الإيمان والتنمية الإيمانية - تجديد الكلمات، المراقبة، ساعة وساعة

الكاتب: الدليميتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق


الإيمان والتنمية الإيمانية - تجديد الكلمات، المراقبة، ساعة وساعة 



تجدِيدُ الكَلِمَاتِ الإيمَانِيّة

  • الإخلاص
  • حد الإخلاص وحقيقة الرياء
  • استحضار عظمة ( لا إله إلا الله ) عند المساومة
  • المراقبة
  • المحاسبة

تجديد الكلمات والمصطلحات الإيمانية، وبعث الحياة فيها قويةً دافقة، وذلك بتغذيتها بمفاهيم جديدة تتناسب والحال أو المرحلة.. يبعث الروح في المعاني، ويحفز المرء للعمل، ويشد الانتباه، ويزيد الإيمان بأن الدين صالح لكل زمان ومكان وحال. ولنأخذ على ذلك مثالاً: الإخلاص والمراقبة والمحاسبة، ونجتهدقدر الإمكانفي إبراز مقصودنا بهذا التجديد.

 

الإخلاص .. معيار سهل لتمييزه عن الرياء

الإخلاص أصل الدين ولباب التوحيد، وعليه مدار قبول الأعمال. يقول تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) (الزمر:3). ويقول: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف:110). وهو بتعريف سهل بسيط لا تعقيد فيه: إرادة المسلم وجه الله وحده بعمله.

وما يهمني هنا أمران: الأول: بيان حد الإخلاص؛ فقد عقَّده البشر، حتى صار من يبغي الإخلاص من خلال كلامهم لا يزداد إلا حية واضطراباً لا يستقر قلبه على حال، متشككاً تتناوشه الوساوس فلا يدري أمخلص هو أم لا؟ والثاني: استحضار عظمة شهادة (لا إله إلا الله) عند المساومة بين ما يرضي الرب في طاعته وما يرضي النفس في سخطه. وذلك بطريقة عملية تسهم في تفعيل مبدأ الإخلاص ونيل الخلاص.

  1. حد الإخلاص وحقيقة الرياء

أما معرفة حد الإخلاص عملياً بحيث يمكن قياسه والاطمئنان مقياسه، فأرى أن على العامل قبل الإقدام على أي عمل أن يطرح على نفسه السؤال التالي: لو لم يطلع أحد على هذا العمل.. هل أعمله أم لا؟ فإن أجاب بالنفي فهو من المرائين؛ وعليه تصحيح نيته، ثم يعود لعمله. وإن أجاب بأن اطلاع الخلق من عدمه لديه سواء، فهو مخلص، ولا يضره ما بعده من شعور بالارتياح لمدح الناس، وشعور بالانزعاج لذمهم؛ فالامتناع عن هذا الشعور ليس بمستطاع، وما لا يستطاع فلا يكَلف به العبد. ومن قال بأن حد الإخلاص هو أن لا يفرح بمدح ولا يحزن لذم فقد كلّف العباد بما لم يكلفهم به ربهم، وما لا يطيقونه أصلاً. وقال بما لا يتصوره. وهو من شطحات التصوف. والله أعلم.

هذا ما انتهى إليه بي التحقيق بالتأمل الطويل في هذا الموضوع الخطير. ودليلي عليه طلب نبينا إبراهيم u الذي جاء في قوله تعالى: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ) (الشعراء:84). قال الشوكاني في (فتح القدير): أي اجعل لي ثناءً حسناً في الآخِرين الذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة. وقال الطاهر بن عاشور في (التحرير والتنوير): قال ابن العربي: قال مالك: لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحاً ويُرى في عمل الصالحين إذا قصد به وجه الله، وهو الثناء الصالح.

ومما يُعتضد به هنامن بعد ما جاء في الآية الكريمةما ورد في (الصحيحين) عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله e: (قال الله تعالى: كُلُّ عَمَل ابن آدم لَهُ إلاَّ الصومَ فإِنَّه لي وأنا أجزي بهِ). زاد مسلم: (يَدَعُ شهْوَتَه وطعامه من أجْلِي). مع أن الصائم قد يتحدث بصيامه ويفرح بمن يمدحه عليه. لكنه ما دام إذا خلا بنفسه يمتنع عن إتيان المفطرات؛ خوفاً من الله وتعظيماً لشأنه وابتغاء ما عنده بصومه. فهو يصوم على الحالتين إن عُلم به أو لم يُعلم.. فهو من المخلصين.

