نظرات في القيادة - القائد

الكاتب: الدليميتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

نظرات في القيادة - القائد

هذه خطوط عريضة، ونظرات مختصرة عميقة، مستفادة من الخبرة الذاتية، بما فيها من تجربة وتأمل، وقراءة واطلاع وتدبر. وددت تقييدها كمعالم ظاهرة، وعناوين بارزة في أدبيات القيادة. تاركاً تفاصيل الموضوع للقسم الثاني من المشروع، وهو البرنامج. حرصت على أن تكون واضحة مختصرة، تعتمد على المعاني الجامعة المُيسرة. وأن أجنبها التفاصيل المملة الثقيلة التي تعج بها كتب التنمية التقليدية، التي تخاطب المتلقي وكأن عقله حافظة حاسوب معدة للتخزين وحسب، لا تكوين جوهري وظيفته الفهم الذي يُعِد صاحبه للعمل.

منطلقاً من القاعدة التالية:

  • أزمتنا أزمة هوية، وأزمة قيادة. فأمة بلا هوية واضحة أمة غائبة.. وأمة بلا قيادة ناجحة أمة خائبة.

حقيقة القيادة

حقيقة القيادة ولبابها وروحها ومعناها هو….. العطاء.

ولكنه العطاء المؤطر بمنظومة أو مؤسسة قيادية. والمبني على قاعدتين:

  1. الثقة بالله.. تحقيقاً للربانية.
  2. ثم الثقة بالنفس.. أساساً للإرادة، وتحقيقاً للريادة.

وجوب القيادة

القيادة واجبة بحكم الشرع والعقل معاً. والأدلة على ذلك متضافرة؛ فدين الإسلام لم يخاطب البشر كأفراد فقط، وإنما كمجموع أيضاً. بل حتى خطابه الفردي إنما جاء في سياق المجموع. والإسلام دين ودولة. وتشريعاتهكالصلاة والحج والزكاة والجهاد والعلاقات الأسرية والمجتمعية والسياسية وعامة تشريعاته المعاملاتهذات طبيعة مؤسسية دولتية. بمعنى أن تنفيذها لا يمكن أن يكون دون وجود دولة. خذ مثلاً ما جاء من تشريعات في قوله Y: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة:33)، لا يقوم بتنفيذه إلا أجهزة متعددةكالشرطة والأمن والقضاءلدولة قوية قاهرة. ولو ترك ذلك للناس حلت الفوضى والحروب الأهلية وتم الخراب وغزتهم الدول من كل جهة!

كذلك قوله Y عن التوراة، وأمثاله في الكتاب كثير: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ* وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة:44،45). وأحكام القصاص ذات طبيعة دولتية كما وضحنا آنفاً.

ثم جاء في السياق قوله: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (المائدة:47). فتم الإعراض عن الحكم بما أنزل الله: كفراً وظلماً وفسقاً. ثم قال: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (48-50) ([1]).

* *

ولا بد للقيادة العليا من قيادات تتفرع عنها، تتدرج في مستوياتها وأنواعها، تقوم بإسناد القيادة العليا من جهة، وبتلبية حاجات الناس من جهة. وإلا استحالت قيادة المجتمع. فكان وجود القيادات بمختلف مستوياتها وأنواعها واجباً وضرورة. وفي الأصولما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”.

القيادة والإدارة

  • القيادة هي القدرة على حشد الطاقات وجذب الأتباع وتحريكهم باتجاه الهدف. والإدارة تنفيذ تفاصيل العمل.
  • تهتم القيادة بالمسارات والكليات، بينما تهتم الإدارة بالتفاصيل والجزئيات. لهذا قيل: القيادة اختيار العمل الصحيح، والإدارة اختيار الطريقة الصحيحة للعمل([2]).
  • بينما تتميز القيادة بالتركيز على إثارة الشعور وبعث الحماس، وغرس الأمل، وإطلاق الخيال المنضبط بالواقع، ورسم الصورة الجميلة للمستقبل.. المتوافق مع القدرة الكائنة، المتناغم مع الهدف الذي ينبغي أن يكون. فالقائد يشحذ الهمم ويحفز القوى ويستقطب النخب ويحشد الجمهور. . تتميز الإدارة بالتركيز على المنطق([3]) والجداول والبيانات والأرقام.
  • القيادة روح ومعنى.. والإدارة جسم ومبنى.
  • لو شبهنا المشروع بسفينة مبحرة في محيط، فالقائد هو الربان الذي يمسك بدفتها، ويحدد هدفها وخط سيرها، والمدير هو الذي يقوم بتنفيذ تفاصيل الأوامر التي تحافظ على سير وحركة السفينة وصيانتها، وتوفير لوازم العيش والراحة لركابها.
  • القيادة عملية بناء وإعداد شامل تبدأ بالعقيدة والفكر، والنفس والجسد، وتنعكس على السلوك والعمل، وتظهر آثارها في الأنفس وتشرق في الآفاق.
  • قد تكون القيادة فطرية، وهذه تتمثل في قلة من الناس لا تتجاوز الواحد أو الاثنين في المئة، كما قال النبي e: (إنما الناس كالإبل المئة لا تكاد تجد فيها راحلة)([4]). كما أن قلة من الناس لا تصلح للقيادة بحال. وهذا التصنيف يفتح المجال واسعاً للتفاؤل وبذل الجهد لإعداد الجمهور من أجل استخلاص الصالحين منهم للقيادة، ورفد المشروع على الدوام بمزيد من القيادات. وهذا من معاني كون القيادة عملية بناء. ينسحب ذلك على القيادات الفطرية أيضاً، فهي ليست بمنأى عن الحاجة للتهذيب والترصين والنقاش في الوسائل والأساليب، والبحث الدائم عن الفكرة المبدعة التي تنتج العمل الأوفق والأكثر إنتاجاً والأسرع حركة باتجاه الهدف..

ملاحظة/ ليس من خطوط حادة تفصل بين القيادة والإدارة. والصفات عادة ما تكون مشتركة، والمقارنة في معظم الأحيان نسبية لا حدية. سوى أن القيادة تغلب عليها الاهتمام بالكليات والمسارات والمعاني والعواطف والجماليات، والإدارة لا بد فيها من التفاصيل والجزئيات والمباني والأرقام والبيانات.

مهام القيادة

إثارة الهمم وتحريكها، والتحكم في حجم ومدى الحركة الناتجة، والسير بها نحو الهدف الكبير أو العام.

حسن توزيع المهام وتقسيم الأدوار على منظومة القيادة والإدارة.

غرس الثقة وزرع الأمل الواقعي لا الخيالي في النفوس.

إعداد القادة: بالبحث المستمر عن العناصر القيادية، واكتشافها، وتهيئتها لرفد المؤسسة بأجيال لا تنقطع من قادة المستقبل.

تحديد هوية المؤسسة بناء على العقيدة أو الفكرة الأساسية من جهة، والتحدي الموجود في الواقع من جهة أُخرى.

وضع المشروع، بما فيه من تحديد الهدف الكبير والأهداف المرحلية والجزئية، والوسائل والآليات الموصلة، ورسم الخطة، وتهيئة الموارد المادية وكيفية استثمارها. وتطوير القيادات وتنمية القدرات.

كتابة النظام الداخلي، وتشكيل هيكل القيادة الهرمي، ورسم السياسات العامة وتمثيل المؤسسة أمام الدول في الداخل والخارج.

المؤسسة الإدارية

  • يغلب على المؤسسات المتواجدة في الساحة اليوم أنها مؤسسات (إدارية) تقتصر وظيفتها على تسيير الأمور وتمشية الأعمال المشبوحة على خشبة الجدول.
  • وتكاد تختفي من الساحة تلك المؤسسات (القيادية) التي تفكر وتطور وتبدع وتتبع مبدأ (لا بد من التغير المستمر حفاظاً على الاستمرار الثابت).

 

المنهج القيادي والمنهج الإداري والمنهج الارتجالي

المنهج القيادي هو نظر كلي، يتجه إلى الجزئيات من خلال الكليات ليربطها بها، ويستخلص من كل حركة أو ظاهرة جزئية قانوناً كلياً يحل به إشكالاتها وينمي به طاقاتها. وهذا يحتاج منا إلى بيان المنهجية التي بها تُستنبط الأفكار، وتدريب مشاريع القادة عليها. فالمنهج لا يكتمل ولا يثمر دون تعليم المنهجية الكلية للأتباع، وكيف تستنبط الأفكار بالأنظار، وتستخلص الكليات من الجزئيات.

انظرمثلاً بسيطاًإلى ما فعلته إيران بالأحواز والعراق وسوريا ولبنان واليمن، وتهديداتها لباقي الأقطار: كصورة متكاملة لا مجزأة، تستنتج خطاً كلياً لسير مخطط فارسي إمبراطوري غايته ابتلاع المنطقة. يعتمد هذا المخطط في سيره محوراً نظرياً مزدوجاً يقوم على الهوية الشيعية للاستهلاك الداخلي، ودعوى محاربة الإرهاب للاستهلاك الخارجي. ويعتمد في تنفيذه عملياً على شيعة المنطقة كلها. كما تظهر بوضوح صورة قضية عابرة للأقطار هي (القضية السنية) في مقابل (القضية الشيعية)، وأن الهوية الصحيحة للمعركة هي (الهوية السنية العربية الربانية) في مقابل (الهوية الشيعية الفارسية المجوسية). وبذلك يتم اكتشاف زيف (الهوية الوطنية) في الأقطار ذات التركيبة الشيعية السنية، وهشاشتها للصمود أمام المخطط الشيعي، بل وخطورتها!

بذلك نتمكن من (التصنيع) المستمر للجيل القائد داخل المؤسسة. ونحول بين المؤسسة وهيمنة المنهج الإداري عليها، الذي ينظر إلى الكليات من خلال الجزئيات لينفذها طبقاً إليها، أو الانزلاق نحو هوة المنهاج الارتجالي الذي ينظر إلى الجزئيات كخرزات منفصلة عن نظامها أو سلكها، وينشغل بما صادف النظر منها.

خطورة تحول المؤسسة القيادية إلى منظومة إدارية

القائد من يُرجع كل جزئية إلى قانونها الكلي، كي يشمل به جزئيات أُخرى في الواقع، ويكتشف قوانين جديدة للحياة يضيفها إلى رصيده، ويصحح بها قوانين سابقة جزئياً أو كلياً أثبتت التجربة الميدانية حاجتها إلى التصحيح. والمدير من نظر إلى القانون الكلي ليُفَعّل الجزئيات طبقاً إليه.

ولا قيادة منتجة بلا إدارة كما أنه لا إدارة صائبة بلا قيادة. فالتلازم بين القيادة والإدارة شرط النجاح.

لكنَّ هنا سراً خافياً لا يُنتبه إليه بسهولة، وهو أن القيادة ما لم تنجح في إيجاد إدارة تبقى ظاهرة صوتية، مثلها كمثل منشار بلا أسنان. بينما الإدارة يمكنها العمل والإنتاج بدون قيادة تستحق عنوان القيادة. فيكون لها وجود اجتماعي ذو أثر يجتذب إليها كثيراً من الأتباع اقتناعاً أو انتفاعاً، دون أن يشعروا أن هذا الوجود تقليدي جامد يكرر نفسه في وسط بيئة متغيرة.

وعندما تتحول المؤسسة القيادية إلى مؤسسة إدارية تخبو الفكرة النابضة فتضيع البوصلة الموجهة وتنحرف الحركة الناهضة عن الهدف المرسوم.

جميع مؤسساتنا التي تريد الخلاص للسنة، أو تزعم ذلك، مؤسسات إدارية لا نبض فيها ولا روح، إما بفعل قانون (طول الأمد) أو أنها ولدت وهي فاقدة للطاقة القيادية من الأصل: سواء منها الفكرية والسياسية والقتالية. نعم تؤدي خدمة للمجتمع، ولكن إما خدمة تقليدية كمثل بائع فاكهة داخل سفينة متدهورة في طريقها إلى الحضيض. وإما خدمة ضررها النهائي أكبر من نفعها. والحل.. بالعمل على الإنقاذ من خارج السفينة.

أما حال باقي أهل السنة فعملهم عبارة عن ضرب في فراغ.. لا قيادة ولا إدارة. عمل بلا قضية، أو قضية بلا هدف ولا هوية، أو ليست هي القضية الأولى أو المركزية.. (القضية السنية).

فكثير من سنة العراقمع أن الشيعة يحتلون أرضهم، ويمسخون دينهم، وينتهكون عرضهم، ويَحْرِمونهم حقهم في الحياة والفكر والحرية.. ومع كل هذا البلاء -ما زالوا يتوهمون أن قضيتهم الأولى تحرير فلسطين!

لقد عقم الفكر العربي والإسلامي عن أن يكتشف أن لكل قطر قضيته المركزية، وأنه لا قضية مركزية واحدة ما دامت الأمة متفرقة أقطاراً، وليست موحدة تحت أي نظام للوحدة.

معادلة الاستمرارية والتغيير

تقوم معادلة الاستمرارية والتغيير على الأسس التالية:

  • كل شيء يتغير بمرور الزمن وتعاقب الحدث.
  • كل وجود يبغي الاستمرار رغم التغير.
  • كل مؤسسة في حاجة إلى مرونة تحقق الاستمرار والتطور من جهة، والثبات والمحافظة على الهوية الأصلية للمؤسسة من جهة ثانية.

لا بد من التغيير المستمر حفاظاً على الاستمرار الثابت. أي.. حتى أستمر لا بد أن أتغير.

  • الاستمرار والتطور يحتاج إلى التكيف مع المتغير، بتبني سياسة التوازن بين التغيير والاستمرارية*.

سياسة التوازن

  • من مهام القيادة تبني سياسة التوازن مراعاة ًلمعادلة الاستمرارية والتغيير.

تقوم سياسة التوازن على الأسس التالية:

أ. العمل المستمر للحصول على المعلومات المستجدة الموثقة*.

ب. السؤال عن أسباب التغيير.

جـ. التعويض المستمر عن النقص في الموارد البشرية والاقتصادية، مع اتباع سياسة التدرج في ذلك التعويض.

د. تقدير ومكافأة العاملين (المبدعين)، والذين يحافظون على تقدم وتحسن مستوى أدائهم*.

هـ. التخلي عن كل ما اعتبر ثابتاً ثم صار مصدراً للضرر، فليس هذا بثابت. إنما هو قيد يعتقل به الإنسان نفسه بنفسه.

 

 

 

[1]– يقول ابن حزم (الفصل في الملل والأهواء والنحل، 4/72، مكتبة الخانجيالقاهرة): “اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله e حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا لا يلزم الناس فرض الإمامة وإنما عليهم أن يشاطوا الحق بينهم. وهذه فرقة ما نرى بقي منهم أحد وهم المنسوبون إلى نجدة بن عمير الحنفي القائم باليمامة، وقول هذه الفرقة ساقط”.‍ اهـ. ثم أخذ ببسط الأدلة النقلية والعقلية على ما قال.‍ والصواب أن يحتج أولاً بالنص القرآني. ثم تأتي من بعدُ ما يصلح من الأدلة.

[2]– مهارات القيادة، ص6، إعداد أحمد بن عبد المحسن العساف. ملف على شبكة المعلومات.

[3]– المصدر نفسه، بتصرف.

[4]– متفق عليه عن عبد الله بن عمر. أفادني أحد المختصين بعلم الإدارة أن 2٪ من الناس يملكون القدرة على القيادة بالفطرة، و2٪ لا يصلحون للقيادة بحال. وأن 96٪ يمكن تدريبهم ليصبحوا قادة.



القَائِد

 القائد: من ملَكَ القدرة على الجمع بين ثلاثة أمور، ولا يغني اثنان منها عن الثالث:

  1. التأثير في الجمهور
  2. وتحريكه
  3. وتوجيهه والتحكم بحركته نحو الهدف.

وما لم يكن القائد مجدداً: يشخص مواطن الخلل، ويضع لها العلاج المناسب، ومبدعاً: يتعامل مع التحديات والأشياء ماديةً ومعنويةً بصيغ مبتكرة تختزل الوقت والجهد. فليس بقائد حقيقي. وقد يصلح لأن يكون مديراً؛ فهو قائد وكيل لا أصيل.

وأخطر شيء على المجتمع أن يمتلك شخص القدرة على التأثير وتحريك الجمهور، ولكن نحو هدف خاطئ، أو هدف غير ممكن التحقيق، أو دون هدف محدد.

 

أهم صفات القائد : العلم والقدرة

منطلقين من القرآن الكريم نقول: أهم صفتين جامعتين في القائد: العلم والقدرة.

جاء هذا في عدة مواضع من القرآن كقوله I: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) (ص:45). وقال: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:247).

ومن العلم والقدرة تنطلق بقية الصفات.

من صفات القائد

  • كل قائد رمز وكل قائد زعيم، ولكن ما كل رمز أو زعيم يصلح للقيادة. ومشكلتنا في الرموز، وعلتنا في الزعماء.. الذين لا يجيدون القيادة. هؤلاء لا يكتشف الجمهور عجزهم إلا بعد فوات كثير من الأوان، ودفع الثمن مضاعفاً.
  • القائد منتج للأفكار، ويحسن طرح البدائل.
  • الإبداع قرين القائد، أي التفكير والعمل بطريقة غير تقليدية.
  • القائد يدرك بعمق أهمية التجديد لنجاح مشروعه، وبلوغ أهدافه. وليس التجديد الإتيان بجديد بقدر ما هو مناسبة القال والأفعال لمقتضى الحال والمآل. مع معرفة أن المتغير يكاد يكون هو الثابت الوحيد في حياة الإنسان.
  • القائد يحسن الاستماع كما يحسن الكلام. وليس الثرثار بقائد.
  • ومن أهم صفات القائد حفظ السر. فأدب المعلومة أن تعطى على قدر الحاجة، لا على قدر الثقة. كما أنه يحفظ أسرار من هم في دائرة مسؤوليته، ويتعامل معها بحكمة ومسؤولية. هذا والسر أبوابه كثيرة.
  • القائد واعد.. فهو متفائل يخترق نظره حجب ظلام الحاضر إلى أنوار المستقبل من خلال رؤية عناصر النجاح المتوفرة، وهو يصوغ منها مشروعاً رائداً قابلاً للتحقيق.
  • القائد حالم، لكنه واقعي. أو كما قيل: رأسه بين النجوم، لكن قدميه على الأرض.
  • القائد يكبر دائماً؛ فإذا كبر التابع، وبقي (القائد) يراوح في مكانه؛ فلا يلومن غير نفسه. ومن سبقته الأحداث سبقه الأحداث.
  • المؤسسة أو الجماعة التي لا تكبر مع صغارها، صغيرة لا تسع الكبار.
  • إذا تمكنت من قيادة السنة، كنت على قيادة العراق أقدر.

وعي القائد

  • القائد رائد: يسبق الحدث بوعيه، فيستشرفه بحسه ويعد العدة له. أما الجمهور فعادة ما يعي بعد وقوع الحدث.
  • ليس وعي القائد تنبؤاً بالغيب، وإنما هو استنتاج من ناتج، ونظر في العواقب قياساً على معطيات الواقع*.
  • مع وقوع المتوقع، ينبغي حساب تلك الأشياء المهمة التي تحققت ولم تكن من ضمن التوقعات. فمن طبيعة الإنسان أن يذكر الأشياء التي له، ويتناسى تلك التي عليه. إن الأشياء المهمة والمميزة دائماً ما تكون نتيجة تغيرات في القيم، والمفاهيم والأهداف. وهذه يمكن حسابها بحساب المتغيرات التي تطرأ بالفعل وتحدث في المجتمع، بواسطة دراسة وتحليل البيئة من الملاحظة العميقة، والدراسات الإحصائية للسكان، والمفاهيم الخاصة بهم. واستحضار العوامل الخارجية المؤثرة في المتغيرات ونتائجها الداخلية*.
  • الوعي بـ(أثر رجعي) غير معتبر في قانون القيادة. فمن وجدتم وعيه لا يتأتّى إلا متأخراً، فلا يصلح للقيادة وإن كان زعيماً مقدماً.
  • الزعامات التقليدية، أو المؤدلجة، أو التي تسيرها حاكمية المجموع: منظومة أم جمهوراً، لا تفيق بالحدث، ولا تتعلم منه، وإنما هي من ذوات (الوعي المتأثر بالموجة). فمتى ما وعى وتعلم الجمهور بالحدث، وتحول هذا الوعي إلى موجة جماهيرية، بدأت تلك الزعامات بالتسلل لركوبها. فتصور مدى البلاء الحاصل من زعامات متخلفة حتى عن الجمهور الذي تقوده! وهذه إحدى صور مأساتنا.

شجاعة القائد

  • شجاعة القائد ناتج متوازن من إرادة عالية، ودراية واعية. ولا خير فـي شجاعة متعجلة لا تراعي المعنى الكبير فـي قول القائل:

الرأيُ قبل شَجاعةِ الشُّجعانِ          هوَ أوّلٌ وهيَ المحَلُّ الثّانِي

  • مشكلة المشاكل عند أهل العراق تقديم الشجاعة على الرأي، والإفراط فيها حد التهور، والتباري في ذلك بين الأقران. وهذا أحد أسباب فقدان الجسم المدني في المشروع، بل فقدان المشروع نفسه.
  • المشكلة الثانية عند أهل العراق الإفراط فـي الكرم. والكرم إذا جاوز اعتدال الربانية كان خَصلة شيطانية، وصف الله أصحابها فقال: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27الإسراء:). والإفراط فـي الشجاعة، أو تقديمها على الرأي، مثل الإفراط فـي الكرم، من نزغات الشياطين الخطيرة، التي لا تقوم لأصحابها قائمة.
  • كان النبي e فـي القمة من الشجاعة، وكانت شجاعته يعنو لصولتها أشجع الشجعان. يصفها سيدنا علي t فيقول: كنا إذا احمر البأس ولقي القومُ القومَ اتقينا برسول الله فما يكون منَّا أحدٌ أدنى من القوم منه([1]). وأخبار شجاعته معروفة.
  • مع ذلك كان رسول الله e يمر بأصحابه وهم يعذبون فلا يملك لهم إلا الدعاء. لم يستخفه المشهد المؤلم فيخرجه التصرف المرتجل عن سياق المشروع المنقذ. وكان الصحابة y يأتون إليه وهم في تلك الحال يستنصرونه فلا يستفزه ذلك عن مساره. فعن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله e وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد كان من قبلكم، يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)([2]). هذه هي الشجاعة.. إرادة عالية ودراية واعية.
  • عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج أبي شاهراً سيفه راكباً على راحلته إلى وادي القصة، فجاء علي بن أبي طالب فأخذ بزمام راحلته فقال: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ أقول لك ما قال رسول الله يوم أحد: (لمَّ سيفك ولا تفجعنا بنفسك)؛ فوالله لئن أُصِبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبداً. فرجع وأمضى الجيش([3]). يقصد بـ(يوم أحد) لما أراد أبو بكر أن يبارز ابنه عبد الرحمن.

وأشار سعد بن معاذ t على رسول الله e فبنى الصحابة y له عريشاً أو قبة يشرف e منها على المعركة ومعه أبو بكر الصديق t يحرسه. . ولأمر ما أحاط الخالق البديع جوهرة الدماغ بالقحف الصلب، ومضغة الفؤاد بشبكة محكمة من الأضلاع.

  • الثقافة السائدة التي تريد من القائد أن يكون دوماً في وسط معمعان الأحداث دون ضرورة، ولا تقدير للموقف يسبق ذلك.. هذه الثقافة في حاجة ماسة إلى ترشيد لا تأييد.
  • بنيت هذه الثقافة على مقولات حماسية رددها الإعلام كثيراً حتى رسخها فصارت طابَعاً مميزاً لطبيعة شعوب المنطقة. خذ مثلاً شعار الجيش العراقي: “النصر أو الشهادة”. إنه يصلح عبارةً حماسيةً في موقف يستدعيها، ويناسب أجواء العسكرية لكن بتفصيل يُشرح للجنود لا بد من بيانه بوضوح. أما أن يكون قاعدة ثابتة من قواعد البناء الحضاري للشعوب الناهضة فلا. وقد جنى هذا الشعار علينا كثيراً كما يقول الخبير العسكري الفريق الركن القائد رعد الحمداني.
  • النصر أو الانسحابمتحيزاً إلى فئة، هي القاعدة، وهي السلوك الحضاري. أما التربية على الاستعداد للشهادة فهي لبناء حالة نفسية معنوية يتدرع بها المجاهد لمواجهة أسوأ الاحتمالات وموقفٍ يفرض نفسه انتهاء لا غرض يطلب لغيرما ضرورة تلجئ ابتداءً. والقرآن العظيم في حومة بعث الحماس في نفوس المسلمين لا يَغفَل أن يقول لهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (الأنفال:16،15)!
  • وتأسيساً على هذا التوجيه الرباني قال النبي e عن انسحاب خالد بجيش مؤتة: (حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم)([4]). وقد روي عنه e أنه قال: (بل هم الكرارون). وهي تصحيح لثقافة: (أنتم الفرارون) التي روي أن جمهور المدينة قالها لهم، حتى إن الرجل يجيء إلى أهل بيته يدق عليهم بابه فيأبون يفتحون له ويقولون: هلا تقدمت مع أصحابك فقتلت؟ وفيها وفيما أسلفت من أدلة غنية لتصحيح هذه الثقافة المتهورة التي ما زالت تتغلغل إلينا عبر نسغ التاريخ النازل حتى أمست هي الثقافة السائدة متجاوزة حدود المنطق السليم بجناحيه: الشرع والعقل. وخير من ذلك كله دليلاً قوله تعالى: (الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال:66).

القائد والماضي([5])

  • القائد هو ذلك الإنسان([6]) القادم من المستقبل، ليقود الحاضر إلى المستقبل الزاهر. وليس القائد هو ذلك الكائن القادم من الماضي ليجر الحاضر إليه.
  • المجتمع في حالة تغير مستمر؛ فهو في حاجة مستمرة إلى تجديد في الاستجابة لهذه المتغيرات.
  • على القائد أن يكون مستعداً على الدوام للتخلي عن الماضي الذي لم يعد مصدراً للمنفعة* فكيف بما أمسى مضرة جامعة.
  • إذا لم يكن القائد قادراً على الانسلاخ من ذلك الماضي بنوعيه، وهجره غير مأسوف عليه، فلن يكون قادراً على صنع المستقبل.
  • القائد هو من يقوم في الحال باستغلال الموارد البشرية والمادية المتوفرة بما يتناسب ومتغيرات الحاضر*.
  • آلية الانسلاخ يجب أن تتم بشكل هادئ وهادف ومنظم، وإلا حصل ما لا يحمد عقباه، وقد يعصف الأمر بالمؤسسة*.

 

 

[1]– مسند الإمام أحمد بن حنبل، 2/56، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (ت 241هـ)، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار الحديثالقاهرة، الطبعة الأولى، 1416هـ  -1995م. قال المحقق: إسناده صحيح.

[2]-صحيح البخاري، 9/20، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة الأولى، 1422هـ. كانت هذه المنطقة آنذاك يحكمها الفرس؛ يبدو أن الفرس حيثما حلوا أو حكموا نشروا الخوف والخراب والفتن.

[3]-البداية والنهاية، 6/315، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصـري ثم الدمشقي (ت 774هـ)، دار الفكر، 1407هـ -1986م.

[4]– رواه البخاري، 5/27، عن أنس t.

[5]– بعض هذه القواعد مستلة بتصرف من كتاب (أفكار دراكر اليومية في الإدارة)، لبيتر إف دراكر. وقد ميزتها بهذه العلامة (*).

[6]– استعملت كلمة (إنسان) ليندرج تحته الرجل والمرأة.

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

6521740849391641416

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث