا نكتفي بتغيير الفرد، ولا نتوهم أن تغيير الأفراد سيؤدي لزوماً إلى تغيير المجتمع ذلك التغيير الكلي الجمعي. منهجنا إذن يقوم على مبادئ التغيير الجماعي، دون أن يغفل أهمية تغيير الأفراد. يتوضح صواب منهجنا ببيان الخطوط العامة التالية([1]):

المجتمع غير الفرد

يختلف الفرد عن المجتمع الذي يعيش فيه من حيث العقلية ومستوى الذكاء والنفسية، وحيثيات أخرى كثيرة، والمؤثرات أو المحركات المتعلقة بذلك كله. فقد يكون الفرد عاقلاً مثقفاً لا يؤمن بالخرافات، ويعيش في مجتمع خرافي متخلف. ويكون الفرد ذا نفسية متزنة مستقرة، ويعيش في مجتمع عاطفي متأزم ثوري السلوك. ومن هنا أطلق علماء النفس مصطلح (العقل الجمعي)، و(النفسية الجمعية) و(السلوك الجمعي)، وما شابه من المصطلحات؛ للتفريق بينها وبين ما يقابلها مما يخص الفرد، كما أن هناك (علم نفس أو سيكولوجية الجماهير) وهو يختلف عن (علم نفس أو سيكولوجية الفرد).

وهذا يقودنابطبيعة الحالإلى الحقيقة الآتية: لا بد أن يكون الخطاببما فيه من مؤثرات ومحركات عقلية ونفسيةالمتوجه إلى المجموع مختلفاً عن الخطاب المتوجه إلى الفرد.

السلوك الفردي والسلوك الجمعي

للفرد نوعان من السلوك: أحدهما يمثل سلوكه حين يتصرف كفرد بعيداً عن المجتمع أو أي مجموعة منه. والآخر حين يكون الفرد ضمن مجموع معين، أو حين يحسب سلوكه على المجموع، وتكون المسؤولية والتوصيف جماعياً لا فردياً.

فالجبان مع الشجعان يسلك سلوكاً شجاعاً. وقد ينهزم الشجاع مع المجموع المنهزم، لكنه قد يثبت إذا رأى أن الموقف يحسب عليه. ويتعرض الفرد وحده إلى ما يثير عاطفته كغناء أو أهزوجة، فلا تراه يتحرك، فإن كان مع حشد مستثار إذا أنت تراه قد استثير معهم. ومن هنا تأتي خطورة المظاهرات الحاشدة، وصعوبة السيطرة عليها؛ إذ ربمافي لحظة معينةاندفع العقلاء مع الدهماء، فلا تكاد تفرق بين سلوك الطرفين. وهو ما يمكن أن يطلق عليه مصطلح (حاكمية المجموع). سواء كان المجموع هذا ديناً، أم طائفة، أم مذهباً، أم حزباً، أم حشداً، أم مجتمعاً أكبر.

مما ينبغي التنبيه عليه أن الفرد قد يسلك السلوك الجمعي هذا وإن كان وحده، متى ما كان تحت تأثير المجموع بأي صورة من الصور! وهو ما يمكن أن نسميه (التأثير الجمعي عن بعد).

الفرد إذن له عقليتان، ونفسيتان، وسلوكان: عقلية فردية وأخرى جمعية. ونفسية فردية وأخرى جمعية. وسلوك فردي وآخر جماعي.

ومن هنا لا بد أن يكون لنا نوعان من الخطاب. لا نوع واحد.

قانونان : أحدهما لتغيير الفرد ، والآخر لتغيير المجتمع

قد يتغير الفرد بالحوار الشخصي والأساليب الفردية المحدودة. والحوار لا يلزمكما هو شائع خطأًأسلوباً واحداً. وإنما يتنوع: فلربما نحى منحى الطرح المباشر: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً) (الكهف:37). وربما نحى منحى الطرح غير المباشر: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (سـبأ:24)

وقد يلين: (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً) (مريم:45) وقد يشتد: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً) (الإسراء:102). وذلك كله حسب ما تقتضيه الحال. والسعيد من وفقه الله تعالى لحسن الاختيار.

وقد يسلك مسلك الحجج العقلية أو المنطقية، إذا كان المخاطب ذكياً عاقلاً مثقفاً، طالباً للحق، متبعاً للحجة. وقد يسلك مسلك المؤثرات النفسية والمداراة العقلية، إن كان المخاطب بسيط التفكير، أو ساذجاً.