وهذا دليل على أنه ترك شهوته لله لا للناس. ولو كان هذا مرائياً بمجرد إطْلاع أو اطِّلاع الغير على العمل، أو الفرح بثنائهم عليه لصومه، لم يمتنع أصلاً عن المفطرات إذا خلا بنفسه. وذلك من معنى الحديث القدسي: (يَدَعُ شهْوَتَه وطعامه من أجْلِي).

وما ورد عن بعض الصالحين مِن تعمُّد ستر أعمالهم الصالحة، فيُحمل على التحوط وتسييج الأعمال وحراستها بالأقفال زيادةً في الاطمئنان على حفظ أجرها، كما يتوثق المرء من باب داره بزيادة بابٍ آخر ووضع أكثر من قفل. وعليه تحمل الحكايات في ذلك، إن صحت، وليس ببعيد صحة بعضها. مثلما روي عن سُرِّيِّة للربيع بن خثيم أنه كان يدخل على الربيعِ الداخلُ وفي حِجره المصحف فيغطيه. وجاء عن الأعمش أنه قال: كان عبد الرحمن بن أبي ليلى يصلي، فإذا دخل الداخل نام على فراشه. وجاء عن سهل بن منصور أنه قال: كان بِشر يصلي، فيطوّل ورَجُل وراءه ينظر، ففطن له، فلما انصرف قال: لا يعجبك ما رأيتَ مني، فإن إبليس قد عَبَدَ الله دهراً مع الملائكة. وروى الإعلامي فهد السنيدي أنه طلب لقاء من الشيخ محمد بن سبيّل ليتكلم عن سيرته فقال: يا فهد، سيرتنا وأعمالنا الظاهرة هذه يعرفها الناس، وأما أعمالي الخفية فلا يمكنني أن أتحدث عنها.

ومن جميل ما ورد في ذلك ما روي عن عبدة بن سليمان المروزي قال: “كنَّا في سَريَّة مع عبد الله بن المبارك في بلاد الرُّوم، فصادفْنا العدوَّ فلما التقى الصفان خرج رجلٌ من العدوِّ فدعا إلى البراز، فخرجَ إليه رجلٌ فقتله ثم آخرُ فقتله. ثم دعا إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعةً فطعنه فقتله، فازدحم إليه الناس، فكنت فيمن ازدحم إليه؛ فإذا هو يلَثِّم وجهه بكُمِّه! فأخذت بطرف كُمِّه فمددته فإذا هو عبد الله بن المبارك. فقال: وأنت يا أبا عمرو ممَّن يُشنِّع علينا؟!

 

  1. استحضار عظمة ( لا إله إلا الله ) عند المساومة

يقول Y: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر:67). ويقول: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) (الكهف:50). تمعن في الآيتين ثم قل لي بالله عليك: أيعقد هذه الصفقة إنسان في قحفه مُسكة من عقل؟! صفقة يكون الخيار فيها بين رب تكون الأرض في قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه! وبين إبليس؟! معاذ الله!! (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا)!!!

وروى أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي e قال: (إنَّ نَبيَّ اللهِ نوحًا عليه السَّلامُ لمَّا حضَرتْه الوَفاةُ قال لابنِه: إنِّي قاصٌّ عليكَ الوَصيَّةَ.. آمُرُكَ باثنتَينِ، وأنهاكَ عن اثنتَينِ، آمُرُكَ بـ: لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فإنَّ السَّمَواتِ السَّبعَ والأَرَضينَ السَّبعَ لو وُضِعتْ في كِفَّةٍ، ووُضِعتْ لا إلهَ إلَّا اللهُ في كِفَّةٍ، رجَحَتْ بهنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ. ولو أنَّ السَّمَواتِ السَّبعَ والأَرَضينَ السَّبعَ كُنَّ حَلْقةً مُبهَمةً، قصَمَتْهنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ. وسُبحانَ اللهِ وبحَمدِه، فإنَّ بها صلاةَ كلِّ شيءٍ، وبها يُرزَقُ الخَلقُ. وأنهاكَ عن الشِّركِ والكِبرِ)([1]).

وبصرف النظر عن مدى صحة هذا الحديث فإنه يرسم للمسلم صورة تخيلية تدفعه لوضع منهاج عملي لالتزام جناب الله جل شأنه في كل ما يعرض له من فتن تستزله عن طاعة الله إلى اتباع هواه رغبة ورهبة. قد يُعرض عليك منصب كبير: رئاسة أو وزارة أو نيابة وما شابه ذلك، لكن في معصية الله ونسيان حق الناس في هذا المنصب. وقد تضعف وتتردد وتميل. فاصنع ما يلي:

  1. تخيل أمامك كفتي ميزان.
  2. ضع المنصب في إحدى الكفتين، ثم ضع (لا إله إلا الله) في الكفة الثانية.
  3. اسأل نفسك: أي الكفتين أثقل؟ وأنت بالخيار!
  4. أخيراً تأمل في حقيقة الصفقة! ما مدى الربح وفي مقابله مدى الخسارة؟!

اتبع هذه المنهجية في كل ما يعرض لك أو عليك، ستجد طاقة كبيرة دافعة في الاتجاه الصحيح. وأنت بعد ذلك بالخيار. ولا أرى مسلماً عاقلاً يختار إلا الكفة التي فيها شهادة التوحيد؛ فهي أثقل الكفتين بما لا مجال فيه للمقارنة!

هكذا تثقل كلمة (لا إله إلا الله) في موازين الآخرة، لثقلها في ميزان قوم في الدنيا، وتخف لخفتها في ميزان قوم آخرين. كما جاء في وصية أبي بكر الصديق t التي تروى عنه عند موته حين قال: (إِنَّمَا ثَقُلَتْ مَوَازِينُ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فِي الآخِرَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ فِي الدُّنْيَا وَثِقَـلِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وَحُقَّ لِمِيزَانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إِلا حَقٌّ أَنْ يكون ثقيلاً. وإِنَّمَا خَفَّتْ مَوَازِينُ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فِي الآخِرَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْبَاطِلَ فِي الدُّنْيَا وَخِفَّةِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وَحُقَّ لِمِيزَانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إِلا بَاطِلٌ أَنْ يكون خفيفاً).

 

 

[1]صحح الألباني إسناده في (السلسلة الصحيحة).



المراقبة

يقول تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت:45). قال ابن عطية: وعندي أن المعنى ولذكر الله أكبر على الإطلاق: أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك وكذلك يفعل ما لم يكن منه في الصلاة لأن الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر لله مراقب له([1]).

المراقبة من أعظم ما يقرب العبد إلى ربه، حتى جعل النبي e منزلتها أعظم المنازل ألا وهي منزلة (الإحسان). والتي تعلو على منزلة (الإيمان) في منازل الدين الثلاث التي تبدأ بـ(الإسلام) ثم (الإيمان) ثم الإحسان. وهي آخر درجات المجاهدين؛ قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69). وما يزال العبد يجاهد ويجاهد حتى ينالها وقد قرت عينه وعرج بروحه إلى ربه. وهو من معنى قوله: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة:93).

وإليها الإشارة بقوله I: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ). وهي آخر آية من سورة (النحل:128). فقد جاء بعدها مباشرة قوله في سورة (الإسراء:1): (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). قال الدكتور فاضل صالح السامرائي ما معناه[2]: وأعلى ما يكون الإحسان حين يسرى بالعبد إلى ربه Y. وهي درجة تفرد بها سيد المحسنين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.

وفي كتاب الله تعالى كثير من الآيات التي تتعلق بالمراقبة كقوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) (البقرة:235)، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء:1)، وقوله: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (غافر:19).

ومن السبعة الذين ورد الحديث بأن الله يظلهم في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله: (رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه.. وآخر دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله) متفق عليه. وذلك مصداقاً لقوله I: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات:41،40).

 

مع أرباب السلوك

ولأرباب السلوك حكايات فيها شذرات من حِكم، وجواهر من كَلِم، نقتني بعضها:

كان الفضيل بن عياض رحمه الله إذا قرأ قوله تعالى: (ونبلو أخباركم) يقول: اللهم إنك إن بلوت أخبارنا فضحتنا وهتكت أستارنا، وأنت أرحم الراحمين.

ويقول ابن الجوزي: ياهذا عندك بضائع نفيسة: دموع ودماء وأنفاس وحركات وكلمات ونظرات. فلا تبذلها فيما لا قدر له؛ أيصلح أن تبكي لفقد ما لا يبقى؟ أو تتنفس أسفا على ما يفنى؟ أو تبذل مهجة لصورة عن قليل تمحى؟ أو تتكلم في حصول ما يشين؟ ويحك دمعة فيك تطفئ غضب ربك، وقطرة من دم في الشهادة تمحو زللك، ونفَس أسف ينسف ما سلف، وخُطوات في رضاه تغسل الخطيات، وتسبيحة تغرس لك أشجار الخلد، ونظرة بعِبرة تثمر الزهد في الفاني.

ويقول أحدهم: والله إني لأستحي أن ينظر الله في قلبي وفيه أحد سواه.

وقال غيره: أتدري من الرجل؟ الرجل والله.. من إذا خلا بما يحب من المحرم، وقدِر عليه.. تذكر، وتفكر، وعلم أنَّ الله يراه .. ونظر إلى نظر الحق إليه فاستحيى من ربه.. كيف يعصيه وهو يراه؟!

 

تدريب عملي بديع

تأملوا هذه الطريقة التربوية العالية في (تنمية الإيمان) بـ(المراقبة):

قال سهل بن عبد الله التستري: كنت وأنا ابن ثلاث سنين أقوم بالليل فأنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار. فقال لي يوماً: ألا تذكر الله الذي خلقك؟ فقلت: كيف أذكره؟ فقال: قل بقلبك عند تقلبك بثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك: “الله معي.. الله ناظري.. الله شاهدي”. فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته، فقال: قله في كل ليلة سبع مرات. فقلت ذلك ثم أعلمته، فقال: قل ذلك كل ليلة إحدى عشرة مرة، فقلته، فوقع في قلبي حلاوته.

فلما كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علمتك، ودم عليه إلى أن تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة. فلم أزل على ذلك سنين، فوجدت لذلك حلاوة في سري. ثم قال لي خالي يوماً: يا سهل من كان الله معه وناظراً إليه وشاهده، أيعصيه؟ إياك والمعصية. فكنت أخلو بنفسي، فبعثوا بي إلى المكتب، فقلت: إني لأخشى أن يتفرق علي همي، ولكن شارطوا المعلم أني أذهب إليه ساعة فأتعلم ثم أرجع. فمضيت إلى الكُتّاب، فتعلمت القرآن وحفظته وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين.

ومن أعظم ما تثمره المراقبة الإحساس بوجود الله تعالى وقربه ورؤيته للعبد، وذلك يورث الحياء منه، وهو إحساس راقٍ، حين يبلغ المرء درجته يكون إنساناً حقاً. هناوأنا أكتب هذه العبارةانتبهت إلى أن هذه هي درجة الإحسان، التي تبادرت إلى ذهني عند أول كلمة أردت كتابتها عن (المراقبة)، فأيقنت بصحة هذا الشعور الذي اجتاحني وأنا أكتب اللحظة ما أعبر به عنه.

 

دموعُ أحمد

وكانت تجول في بالي أبيات الشعر التي أبكت الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: فقد روت كتب الرقائق عن حامد الخلقاني أنه قال لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله هذه القصائد الرقاق التي في ذكر الجنة والنار أي شيء تقول فيها؟ فقال مثل أي شيء؟ قلت يقولون:

إذا ما قال لي ربِّي: ... أما استحييتَ تعصيني

وتُخفي الذنبَ مِنْ غَيْري ... وبالعصيان تأتيني؟


قال: فأعدت عليه، فقام ودخل بيته ورد الباب، فسمعت نحيبه من داخل البيت وهو يردد:

إذا ما قال لي ربِّي: ... أما استحييتَ تعصيني

وتُخفي الذنبَ مِنْ غَيْري ... وبالعصيان تأتيني؟


فخرجت وتركته. وظل الإمام أحمد يردد الأبيات وينحب حتى قال تلامذته: كاد يهلك الإمام من كثرة البكاء!

ما أعظم هذه الآيات والأحاديث! وما أجمل هذه الحكم والكلمات والحكايات! ولكن الأجمل منها هو عدم قصرها على الأذكار والعبادات، والخروج بها من هذه الدائرة، على أهميتها، إلى دائرة الشمول والتكامل في فهمها واستثمارها في القضية مع العبادة. وقد رأيت من استعملها للتوبة من الذنب في سبيل نصرة قضية بلده. فاحتاز الحسنيين كلتيهما: العبادة والقضية.. الإيمان والنصرة: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) (آل عمران:81).

إن هذا التكامل ينبغي أن نستصحبه مع جميع موضوعات الإيمان. فإذا فعلنا ذلك قمنا بواجبنا في حمل الدين بكماله، وأخذه بقوة: إيماناً ونصرة، عبادة وقضية، زاداً وجهاداً.

 

  1. المحاسبة

ورد في أدب المحاسبة التوجيه إلى محاسبة المسلم نفسه كل ليلة، وكل فترة، ومراجعة عمله باستمرار دون انقطاع. لكن الذهن ينصرف دوماً إلى النظر في العبادات والذنوب والأخطاء، وعلى هذا يجري سَنن الوعظ. فيستشهد أهل العلممثلاًعلى ذلك بقوله جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر:18). يقولُ ابنُ كثيرٍ رحمه الله: أي حاسبوا أنفسَكم قبل أن تحاسبوا وانظروا ماذا ادخرتُم لأنفسِـكم من الأعمالِ الصالحةِ ليومِ معادِكم وعَرضِـكم على ربِكم، واعلموا أنه عالمٌ بجميعِ أعمالِكم وأحوالِكم.

وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن عمر بن الخطاب أنه قال: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم. وتزيّنوا للعرض الأكبر (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ) (الحاقة:18).

قال أنس t: سمعتُ عمرَ بن الخطابِ t، وقد دخلَ حائطاً، وبيني وبينه جدار، يقول: عمرُ بن الخطاب أميرُ المؤمنين! بخٍ بخ، واللهِ لتتقينَ الله يا ابن الخطاب أو ليُعذبنَّك!

قال ابن القيم: (وأضر ما عليه: الإهمال، وترك المحاسبة والاسترسال، وتسهيل الأمور وتمشيتها، فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور، يغمض عينيه عن العواقب ويُمَشّي الحال ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب وأَنِس بها، وعسر عليه فطامها. ولو حضره رشده لعلم أن الحِمْية أسهل من الفطام وترك المألوف والمعتاد).

وكتب عمر بن الخطاب t إلى بعض عماله: (حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة، فإن من حاسب نفسه في الرخاء قَبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضا والغبطة، ومن ألهته حياته، وشغله أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة).

وقال ميمون بن مهران: (لا يكون العبد تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه). ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك.

 

فأين القضية ؟!

وهذا كله عظيم ومطلوب وأساسي في موضوع المحاسبة.

ولكننا إذ نفهم الدين عبادة وقضية، إيماناً ونصرة، نجد أن هذا المفهوم ينصرف في أذهان الناس، ويتفاعل مع حاجة العبادة والإيمان، ولا يلبي حاجة القضية والنصرة. إذ يركز الواعظ والسامع النظر على العبادات كالصلاة ونوافلها، والأذكار وأعدادها، وقيام الليل، والورد اليومي من القرآن الكريم، والأدعية، وأعمال الخير، والإحسان إلى الناس، وعلى الذنوب والأخطاء التي تتعلق بالقلب واللسان والجوارح. بينما التكامل الواجب يقتضي لفت الانتباه إلى محاسبة النفس على جهدها في نصرة الدين، ومدى حجمه وعمقه ومطابقته لشروط العلم ولوازم إحكام العمل. كما يقتضي مراجعة الخطط والأفكار، ومتابعة العاملين والأعمال التي تخدم المشروع الموضوع للوصول إلى الهدف المقصود.

[1]فتح القدير للشوكاني. ونقل عن العلماء للذكر هنا معان أُخرى، منها الصلاة، كما قال سبحانه عن صلاة الجمعة: (فاسعوا إلى ذكر الله)، أي ولَلصلاةُ أكبر من سائر الطاعات؛ للدلالة على أن ما فيها من الذكر هو العمدة في تفضيلها على سائر الطاعات. وقيل المعنى: ولذكر الله لكم بالثواب والثناء عليكم منه أكبر من ذكركم له في عبادتكم وصلواتكم، وهو اختيار ابن جرير. ويؤيده حديث (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم).

[2]في برنامجه الشهير (لمسات بيانية)، على قناة (الشارقة) الفضائية، سورة (الإسراء).




التّروِيحُ عَن النّفسِ ..  ( ساعة وساعة )

 

احترم الإسلام طبيعة الإنسان التي خلق عليها، واعترف بحاجاته الفطرية، ودعا إلى تلبيتها على اختلافها وتنوعها، سوى أنه هذبها ورعاها بحيث لا يطغى بعضها على بعض.

والمسلم إنسان طبيعي يأكل ويشرب، ويميل إلى شقه الآخر. يفرح ويحزن، يضحك ويبكي. يدأب فيتعب جسدياً ونفسياً فيتطلب الراحة بالتوقف عن الحركة والنوم، وقد يشتهي الصمت والعزلة، كما أنه يتطلبها بالطرفة الضاحكة، والحكاية الطريفة، والهزل الخفيف والكلام الشفيف. يمل العمل وتضيق نفسه بالبيت فيشتاق الخروج والتنزه في الحدائق وبين البساتين. وتقول المرأة: ليكون عشاؤنا اليوم في المطعم، أو على ضفاف النهر في الغابة.

ليس في هذا ما يقدح بالإيمان. بل إن هذا كلهبشروطهمن عوامل تنمية الإيمان، وترميمه وإدامته، ومن دونه قد تتحول تكاليف الدين إلى حرج يؤثر على النفس وربما أصابها بعوق وتصحر لا يعالجه إلا ذلك النثيث اللذيذ من الترويح الذي لا ينبغي أن ينفك عنه المسلم كإنسان. فالترويح عن النفس جزء لا يتجزّأ من البناء الكلي للإيمان. فالنوم مقدمة لاستئناف الحركة والعمل بنشاط وهمة، ولولا ذلك لخارت قوى الإنسان وسقط مغشياً عليه. وانبساط عضلة القلب جزء أساسي من عملية ضخ الدم في عروق الجسم، لولاه ما تمكن هذا العضو من مزاولة وظيفته.

 

ماذا يقول الله Y ورسوله e والمؤمنون

يقول تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة:6). ويقول سبحانه: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (الأعراف:32).

وروى البخاري عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: آخى النبي e بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعاماً، فقال: كل، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام. ثم ذهب يقوم، فقال: نم. فلما كان من آخر الليل، قال سلمان: قم الآن. فصليا. فقال له سلمان: إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه. فأتى النبي e فذكر ذلك له، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (صدق سلمان).

ومما أُثِر عن السابقين: “حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عوناً على تلك الساعات، وإجماماً للقلوب”.

 

ليس من الدين التجهم وعدم الترويح عن النفس والأهل

رأينا من إذا تديّن تجهم وجهه وتقبضت أساريره، وبخل بابتسامته وصار كلامه بالقطارة! وربما اشتد فسدّ على نفسه وغيره منافذ الراحة ونوافذ الرحمة. وهذا ناتج إما عن تعجل وتوهم، أو عن جهل، أو عن مرض نفسي سابق، أو عن شعوذة متكلفة. والمشكلة أن مثل هذا يغري البعض من خفاف العقول باتباعه، لا سيما إذا ترافق مع هامة، وهيئة خاصة من شكل ولباس وعمامة.

وليس في ديننا ما يؤيد ذلك. إنما هي هواجس طرقت نفوس بعض الصحابة لشدة حذرها وتوقيها، ثم تبين لهم الحق فرجعوا إليه. كما روى البخاري عن أنس بن مالك t قال: جاء ثلاثة رهط([1]) إلى بيوت أزواج النبي e، يسألون عن عبادة النبي e، فلما أُخبروا كأنهم تقالَّوها، فقالوا: أين نحن من النبي e؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله e فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله أني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).

وروى مسلم عن حنظلة الأسيدي (قال: وكان من كتّاب رسول الله e) قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟! قال قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال قلت: نكون عند رسول الله e، يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين. فإذا خرجنا من عند رسول الله، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله e. قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال e: (وما ذاك)؟ قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأى عين. فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً. فقال رسول الله e: (والذي نفسي بيده! إنكم لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم. ولكن، يا حنظلة، ساعة وساعة) ثلاث مرات.

 

وبعد ..

فهذه خطوط عامة في موضوع الإيمان والتزكية، أردت فيها أن أنعش هذا الباب الواسع من أبواب الإيمان، الذي هو أصله وروحه، محاولاً إضافة شيء جديد نافع تحتاج إليه المرحلة، ويتسم باستمرارية العطاء. فهوقدرَ الإمكان –  يجمع بين الأمرين: الحاجة المرحلية والدائمية.

كما حاولت أن لا يكون علمياً بحتاً يستغرق القواعد الأصولية وتستغرقه، ولا أن يكون روحانياً بحتاً بحيث يفقد عناصر التنمية الذاتية. منوهاً بأن ما ذكر لا يغني عما سكت عنه، وهو كثير؛ فالمكتوب المنهجي لا يحتمل التطويل؛ إنما وظيفته رسم المعالم المهمة دون الخوض كثيراً في تفاصيلها.

والله وحده نسأل أن يجعل هذا حجة لنا لا علينا إنه سميع قريب مجيب.

[1]في مراسيل سعيد بن المسيب عند عبد الرزاق في (المصنف) أن الثلاثة المذكورين هم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعثمان بن مظعون.

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

6521740849391641416

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث