المرأة في مشروعنا - في القرآن، في حياة النبي، أصل واحد
المرأة في القرآن الكريم
في الصفحات الأولى منه يروي لنا القرآن الكريم قصة الخليقة، فإذا هي تبتدئ باثنين: أحدهما امرأة. كما ابتدأت قصة الإسلام باثنين: أحدهما امرأة. فكيف عرض هذا الكتاب العظيم روايته الخالدة عن المرأة؟ إليك بيانَها باختصار.
النظرة الشمولية الواقعية
منح القرآن الكريم المرأة اهتماماً كبيراً، وأفرد لها منه مساحات تليق بذلك الاهتمام الكبير، تناولت الحديث عن إنسانيتها ومنزلتها والأحكام الشرعية المتعلقة بها، ووظيفتها الاجتماعية في البيت وخارجه، والدور الذي اضطلعت به بعض الشخصيات النسوية عبر التاريخ. لقد أفرد القرآن للمرأة سورة كاملة هي إحدى (السبع الطوال) وسماها سورة (النساء)، كانت الثالثة من بينها بعد سورتي (البقرة وآل عمران)، اللتين ما كان لهما إلا أن يتصدرا كوكبة سور القرآن الكريم بعد فاتحته أو مقدمته المختصـرة. كما دافع عنها ونهى عن ظلمها وحرم إيقاع الأذى بها، وسن لذلك التشريعات الضامنة. وفي حديث النبي عليه الصلاة والسلام وصايا وبيانات مهمة.
كان القرآن العظيم واقعياً؛ فكان شمولياً في نظرته للمرأة بحيث قام بتغطية الأدوار التي يمكن أن تؤديها في الحياة الاجتماعية، وعرض المرأة أمام القارئ في صورها المتعددة التي هي عليها في المجتمع، ولم يقتصر على دور واحد أو أدوار مجتزأة ليُغفل بقية الأدوار. ففي موضع تجدها ملكة تقود بحنكة وبصيرة وتؤدة كبلقيس. وفي موضع تبدو لك في صورة سياسية حكيمة كالسيدة أم موسى، تنفذ الدور المنوط بها وتستثمر الفرص التي يهيئها القدر لها أتم استثمار. وفي موضع ثالث تظهر لنا في صورة المرأة الربانية، الناسكة المتعبدة كالسيدة مريم رضي الله عنها. التي يهيئها القدر ليُنشّأ في كنفها إنسان عظيم. وتأتيك رابعةً فإذا هي عاملة تخرج من بيتها لتُسند الرجل في طلب الرزق حين يعجز عن أداء المهمة، كفتاتي مدين… وهكذا.
السيدة أم موسى
تعلمنا آيات القرآن وآيات الأكوان أن الله تعالى يهيئ الأجواء المناسبة لتنفيذ العمل مثل الشتاء لزراعة القمح والصيف لنضوج التمر. ثم ينظر إلى عبده كيف يعمل؟ في هذه المرحلة يكون البدء من العبد. فإذا بادر أدركته إعانة الرب، مسلماً كان أم كافراً، لكن إعانة المسلم فيها بركة وعناية تفتقر إليها إعانة غيره. وإذا تأخر تركه وشأنه. أما أن الله يتولى عن العبد فيقوم له بعمله فهذا ليس من شأن السيد؛ فكيف بالسيد الأعلى ؟!
في هذا الإطار الحكيم نفهم قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص:7). ولك أن تتابع بقية الآيات هناك لترى كيف تجلت السياسة الحكيمة في امرأة من خلال تنفيذ ذلك الإلهام الرباني وتجسيده على أرض الواقع (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (القصص:11)… إلى آخر ما جاء مختصراً من بيانات الحدث في هذا الموضع، ليترك للقارئ تصور ما يلزمها من تفاصيل.
وبقيت المرأة تلازم سيدنا موسى عليه السلام. وسيأتيك نبأ فتاة مدين.
السيدة مريم .. رمز الطهر ومثال الفخر
من أوائل الشخصيات النسوية التي مجد القرآن الكريم سيرتها إلى درجة جعلت بعض علماء الإسلام يقولون بنبوتها، مريم بنت عمران ر، أم النبي العظيم عيسى u، الذي نسبه الله تعالى إلى أمه أكثر من (20) مرة في كتابه. واستغرق ذكر قصتها وكراماتها في سورة (آل عمران) وغيرها من السور مساحة واسعة، بل أفرد القرآن لها سورة سماها باسمها هي سورة (مريم). هذا وما زالت بعض مجتمعاتنا الإسلامية تخجل من ذكر اسم الأم، فضلاً عن الزوجة والأخت والبنت؛ وكأنه عورة تستر، وزنَمة ينبغي أن تبتر!
لا يا أيتها المرأة! ارفعي رأسك، واسمعي ما سأقوله لك.
إن من أعجب ما لاحظته في هذا الكتاب العظيم وهو يتحدث عن المرأة في شخص السيدة مريم قولَه I: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) (التحريم:12). ………………….. .
أرأيتِ أيتها المرأة! ورأيت أيها الرجل!
ولا تنسَي، ولا تنس، أن هذا التشريف جاء مقترناً بقوله Y: (أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا)!
كما لا تنسيا أن نتيجة هذه التربية وهذا الطهر كان أحد أنبياء الله العظام عليهم السلام، بل أحد الكواكب الخمسة التي تميزت من بين تلك الكوكبة التي أنارت الوجود، كل الوجود. ألا وهو المسيح u! وأن هذه العائلة التي برز من بينها ذلك الكوكب الدري ابتدأ تكوينها بامرأة بلغت بها ربانيتها منزلة، كان أحد تجلياتها (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (آل عمران:35،36). وكان جزاء هذا الصنيع الجميل – إضافة إلى القبول – أن جعل ربها Y وكل تربيتها إلى نبي من أنبيائه إذ يقول: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران:37). واهتز زكريا لما رأى فلم يملك سوى أن يتوجه بقلبه إلى ربه ويتمتم لسانه بهذه الكلمات: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) (آل عمران:38). فكان يحيى u أحد الذين اصفوا للاحتفاء بمطلع ذلك الكوكب (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (آل عمران:34). وكانت البداية امرأة قررت فقالت: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (آل عمران:35). فكان الجواب فوق ما تسامى إليه رجاؤها!
ما دمت قد أديت ما عليك، دع الأقدار تتولى ما بدأتَ وترعى ما استأمنتَ. أم لم يأتك خبر (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا)!
ملكة (سبأ).. المرأة الحاكمة الحكيمة
وتأتي ملكة (سبأ) ليضرب بها القرآن الكريم مثالاً رائعاً للمرأة الحاكمة الحكيمة، فكانت قصتها مع نبي الله سليمان u شاهداً من الشواهد الدالة على السياسة البارعة، ممثلةً بامرأة، في تعامل الحاكم مع القوى العالمية وكيفية استثمارها في سبيل نفع شعبه وتجنيب بلاده ويلات الحروب والاحتلال. ولو كانت سياسة حكام العراق، وهم رجال، بمستوى سياسة السيدة بلقيس، وهي امرأة، ما احتل العراق وآلت الأوضاع فيه إلى أسفل سافلين.
فتاة مدين
لست في صدد استقصاء شواهد اهتمام القرآن الكريم بالمرأة، ولكن لا أريد أن أغادر الموضوع قبل أن أشير إلى دور ابنتي العبد الصالح، اللتين وجدهما سيدنا موسى u تذودان أغنامهما حتى يصدر الرعاء، وما في ذلك من إبراز جمال الحياء تاجاً على رأس المرأة الصالحة: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) (القصص:25)، وأن الحياء لا يمنعها من العمل بشرف عند الحاجة: (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) (القصص:23). كما أن العمل وحسن الأداء فيه لا ينبغي أن يكون على حساب قيمة الحياء.. ذلك الجمال المكتمل بهالة الهيبة والجلال: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) (القصص:23).
ثم تأمل كيف تلطفت (إحداهما) فاقتنصت فرصتها بالاقتران بالرجل الذي أعجبها فقالت: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص:26). فجمعت بين الحياء وبين عرض الرغبة، فلم يمنعها حياؤها من بيان ما أرادت، ولم تخرجها رغبتها إلى التخلي عن حيائها. ولا يستبعد أن يكون هذا هو ما عناه سيدنا موسى u بقوله حين (سَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (القصص:24). فكانت الاستجابة مباشرة: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي) (القصص:25)!
هي جاءته ولم يذهب هو إليها.
وهنا يأتي دور الأب في التقاط الإشارة ليعين ابنته على الاحتفاظ بذلك التوازن الجميل بين الحياء ومكنونات نفسها المشروعة، وتشجيعها على البوح بما في ذات نفسها من ذلك، كما فعل العبد الصالح إذ أدرك بذكائه اللماح ما رمت إليه ابنته فعرض الأمر على ضيفه قائلاً: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (القصص:27). وربما لهذا السبب جاء اللفظ الذي استعمله القرآن في عرض الزواج من قبل الأب (تأجرني)، مشابها للفظ الذي استعملته ابنته في اقتراحها العمل (استأجره).
لا بد هنا من بيان أن امرأة موسى u يتجلى فيها دور الساند المكمل لدور الرجل؛ فالحياة لا تقوم على القائد المتفرد فحسب. وهذا الدور أساسي لا ثانوي في كل عمل. ومعظم الرجال العظماء المؤثرين في المجتمع لم يكونوا قادة متفردين بل كانوا أعواناً ساندين. ومن هنا يبدأ سلّم القيادة. فإن لم تكن قائداً فكن سنداً للقائد. وإن لم تكن مبدعاً فكن ناقلاً للإبداع.
هكذا وزع الله تعالى الطاقات والقابليات على عباده: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف:32).
على أن امرأة موسى كانت من طراز الساند المبادر. والمبادرة سمة قيادية، تمنح صاحبها الفرصة للبناء عليها من أجل تطوير الذات وتنمية الصفات وتهيئة الأدوات.
حضور المرأة في مسيرة الأنبياء عليهم السلام
كانت المرأة حاضرة في مسيرة الأنبياء عليهم السلام مثل أبينا آدم e وزوجه حواء رضي الله عنها. وأبي الأنبياء إبراهيم u في شخص زوجه التي خاطبتها الملئكة فقالت لها: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (هود:73). كما كانت موجودة بقوة في حياة النبي موسى u من خلال أمه وأخته وزوجه وأختها. وكذلك في حياة غيرهم من الشخصيات العظيمة التي تناولها القرآن العظيم، تكملها وتجملها وتبارك فيها عنصراً أساسياً من عناصر التكميل والتجميل والبركة المتبادلة بين الطرفين. وفي مواضع ومواقف أُخرى. لكنني لست في مقام الاستقصاء أو الإحصاء؛ فأكتفي بهذا القدر.
حين تخطئ المرأة
لم يتجاهل القرآن العظيم أن المرأة بشر، ومن لوازم البشـرية الوقوع في الخطأ مهما كان المرءُ عظيماً، إذ ليس من شرط العظمة النقاء حد العصمة. وذلك لتكتمل الشخصية في صورتها الطبيعية. وهذه هي طريقة القرآن الثابتة في تناول سيرة الرجال أيضاً، فهو يعرض الإنسان كما هو بجانبيه حتى وهو يتناول بالذكر أفضل الخلق الأنبياء عليهم السلام. وذا ما يفتقده المنهج الشائع اليوم، إذ يَعرض سيرة العظماء من جانبها القوي ويبالغ فيه، بينما يتناسى الجانب الضعيف ويُعرض عنه. وذلك من أسباب الخلل التربوي، والفشل القيادي؛ إذ يتطلب الناس قادة أسطوريين لم تشهد الأرض يوماً وجودهم على ظهرها! وحين لا يرون بين ظهرانَيهم مثل هذا المخلوق الأسطوري يكون الإحباط فالانفضاض فالفشل.
ومن أحكم ما فعل القرآن الحكيم في هذا السياق أنه أنزل هذه الصورة الثنائية على النساء القدوة في بيت النبوة في مواضع عدة منه. فكانت سورة (التحريم) أحد الشواهد. وهذا يعزز ثقة المرأة بنفسها، ويقلل من منسوب تضخيم الخطأ إذا صدر من المرأة مقارنة بالرجل.
نساء النبي صلى الله عليه وسلم
أما نساء النبي e فقد منحهن الله تعالى أعظم المراتب إذ قال سبحانه في حقهن: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) (الأحزاب:32). وحفل القرآن بكثير من أخبارهن ومواقفهن وذكر جوانب من العلاقة الرابطة بينهن وبين النبي e كزوج وكنبي.
وفي سورة (الأحزاب)، التي هي بحق سورة أمهات المؤمنين، وسورة (التحريم)، وغيرهما من السور، دلائل وبينات على التعامل الكريم، والاستقرار النفسي الذي كان يسود بيت النبي e، ورفرفات السعادة التي كانت تحوطه وتزينه. يكفي أن تقف عند هذه الآية: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) (التحريم:3)! لم يشتد في تأنيب زوجته التي لم تحافظ على سره، ولم يسرد على مسمعها كل الحديث بل اكتفى بما يؤدي المقصود منه وأعرض عن بقيته احتراماً لمشاعرها ومداراة لحيائها وخجلها، ورفقاً بتلك القارورة أن تكسرها لمسة ضغطت عليها أكثر مما تحتمل زجاجتها. وقد يغاضب النبي زوجاته فيكتفي بالانسحاب وترك البيت لهن. ولو فعله واحد منا اليوم لربما عيروه ونبزوه.
يروي البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب t وقد سأله ابن عباس رضي الله عنهما عن المرأتين من أزواج النبي e، اللتين قال الله لهما: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) فقال: كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصحت على امرأتي فراجعتني، فأنكرتُ أن تراجعني، فقالت: ولمَ تنكرُ أن أراجعك، فوالله إن أزواج النبي e ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل). وفي سياق الحديث يذكر عمر اعتزال النبي e نساءه جميعاً شهراً واعتكافه في مشـرُبة (أي غرفة). يقول: فدخلت عليه، فإذا هو مضطجع على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه، متكئ على وسادة من أدَم، حشوها ليف، فسلمت عليه، ثم قلت وأنا قائم: طلقت نساءك؟ فرفع بصره إلي، فقال: (لا ولكني آليت منهن شهراً). والحديث طويل. وفي رواية لمسلم: فدخلت على رسول الله e وهو مضطجع على حصير. فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره. وإذا الحصير قد أثر في جنبه. فنظرت ببصري في خزانة رسول الله e، فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع. ومثلها قرظ (أي ورق شجر يدبغ به) في ناحية الغرفة. وإذا أَفِيق (جلد لم يُدبغ) معلق. قال: فابتدرت عيناي. قال:”ما يبكيك يا ابن الخطاب؟”قلت: يا نبي الله! وما لي لا أبكي؟ وهذا الحصير قد أثر في جنبك. وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى. وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله e وصفوته. وهذه خزانتك. فقال: “يا ابن الخطاب! ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟”، قلت: بلى.
وهذا ما كان يفعله أحياناً بعض أصحابه حين يتعسر الخلاف بينه وبين زوجه، فيروي الشيخان عن سهل بن سعد قال: جاء رسول الله e بيت فاطمة، فلم يجد علياً في البيت، فقال: (أين ابن عمك)؟ قالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني فخرج، فلم يقِل عندي. فقال رسول الله e لإنسان: (انظر أين هو)؟ فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد. فجاء رسول الله e وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله e يمسحه عنه ويقول: (قم أبا تراب، قم أبا تراب).
وما قيدته هنا إنما هو إطلالة خاطفة، أشرت بها سريعاً إلى مدى اهتمام هذا الدين بشأن المرأة، وحضورها الكبير في صناعة الأحداث ورسم تاريخ البشرية منذ بداية الخليقة إلى زمن تنزل القرآن.
وللرجال عليهن درجة
أخبر جل جلاله في كتابه الكريم أن للرجال على النساء درجة فقال: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة:228). فما هذه الدرجة؟ هل هي درجة كرامة إنسانية؟ أم درجة وظيفة اجتماعية أنيطت بكل منهما تبعاً للتفاوت فيما جبل عليه كل جنس من مقومات تلك الوظيفة؟ لا شك أن معنى الدرجة يتعلق بالوظيفة أو الدرجة الاجتماعية، لا بالكرامة أو الدرجة الإنسانية. ولذلك عند التطبيق والتفصيل أبعاد متعددة. فالراجح من سياق الآية وهو الحديث عن الطلاق وأحكامه أن الدرجة هنا تتعلق بحق الرجل في رد زوجته المطلقة إلى عصمته ما دامت في فترة العدة. ومن أجمل ما قرأت في لطائف الآية قول ابن عباس: “الدرجة إشارة إلى حض الرجال على حسن العشرة، والتوسع للنساء في المال والخُلق؛ فالأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه”.
وفي قوله تعالى: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (النساء:32) ما يشير إلى معنى تلك (الدرجة) إذا فسرناها بالتفضيل الوارد في الآية، وهو التفاوت في الميراث بين الرجل والمرأة بناء على أسباب موضوعية اقتضت هذا التفضيل. وهو تفضيل يتعلق بالناحية المادية لا بالدرجة الإنسانية. كما يعطى الوزير نصيباً أكثر من المدير. علماً أن التفاوت في المقدار يكون تارة لصالح الرجل وتارة لصالح المرأة. وسنبين هذا لاحقاً، مع ذكر أسبابه وأمثلة عليه باختصار.
وفي قوله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) (النساء:34) ما يشير إلى أن (الدرجة) لها بعدٌ ذاتي مغروس في الجِبِلَّة، جاء التعبير عنه بقوله تعالى: (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، وبعدٌ مادي عبر عنه بقوله: (بِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ). والبعد الذاتي المتعلق بالقوامة وهي القيادة بشقيها: الصلاحية والمسؤولية؛ لأن (القوّام) هو “الذي يقوم على شأن شيء ويليه ويصلحه”([1]). هذا البعد يعني وجود عناصر فطرية جِبلّية مؤهلة للقوامة عند الرجل أكمل مما هي عند المرأة.. من القوة العقلية السالمة نسبياً من المعارض (الذي هو العاطفة)، والقوة البدنية التي فرضت القتال على الرجل دون المرأة.. وذلك لكي يتمكن من القيام بأعباء القيادة.
إن هذين البعدين: الذاتي والمادي يتفاوت فيهما حتى الرجال فيما بينهم؛ فليس كل الرجال على نسق واحد في القوتين: العقلية والبدنية. بل إن كثيراً منهم ينزلون إلى دون ما لدى المرأة خصوصاً في المؤهل العقلي. لكن الآية تقارن بين الطرفين كجنس مقابل جنس، لا كفرد مقابل فرد. وذلك يفسح مجال التنافس أمام الجميع دون استثناء؛ فإن قيمة الكرامة – في النهاية – تتعلق عند حسابها بالفرد كلاً على حدة، وهي قائمة على التقوى، والتقوى لا يعلمها إلا الله جل في علاه.
أما الحكمة الاجتماعية من وراء ذلك، فتبرز من إدراك أن هذه العناصر الجبِلِّية تتعلق بشيئين:
- قيادة البيت.
- وحماية من فيه، ومنهم المرأة.
والقيادة تقوم في الغالب على التفوق العقلي، وهو متحقق في جنس الرجال أكثر من جنس النساء. لأن القيادة خيار بين المرأة والرجل ولا ثالث لهما، وقد اقتضت حكمة الخلق أن تكون القيادة للرجل؛ فكان ينبغي أن تكتمل عناصر العقل فيه أكثر مما في المرأة. على أنه ينبغي هنا التمييز بين العقل والذكاء. فالذكاء كمية والعقل نوعية، والذكاء ثمرة والعقل شجرة، والذكاء بيانات والعقل برمجة، وقوة البيانات ببرمجتها لا بكثرتها. علاوة على ذلك فقد سلم عقل الرجل – نسبة إلى عقل المرأة – مما يعارضه من طغيان العاطفة. لهذين السببين: قوة العقل في ذاته، وسلامته النسبية من المعارض كان التفوق في هذا الجانب لصالح الرجل. وأما الحماية فتقوم على قوة البدن. وتفوق الرجل في هذا الجانب من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى بيان.
وليس في ذلك خرم للدرجة الإنسانية لصالح الرجل على حساب المرأة؛ فإن الرجال أنفسهم يتفاوتون فيما بينهم من الناحية البدنية والعقلية. لهذا كان استحقاق القيادة العسكرية لمن بذّ أقرانه فيهما كما قال Y: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:247). وأما السياسة والحكم فيشترط لقيادتها بسطة العلم، وتكمل ببسطة الجسم.
[1]– التحرير والتنوير، ص38، محمد الطاهر ابن عاشور. الدار التونسية للنشر، تونس 1984.
المرأة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (حبب إلي من دنياكم: النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة)([1]). وفيه – إن صح – التنبيه على منزلة المرأة وحضورها الكبير في حياة الرجل. وأن العلاقة بينهما علاقة حب بلغ من رقيه ورقته ما أهله أن يُقرن بالطيب! ولا يخفى على الفهم الدقيق والذوق الرفيع ما بين الاثنين: المرأة والطيب من تلازم.
أمنا خديجة .. الاستقلالية والشخصية والرأي السديد
كان حضور أمنا خديجة رضي الله عنها بارزاً في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، وتأسيس دولة الإسلام منذ أن بادرت هي فعرضت نفسها عليه كزوجة بواسطة صديقتها نفيسة بنت أُمية فذهبت هذه إليه وكلمته فقالت: يا محمد ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: ما بيدي ما أتزوج به. قالت: فإن كفيت ودعيت الى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال: فمن هي؟ قالت: خديجة. قال: وكيف لي بذلك؟ قالت: عليّ. قال: فأنا أفعل. وفي هذا درس بليغ في استقلالية المرأة، وقوة شخصيتها، واحترام رأيها، وبطلان الحجر عليها في اختيار شريكها، ومعاملتها من قبل معظم المجتمعات الإسلامية اليوم شخصاً ناقص الأهلية في نفسها، وقد يتعدى نقص الأهلية إلى مالها.
في هذا الزواج المبارك شاهد لاستقلالية المرأة، لا سيما الثيب الرشيدة، في اختيار زوجها، وشرعية سعي المرأة للاقتران بمن تراه أهلاً لها. كما أنه يشير إلى أن المرأة كان لها في المجتمع القريشي الجاهلي شأن أعلى من شأنها اليوم في بعض الأوساط العربية والإسلامية، التي تحجر على المرأة في اختيار زوجها. إننا نربأ بأنفسنا عن هذه الثقافة المخالفة للشـرع وللإنسانية، ولا يصلح في مشروعنا السني من لم ينخلع من رواسبها، ويسعَ في علاجها وإصلاحها.
ثم انظروا إلى كمال عقل أمنا خديجة رضي الله عنها كيف استدلت على نبوته بأمرين: سيرته العطرة وقرائن الحدث. وإذا كان الصديق آمن بالنبي دون تردد، فإن خديجة آمنت بنبوته والنبي e ما زال متشككاً فيها فقالت له، كما يروي الإمام البخاري عن عائشة ر: (كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكـَل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله e خبر ما رأى، فقاله له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله به على موسى).
ثم نصرته بمالها ونفسها وهيأت له البيت الهادئ الملائم لحامل قضية؛ ولذلك أكرمها الله تعالى وجازاها من جنس عملها؛ فقدروى البخاري عن أبي هريرة t قال: أتى جبريل النبي e فقال: (يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب). لأن البيت الذي هيأته له كان خالياً من الصخب سواء منها أو من أطفالها، وبعيداً عن النصب أو التعب فقد كانت رضي الله عنها حريصة على إسعاده وعدم إيذائه أو إرهاقه بشيء.
وتأمل حبه عليه الصلاة والسلام ومدى وفائه لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذنت هالة بنت خويلد، أخت خديجة، على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك، فقال: (اللهم هالة). رواه البخاري. هل تأملت كيف استفزت مشاعر النبي حين سمع صوتاً يشبه صوت خديجة (فارتاع)، انظر إلى هذه الكلمة المشحونة بالحب والحنين والوفاء وجيشان العاطفة واستفزازها: (فارتاع)!
وكانت علاقة النبي بخديجة مثالاً عالياً لوفاء الزوج لزوجته، حتى إنه كان يكرم – بعد موتها – صديقاتها إكراماً لها. يروي الشيخان عن عائشة. قالت: ما غرت على نساء النبي e إلا على خديجة. وإني لم أدركها. قالت: وكان رسول الله e إذا ذبح الشاة فيقول “أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة”. (وفي لفظ: ثم يُهديها إلى خلائلها) قالت: فأغضبته يوماً فقلت: خديجة؟ فقال رسول الله e: “إني قد رزقت حبها”. وظل النبي يذكرها إلى آخر يوم في حياته: (آمنت بي اذ كفر الناس وصدقتني اذ كذبني الناس وواستني بمالها اذ حرمني الناس ورزقني الله ولدها اذ حرمني أولاد النساء)([2]).
المعاملة الزوجية الراقية
هذا وكانت معاملة النبي لنسائه في غاية السمو والرفعة والاحترام، وسيرته شاهدة بذلك. يكفي في تصور ذلك قول أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها: (ما ضرب رسول الله e شيئاً قط بيده، ولا امرأةً ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله. وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه. إلا أن يُنتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل) رواه مسلم. وفي حديث الأفك شاهد عظيم آخر، فقد اتهمت عائشة من قبل المنافقين ومن سمع لهم من المؤمنين، وكثر القيل والقال، فكان تصـرف النبي e سامياً حكيماً. احترم مشاعر زوجته فلم يواجهها بالتهمة قط، إنما سأل وتبين فلم يثبت له شيء. حتى نزلت براءتها من السماء. وتنظر إلى الواقع فتقول: كم من البريئات قتلن بسبب قالة أو شائعة بذريعة ظالمة مخترعة اسمها (غسل العار). أي غسل العار عن الغير من الأهل والعشيرة، أما المرأة فكأنها لا وجود لها ولا اعتبار، فتدفع حياتها ثمناً لغيرها.
أمنا أم سلمة .. وشورى النساء في الإسلام
كان e يستشير نساءه في أمور تطيش عندها أحلام الرجال! ففي صلح الحديبية يكون النبي في وضع حرج يقول لأصحابه، كما روى الإمام أحمد بسنده عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي الله عنهما: (يا أيها الناس انحروا واحلقوا)، فما قام أحد. ثم عاد بمثلها، فما قام رجل حتى عاد بمثلها، فما قام رجل. فماذا فعل؟ ومن استشار؟ دخل على أم سلمة فقال: (يا أمَّ سلمة! ما شأن الناس)؟ قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تكلمن منهم إنساناً، واعمد إلى هديك حيث كان فانحره، واحلق فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكلم أحداً حتى أتى هديه فنحره ثم جلس فحلق، فقام الناس ينحرون ويحلقون. قال العلماء: وفي ذلك دليل على استحسان مشاورة المرأة الفاضلة ما دامت ذات فكر صائب ورأي سديد، كما أنه لا فرق في الإسلام بين أن تأتي المشورة من رجل أو امرأة، طالما أنها مشورة صائبة.
حضور المرأة أخطر اجتماع في تاريخ الإسلام
من المواقف التي تُشَكل معلماً بارزاً من معالم تقدير الإسلام لدور المرأة، حضور امرأتين، هما أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية، وأم منيع أسماء بنت عمرو رضي الله عنهما، أخطر اجتماع في تاريخ تأسيس الدولة الإسلامية وهو بيعة العقبة الثانية، الذي شدد النبي e غاية التشدد في إحاطته بالسرية. ناهيك عن مشاركة المرأة في حروب النبي مقاتلةً وممرضةً ومطعمةً وساقيةً.
الحجاب أم العزل .. إذا أُمنت الفتنة ؟
ورد في السنة النبوية من رواية الشيخين عن سهل بن سعد الساعدي قال: (لما عرس أبو أسيد “مالك بن ربيعة” الساعدي دعا النبيَّ e وأصحابه، فما صنع لهم طعاماً ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد. بلّت تمرات في تَور (إناء) من حجارة من الليل، فلما فرغ النبي e من الطعام أماثته له فسقته، تتحفه بذلك. فكانت امرأته يومئذ خادمهم وهي العروس). وتنظر إلى بعض المجتمعات فتجد العزل الكامل بين الرجال والنساء؛ حتى لكأن الناس لا يظنون ببعضهم إلا السوء. وحتى كأن الرجل لا يرى من المرأة إلا أنوثتها، ولا المرأة من الرجل إلا ذكورته!
وروى أحمد في (المسند) بسنده عن عياض بن غطيف، قال: “دخلنا على أبي عبيدة بن الجراح نعوده من شكوى أصابته وامرأته تُحَيفَةُ قاعدة عند رأسه. قلتُ: كيف بات أبو عُبيدة؟ قالت: والله لقد بات بأجرٍ…”([3]).
إن هناك فرقاً بين السفور المنهي عنه وبين الاختلاط المسؤول أو المحسوب مع ارتداء الحجاب الشرعي وخارج نطاق الخلوة، لا سيما بين الأقارب والأصدقاء. كما نرى أن هناك فرقاً بين الحجاب والعزل التام. فوجوب الحجاب لا يلزم منه العزل ما دامت الخلوة منتفية. وقد تمعنت في أدلة القائلين بالعزل المطلق فوجدتها خارج نطاق الشروط التي ذكرناها للقاء المشترك. وما يدّعى من نسخ حديث أبي أسيد فلا يتم إلا بتكلف ظاهر. سيما وأن الحجاب شيء والعزل شيء آخر. فلا حاجة لاستنزاف الجهد في محاولة إثبات وقوعه قبل تشريع الحجاب.
وفي الصحيحين وغيرهما: عن عمر بن عبد الله بن الأرقم أن سبيعة بنت الحارث أخبرته: أنها كانت تحت سعد بن خولة، وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدرا، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك، رجل من بني عبد الدار، فقال لها: ما لي أراك تجملت للخطاب، ترجين النكاح، فإنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت، وأتيت رسول الله e فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي([4]).
على أننا لا نرى جواز اختلاط الذكور والإناث في المدارس – مثلاً – على اختلاف مستوياتها، وفي عامة الدوائر إلا لضرورة تقدر بقدرها.
ولا يسعنا الخوض في هذا الموضوع بأكثر مما قدمنا؛ لأن صفة المنهجية تستلزم الابتعاد عن الخوض في الفروع قدر الإمكان، إلا بما لا يتعارض مع المنهجية، لا سيما الفرعيات التي يشتد فيها الخلاف.
[1]– أخرجه أحمد وغيره عن أبي هريرة. وصححه الألباني في (صحيح الجامع). والحديث مختلف في صحته، ويروى أيضاً بزياد (حبب إلي من دنياكم ثلاث…)، وهي لا تصح.
[2]– رواه أحمد وغيره عن عائشة، وصححه شعيب الإرنؤوط (المسند:41/356).
[3]– حسنه شعيب الإرناؤوط (المسند:(3/220).
[4]– قال الألباني (سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، 6/494، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى. 1416هـ – 1996م): فما رأي المتحمسين للقول بأن المرأة كلها عورة دون استثناء في هذا الحديث الصحيح، وما ذكره الحافظ من الفائدة؟ لعلهم يقولون، كما هي عادتهم في مثل هذا النص الصريح: كان ذلك قبل نزول آية الحجاب! فنجيبهم: رويدكم! فقد كان ذلك بعد حجة الوداع كما في (الصحيحين) فهل من مدكر؟
أصل واحد وطبيعة متجانسة
يقول جل جلاله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) (النساء:1).
المرأة والرجل إذن جنس واحد وكينونة واحدة، بعضها من بعض؛ كما قال سبحانه في آية أُخرى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) (آل عمران:195)، لا ميزة لأحدهما على الآخر، إلا في مسائل اقتضتها خصوصية الوظيفة هي للتكامل أقرب منها للتمايز. فتفاوت الخلق في الإمكانية لا يعني تفاضلهم في الإنسانية. والرجل والمرأة في الإنسانية سواء وإن تفاوتوا فيما دون ذلك؛ والبيت سكن ودعة لا ساحة نزال أو حلبة مصارعة!
أما الفارق المشاهد ففي الاستعداد والوظيفة – كما يقول سيد قطب – لا في الأصل والفطرة. ويضيف: إنها إنسان خلقت لإنسان، ونفس خلقت لنفس، وشطر مكمل لشطر. وإن الرجل والمرأة ليسا فردين متماثلين، إنما هما زوجان متكاملان. شاء الله أن يجعلهما شطرين للنفس الواحدة. والمنهج الرباني القويم يرد البشرية إلى هذه الحقيقة البسيطة بعد ذلك الضلال البعيد… وأراد بالتقاء شطري النفس الواحدة – بعد ذلك – فيما أراد، أن يكون هذا اللقاء سكناً للنفس، وهدوءاً للعصب، وطمأنينة للروح، وراحة للجسد.. ثم ستراً وإحصاناً وصيانة.. ثم مزرعة للنسل وامتداد الحياة، مع ترقيها المستمر، في رعاية المحضن الساكن الهادئ المطمئن المستور المصون…
ومن تساوي شطري النفس الواحدة في موقفهما من اللّه، ومن تكريمه للإنسان.. كان ذلك التكريم للمرأة، وتلك المساواة في حقوق الأجر والثواب عند اللّه، وفي حقوق التملك والإرث، وفي استقلال الشخصية المدنية… ومن أهمية التقاء شطري النفس الواحدة لإنشاء مؤسسة الأسرة. ومن ضخامة تبعة هذه المؤسسة: أولاً: في توفير السكن والطمأنينة والستر والإحصان للنفس بشطريها، وثانياً: في إمداد المجتمع الإنساني بعوامل الامتداد والترقي.. كانت تلك التنظيمات الدقيقة المحكمة التي تتناول كل جزئية من شؤون هذه المؤسسة. إ.هـ.
قانون الزوجية الكوني
في القرآن الكريم، متى ما جاء التعبير عن العلاقة بين امرأة ورجل بلفظ (الزوج)، فهذا يعني أنه يصف تلك العلاقة في أرقى حالاتها، فالرجل زوج المرأة والمرأة زوج الرجل أيضاً (بالتذكير وليس بالتأنيث فقط). وذلك لأن الزوج في لغة العرب هو الشبيه المطابق لزوجه، ولا يقال للزوج زوجاً إلا إذا كان له نظير يشبهه ويجانسه من كل وجه. وبهذا البناء الحرفي جاء التعبير القرآني عن نساء النبي e كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) (الأحزاب:59).
حين تكون المرأة زوجة .. لا أنثى فقط
لم يطلق هذا اللفظ الرفيع (الزوج) في كلام الله تعالى إلا على (امرأة ارتبطت مع رجل بعلاقة زوجية رفيعة، تحقق المقاصد الشـرعية بحيث يحصل التوافق بين هذه العلاقة الرابطة وبين الشرع). ولم يسمّ القرآن – ولا في موضع واحد منه – زوجةً لنبيه محمد e بـ(امرأته) قط؛ ولهذا سر لطيف. ذلك أن لفظ (المرأة) يعبر عن الأنوثة وما تعلق بها دون أي معنى زائد آخر، بينما لفظ (الزوج) أو (الزوجة) يعبر عن التشابه والانسجام أكثر من أي معنى آخر. ومن هنا أُطلق لفظ (الزوج) – بالتذكير – في لغة العرب على الذكر والأنثى كليهما، ولم يقصر على الذكر فقط. بينما يطلق لفظ (المرأة) في لغة العرب على الأنثى فقط. ويطلق في لغة القرآن إذا كان المراد منه المرأة من حيث إنها أنثى تقوم بوظيفة أنثوية. لهذا لم يسمّ القرآن امرأة أبي لهب (زوجة)، ولا امرأة فرعون أو امرأة نوح أو امرأة لوط كذلك؛ لأن أبا لهب وامرأته لم يكن بينهما رباط إيماني يحقق مقاصد الشـرع ويمنح التشابه معناه الحقيقي. وامرأة فرعون المؤمنة لم يكن بينها وبين فرعون الكافر انسجام أو تشابه حقيقي يعكس معنى الزوجية. وكذلك امرأة نوح وامرأة لوط.
ويأتي التعبير القرآني عن الزوجة الحقيقية بلفظ (المرأة) إذا كان الحديث عنها قد تعلق بها من حيثياتها الأنثوية البحتة. ومن هنا ندرك كم كان القرآن دقيقاً حين قال في معرض الحديث عن سيدنا إبراهيم u وزوجته سارة ر: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) (هود:71). وقال: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) (الذريات:29)؛ إذ المقام مقام حديث عن الحمل والولادة، وامرأة عاقر تحمل. وهذا كله يتعلق بالأنوثة البحتة، دون شرط الزوجية والانسجام.
سر ( الزوجية ) العجيب
وفي هذا الفرق سر بديع. فإن لفظ (الزوج) في لغة العرب – كما قلت آنفاً – يطلق على الشبيه. ومنه قوله تعالى: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) (التكوير:7) قال ابن كثير في (تفسيره): قال ابن أبي حاتم: (بسنده) عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله e: (وإذا النفوس زوجت) قال: الضُّرَباء: كل رجل من كل قوم كانوا يعملون عمله. والضرباء هم الأشباه والنظراء([1]). وقال أيضاً: عن ابن عباس في قوله تعالى: (وإذا النفوس زوجت) قال: ذلك حين يكون الناس أزواجاً ثلاثة… وعن مجاهد: (وإذا النفوس زوجت) قال: الأمثال من الناس جمع بينهم.إ.هـ .
إن هذا التشابه والتجانس – سواء في الدين والخلق، أم الفكر والهم، أم المشاعر والأحاسيس، وغيرها من أوجه التشابه والتجانس والتقارب – هو سر المودة والرحمة المتبادلة بين الزوجين، وأساس السكون والدعة التي تظلل بيت الزوجية، ومن دونه لا تحصل الطمأنينة، ولا يتم الاستقرار، ولا ترفرف السعادة بأجنحتها الزاهية فوق ذلك البيت؛ استمع إليه تعالى كيف يقول: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم:21). هل تأملت؟ أزواج أي أشباه، ومن جنس وأصل واحد (من أنفسكم).
عندما تفقد العلاقة خاصية (الزوجية ) الحقيقية – وهي التشابه والتجانس – تبتعد الأشياء عن بعضها، وتتنافر في ودها، وتعيش حالة من الشعور المعنوي بالبرد لهذا الابتعاد؛ فإذا هي تحاول الاقتراب من بعضها لتسترد الدفء المفقود، وتستشعر أثره الذي يسـري في الروح والعقل والفكر، وفي اللحم والدم والعصب. فالدفء كما هو حالة مادية، هو أحاسيس روحية قد يستشعرها المرء – حين يعثر على نظيره – وهو في أجواء الصقيع، وقد يرتجف من البرد وهو بين أهله ومعارفه. أولئك الذين فقدوا طاقة الإشعاع النابعة من التشابه والزوجية الحقيقية!
الشبيه هو من يبحث عنه المرء طيلة حياته: فإن كان من جنسه كان صفيه وصديقه، وإن كان من الجنس الآخر كان حبيبه وخليله، الذي يتمنى أن يبعث في شرايينه كل نبض في دمه، بل يتبادل معه القلب والنبض والدم والشرايين. فلا يترك مساحة في كيانه إلا أنقذها من ذلك الشحوب الذي يذكر بالبرد والثلج والصقيع.
وسبحان من جعل الرجل يسعى المرأة كذلك حتى تعثر على شبهها وزوجها. عندها تَقَر وتستقر لأنها وجدت من يشبهها ويزدوجها. من يتكامل معها كما يتكامل شطر السّلم الجيني بالتلقيح مع شطره الآخر لتتسلق البويضة، التي التقى فيها الشطران وتطابقا في لقائهما، ذلك السلم المزدوج الجميل، وتخرج من ظلمة العدم والرحم إلى نور الوجود وفضائه الواسع البهيج.
بقي أن أقول لكل من الزوجين: حاول أن تعوّد نفسك على تقليم زياداتك، والتأقلم قدر الإمكان لتقترب من ميول وشخصية شريكك. على أنه ليس شرطاً أن يكون الشبه في كل شيء؛ فهذا لم يتهيأ حتى للتوأمين النازلين من صُلب واحد، الناتقين من رحم واحد.
الزوجية الاجتماعية
إذا خرجنا من دائرة الأسرة إلى محيط المجتمع، وتوسعنا في معنى (الزوجية) طبقاً لمعناها اللغوي، وفي ضوء ما ورد من تفسير شمولي، نجد أن هذه العلاقة يمكنها إحداث أكبر الأثر في الاستقرار والتنمية الاجتماعية، بشرط واحد هو أن تسلك الطاقات والقوى في سلك قانون (التكامل) الكوني، الذي سيأتي الحديث عنه لاحقاً بإذن الله. فاختلاف الناس في طاقاتهم وقواهم وصفاتهم، الأصل فيه أنه اختلاف تنوع: تتكامل وتتساند فيه جميعاً من أجل شد أفراد المجتمع ومؤسساته بعضها ببعض؛ لأن الحاجة وضعها الله تعالى في جانب لحكمة هي تكاملها مع الطاقة الموجودة في جانب آخر. وعند النظر إلى الصورة بكل أبعادها وأجزائها نرى أنها كـ(مسننات) نقل الحركة لا بد أن يكون فيها بروز (طاقة) وفجوة (حاجة) يتبادلان المواقع بينهما بحيث يكون في مقابل كل بروز في جهة فجوة في الجهة المقابلة. والتكامل هو الذي يُظهر ما في الجانبين أو الجهتين من قوة ونتائج مذهلة، فلا يبقى للحاجة وجود بالمعنى الملموس للحاجة قط. وإلا كان هذا الكيان النابض بالحياة المليء بالحركة جثة هامدة، بل متفسخة. فالبروز طاقة معطلة ما لم يزدوج ويتكامل بما يقابله من فجوة، التي هي – في حقيقته – طاقة كامنة لا تظهر إلا بالتكامل. والتكامل مظهر من مظاهر الزوجية في معناها الواسع الجميل.
عجباً لقانون (الزوجية) كيف يحل لنا كل ألغاز القلق والحزن والنفور في هذا الوجود المعمور! وهو من مصاديق قوله تعالى: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الذاريات:49). وقوله سبحانه: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) (يس:36).
[1]– قال ابن منظور في (لسان العرب): الضَّريبُ: الشَّكْلُ في القَدِّ والخَلْقِ. ويقال: فلانٌ ضَريبُ فلانٍ أَي نظيره، وضَريبُ الشيءِ مثلُه وشكله. ابن سيده: الضَّرْبُ الـمِثْل والشَّبيهُ، وجمعه ضُرُوبٌ. وهو الضَّريبُ، وجمعه ضُرَباء. وفي حديث ابن عبدالعزيز: إِذا ذَهَبَ هذا وضُرَباؤُه: هم الأَمْثالُ والنُّظَراء، واحدهم ضَريبٌ.



إرسال تعليق