وقد يتحول الحوار إلى جدل. والجدل نوعان: أحدهما (بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) مع من التزم حدود الأدب. أما سيئ الخلق فله أسلوب آخر: (إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) (العنكبوت:46). بَيْدَ أن المجتمع سيظل في عزلة عن هذا التغيير. ولن يتأثر به، ما لم نتخذ إليه وسائله الصحيحة، وأدواته الصالحة لذلك. وأهمها الصدع المؤكد المكرر العلني بالحقيقة بشقيها: كشفاً عن الحق تارة، وتعرية للباطل تارة أخرى. ويستغرق زمناً قد يطول جيلاً أو جيلين تبعاً لتوفر العوامل والظروف المطلوبة.

إن المحاججات العقلية الباردة لا تغير المجتمع.

والتردد في قول الحقيقة، والدوران حولها دون الطرح الصريح الواضح المباشر، لا يمكن أبداً أن يبلغ هدفه من العقل الجمعي للجمهور. على العكس سيعطي انطباعاً لديهم أن المتكلم خائف جبان متردد؛ ولولا أنه على باطل لما كان كذلك.

لا بد إذن من الجزم الصريح المعلن من صاحب الحق أنه على حق، وأن الآخر على باطل. ولا بد أن يستصحب هذا النوع من الخطاب المؤثرات النفسية التي تبلغ به عقول ونفوس الجمهور.

إن المجتمع لا يتغير بالحجة والمنطق، ما لم تنقع له في إدام المؤثرات والمحركات والإيحاءات العاطفية. وهكذا كان الأنبياء عليهم السلام جميعاً يفعلون. ولن تجد في تاريخ الدعوات الدينية أحداً تمكن من تغيير المجتمع من دون اتباع هذا الأسلوب بشقيه متلازمين: الصراحة العلنية الجازمة المؤكدة المستمرة، والمؤثرات النفسية.

إن العقل الجمعي للمجتمع لا يتغير قط إلا بهذا الأسلوب الذي يجعله يتأثر ويستجيببوعي وبلا وعي، وشيئاً فشيئاً- لدواعي الحق الذي تتغلغل فقراته على مدى الزمن المطلوب حتى يأتي يوم يكون فيه مهيأً للضربة الأخيرة فيسقط الجدار. وقد يكون سقوطه فجأة لطول ما تفاعلت فيه عوامل التغيير مثله كمثل بحيرة ماء تضرب أمواجها جداراً من طين، أو تحفر في ذراته شيئاً فشيئاً. إنه يتصدعولو ببطءحتى يأتي يوم فينهار. وبهذا الأسلوب كذلك تمكن أهل الباطل من نشر أباطيلهم وخرافاتهم وزخارف أقاويلهم ونظرياتهم.

صحيح أن هذا الأسلوب يتسبب في نفرة المجتمع في بداية الأمر، وإثارة المشاكل كما حصل لرسول الله e. ولكن ذلك ليس دليلاً على عدم جدواه. وليس العلاج بالترك والنكوص. ومن قال بذلك فإنه لا يعرف مراحل العلاج أو محطات السير باتجاه الهدف المطلوب.

إن من العلاج ما يثير السخونة أو الشعور بالمرارة أولاً. وقد يسبب التقيؤ أو انقلاب المزاج. ولكن الطبيب يقول: اصبر على هذه الآثار الجانبية، وإلا لن يحصل الشفاء. فالعلاج إذن بالصبر والمصابرة والمرابطة. المشكلة أن الكثيرين لا يريدون أن يتسببوا في مشكلة، ولا يتحملوا الآثار الجانبية للعلاج. ويجعلون من أي حالة عارضة غير مرغوبة دليلاً على الفشل.

وهذه عقبة ما لم نقتحمها ونتجاوزها لنذوق حلاوة عاقبتها فلن نصل إلى الهدف أبداً.

لا تعارض مع التغيير الفردي

إن تطبيق المنهج القرآني من أجل إحداث التغيير الجماعي أو الاجتماعي لا يتعارض مع الدعوة الفردية أو الحوار الخاص وتكوين العلاقات وعقد اللقاءات، كما يبدو لمن ينظر إلى الأمر من خارجه. فلكل أسلوبه ومجاله.

وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الأمرين، بحيث لم يجعل من أحدهما سبباً لإلغاء الآخر أو معارضته. ولم يقف إعلانه بالدعوة عائقا أمام تلك الحوارات واللقاءات.

على العكس فإن الصدع بالحق يحرك السواكن، ويثير العقول، ويدفع النفوس باتجاه النقاش والجدل والحوار، الذي ينبغي أن نستثمره ونجعلهكما أوصى ربنابالحسنى وحسب الضوابط الشرعية. ويؤدي كذلكوبقوةإلى مراجعة الأفكار وإثارة الحوارات الذاتية والمثنوية؛ ما يعطي للأفراد فرصة أكبر للوصول إلى الحقيقة مستقبلاً وتنشيط الدعوة الفردية. فالمنهج القرآني يكسب الفرد والمجتمع، أما المنهج الترضوي فيخسر المجتمع على وهم ربح الفرد. ولكن لا بد من مرور فترة زمنية يأخذ فيها التغيير مستحقه من النضج.

نزيد العدد أم نغير المجتمع؟

قد تؤدي المجاملة على حساب الحقائق المزعجة إلى كسب سريع لعدد من الأشخاص قلوا أم كثروا. هذا صحيح وواقع. وقد يغري هذا العدد البعض من (الدعاة) ويجعلهم يتوهمون النجاح دون أن ينتبهوا إلى أن الثمن المدفوع مقدما مقابل هذا النجاح الموهوم باهض جداً لا تعوضه كل الأرباح المتوهمة؛ لأنه هو المجتمع نفسه! فنكون قد ضيعنا الكل مقابل جزء لا قيمة له: لا من حيث الكمية، ولا من حيث النوعية.

أما الكمية: فما قيمة عشرة أشخاص أو مئة أو ألف أو أقل أو أكثر، في هذا المجتمع المتلاطم؟ إن هذا العدد يمكن الحصول عليه بوسائل أخرى أكثر (هدوءاً) وأبعد عن حصول المشاكل مثل تشجيع الزواج المبكر وتعدد الزوجات دونما داع لهذه الجهود المضنية المزعجة.

لقد تغير في العقود الأخيرة عشرات الآلاف من أفراد الشيعة، وتحولوا إلى سنة. فماذا تغير من المعادلة الاجتماعية؟ وهل أثرت هذه الأعداد على سير المعركة في العراق، أو خففت من المأساة شيئاً؟ لقد ظلت آثارها فردية. بينما كان الشيعة يركزون على التغيير الجماعي، وبالأساليب الجماعية، فغيروا من ديموغرافية بغداد، وواسط وبعقوبة وبابل والبصرة وبلد وتلعفر؛ فكان لذلك أكبر الآثار في الإضرار بأهل السنة، وسير المعركة في غير صالحهم([2]).

وأما من حيث النوعية فإن أغلب هؤلاء الأفراد لم يتغيروا إلى المستوى المطلوب. بل لا زالوا يعانون من رواسبهم القديمة التي يعجز المنهج الترضوي عن إزالتها. فهم معرضون للاهتزاز والارتكاس بمجرد أن يسمعوا كلمة الحق والحقيقة المزعجة.

أفنظل نكتم عنهم هذه الكلمة؟! فما قيمة الاجتماع على الباطل؟!

 

 

[1]يمكن مراجعة تفصيلاتها في كتاب (التشيع عقدة نفسية لا عقيدة دينية).

[2]كتبت هذا الكلام سنة 2001، أي قبل الاحتلال بعامين، في كتاب (لا بد من لعن الظلام).




تغيير المجتمع يبدأ من القمة بعد تكوين القاعدة

 

بعد تكوين ثلة من الأفراد تصلح كقاعدة منظمة قائدة، ينبغي أن يتغير الاتجاه التغييري فيكون من الأعلى إلى الأسفل، أي اعتماد منهجية تغيير قادة ورؤساء ووجوه المجتمع، وأصحاب النفوذ والتأثير فيه، أو الإمساك بمصادر القوة مباشرة لممارسة التغيير. أما الاقتصار على الخطاب الفردي على طول الخط فلن يغير من وضع المجتمع شيئاً.

تشير التجارب التاريخية: الإسلامية وغير الإسلامية، إلى أن التغييرات الاجتماعية بدأت من تغيير الرأس الذي بيده الأمر: ملكاً كان أم أميراً أم شيخ قبيلة. لقد ركز النبي e على دعوة هؤلاء الرؤوس وبدأ بهم، بعد فترة قصيرة هيأ فيها ثلة صالحة لحمل الدعوة. وكان في المواسم يبحث عن رأس يحمله إلى قومه ليبلغ دعوة ربه. وكان بداية التمكين في المدينة إسلام شيخ الأوس سعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير رضي الله عنهما. ثم صار النبي e يبعث الكتب للملوك وشيوخ القبائل. وحين خرجت جيوش المسلمين لتبليغ الرسالة كانت شروطهم: إما أن يسلم الرأس، أو يستسلم فيدفع الجزية ويكون خاضعاً لسلطان الإسلام. وإلا فالسيف هو الحكم بينهما. على أية حال أو شرط، في نهاية المطاف، يكون الأمر والحكم بيد المسلمين، ومن ثم يكون التغيير. وهكذا أسلمت المجتمعات المختلفة.

وانظر إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب من أين ابتدأ؟ لقد ابتدأ من شيخ القبيلة القوي. ولما تخلى عنه الأول، ذهب إلى شيخ قبيلة أخرى، ومن هناك كان التأسيس والمنطلق. والعكس صحيح. فالأندلس رجعت إلى الكفر بالطريقة نفسها. وتغيرت إيران من المجوسية إلى الإسلام، ومن الإسلام إلى التشيع. وهكذا تغيرت المجتمعات من الكفر إلى الإسلام وبالعكس، سواء بالفعل السلمي المدني أو العمل العسكري.

أما القول بأن التغيير يبدأ من الفرد فالأسرة فالمجتمع، فينبغي إعادة النظر فيه، لأخذ ما يصلح منه، وترك ما لا يصلح. فالمجتمع ليس حاصل جمع كمي أو عددي لما فيه من أفراد. إن التفاعل الاجتماعي تفاعل كيميائي لا فيزيائي. إن عنصر الفرد حين يكون في المجموع يحصل له من التغيير والذوبان في الشخصية الجمعية لذلك المجموع، ما يحصل لأي عنصر في الطبيعة عندما يتفاعل كيميائياً مع غيره من العناصر.

المجتمع ناتج تفاعل الأفراد والقوى الناظمة

أما القول بأن التغيير يبدأ من (الفرد فالأسرة فالمجتمع)، فينبغي إعادة النظر فيه لأخذ ما يصلح منه، وترك ما لا يصلح. فالمجتمع ليس حاصل جمع كمي أو عددي لما فيه من أفراد. إن المجتمع عبارة عن ناتج تفاعل بين شيئين أحدهما منظور والآخر مستور، هما:

  1. أفراد المجتمع
  2. الأنظمة والقوانين والأعراف والتقاليد والقوى الأخرى غير المنظورة: داخلية وخارجية.

هذه القوى مجتمعة تسلط ضغطاً على مكونات المجتمع من الأفراد والأسر فتصهرهم، وتجعلهم يتفاعلون فيما بينهم بحيث يكون حاصل التفاعل شيئاً آخر غير الفرد.

التفاعل الاجتماعي أشبه بالتفاعل الكيميائي، لا الفيزيائي، الذي ينتج عنه مركب يختلف كلياً في ذاته وخصائصه عن أي عنصر شارك في إنتاجه. فالماءمثلاًعبارة عن ناتج تفاعل كيميائي بين غاز الأوكسجين وغاز الهيدروجين. ولا يوجد أي شبه بين سائل الماء أو أي صفة من صفاته وبين أي عنصر من العنصرين الغازيين الذين تفاعلا فيما بينهما فتسببا في إنتاجه! إن عنصر الفرد حين يكون في المجموع يحصل له من التغيير والذوبان في الشخصية الجمعية لذلك المجموع، ما يحصل لأي عنصر في الطبيعة عندما يتفاعل كيميائياً مع غيره من العناصر.

الشيعة أكثر استخداماً للأساليب الجماعية

إن سر النجاح المطرد للشيعة على حساب تقهقر أهل السنة هو اعتماد الشيعة في نشر مذهبهم على الأساليب الجماعية في التغيير، دون أن يهملوا التعامل مع الأفراد.

من هذه الأساليب المعتمدة:

  • أسلوب الدعاية والإشاعة، على طريقة غوبلز مدير دعاية هتلر: (اكذب.. اكذب حتى يصدقك الناس) الذي لا يعدو أن يكون قزماً قميئاً أمام عمالقة الكذب والدعاية الشيعية. ومن شواهد ذلك أسطورة بغض السنة لأهل البيت: كيف ثبتت في أذهان جمهور الشيعة، مع أنها لا أساس لها من الواقع البتة!!
  • أسلوب الإيحاء باستعمال مثيرات العاطفة والخيال كالصور والتمثيل وما يسمى بـ(الشعائر الحسينية) من النواح واللطم الجماعي وما يسمى بـ(التشابيه) وهي قصص المآسي التي يمثلونها مسرحياً في الشوارع والساحات العامة في أيام معينة. واستعمال (الملايات) اللواتي يدرن على البيوت حيث تجتمع النساء فتقوم (الملاية) بقراءة أسطورة المقتل على مسامعهن بصوت حزين مع الضرب على الصدور، الذي يتطور إلى نواح ولطم وعويل.
  • أسلوب الاستعراض، مثل مسيرات المشي على الأقدام إلى المراقد في مناسبات خاصة تتكرر على مدار السنة، خصوصاً في محرم وصفر. ومنه بناء القباب الزخرفة على المراقد، ورفع المنارات العالية لها.
  • أسلوب الإعلان بدعوتهم بما فيها من أفكار شاذة وتهجم على الآخرين وتكفيرهم، مع أن أصل دعوتهم باطنية تعتمد على مبدأ (التقية)!
  • أسلوب الهجوم المكشوف (ومنه السب والتشهير)، والابتعاد عن أسلوب الدفاع
  • أسلوب التهجير والتطهير العرقي ومضايقة المخالفين من أهل السنة. وهذا قد حصل في إيران ولبنان والعراق وغيرها.
  • أسلوب التخويف وإرهاب المخالف وتشكيل عصابات القتل والغدر والاغتيال على مر التاريخ. وبهذا أسكتوا الخصوم، وتسببوا في إصابتهم بعقدة (الرُّهاب Phobia) التي لم يسلم منها أشجع الرجال. وهي السبب في المجاملات والمداهنات السنية للشيعة. وهذا هو الذي أضاع الحق على عامة الناس، الذين لم يعودوا يدركون حقيقة الخطر ما داموا يسمعون من علمائهم عبارات التقريب الرنانة التي من أشهرها: (لا فرق بين شيعي وسني) وهي عبارة مجملة موهمة قد تسوغ في المزايدات السياسية، وليس في دائرة الدين القائمة على الوضوح والحق المبين. فسكت من سكت، وهاجر من هاجر. ومن بقي ذاب إلا من رحم، خصوصاً مع التضييق عليهم في أرزاقهم وأشغالهم. ومن أبرز الأمثلة الناجحة على هذا الأسلوب في تاريخ الشيعة ما فعله الصفويون في إيران، وقتلهم الذريع لأهل السنة وإرعابهم وتشريدهم حتى تحولت إيران بفعل هذا الأسلوب من دولة سنية إلى أخرى شيعية. ولم يشغلوا أنفسهم بأي نقاش علمي، أو مناظرة كلامية أو غيرها من الأساليب العقلانية التي لا نحسن غيرها، هذا والماءكما يقاليجري من تحتنا.
  • أسلوب الهجرة والتوطين، أو الغزو السكاني الجماعي للمناطق السنية. فقضاء الزبير في البصرة لم تتغير صبغته السنية الصافية بسبب تحول أهله إلى شيعة، وإنما صار أهل الناصرية والعمارة وغيرهم يتحولون فيسكنون فيه بالجملة. وهكذا فبعد أن كان قضاء الزبير قبل أربعين سنة منطقة سنية مغلقة صار اليوم ما يقارب الأربعين بالمائة (40٪) من أهله شيعة. فهذا أسلوب تغييري جماعي ناجح غفلنا عنه وانشغلنا متفاخرينبسذاجة نحسد عليهابنتائج التغيير الفردي!

ونجح الشيعة في أسلوبهم هذا أيما نجاح خصوصاً في العاصمة بغداد قلب العراق وشريان العروبة النابض. فقبل خمسين عاماً لم تكن نسبة الشيعة في بغداد تتجاوز السدس ارتفعت النسبة اليوم إلى ما يتجاوز الثلث.

وبالأسلوب النفساني، لا العقلاني، تغير قضاء تلعفر في الموصل من أغلبية سنية شبه كاملة (أكثر من 95٪) في منتصف القرن الماضي، إلى أغلبية ضعيفة اليوم (70٪) وقد بدأ تشييعها في عام 1947 عندما استلم رئاسة الوزارة في العراق (محمد الصدر) والذي تسلم (عام 1949) رئاسة مجلس الأعيان.

والآن هل انتبهت إلى قصور النظرية القائلة: (نغير الفرد فالأسرة فالمجتمع)؟ وتبينت أن قاعدة للتغيير هي بالمقلوب: نغير المجتمع فيتغير الجميع؟

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

6521740849391641416

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث