نظرات في السياسة - الخطيب، الحاضنة الخارجية، سايكولوجية الإنحراف

الكاتب: الدليميتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق


نظرات في السياسة - الخطيب، الحاضنة الخارجية، سايكولوجية الإنحراف

 الخطيب القائد مثالاً

خذ مثالاً على ذلك كيف يتم تحويل الخطيب من خطيب تقليدي قائل إلى خطيب تجديدي قائد، وذلك على وجه الاختصار بما يتلاءم وطبيعة الموضوع:

الخطيب التقليدي له وظيفتان اثنتان، فإذا زاد فثالثة: إمامة الناس في الصلاة وخطبة الجمعة. والبعض يرتقي فيؤدي محاضرة في بعض الأحيان، أو يقيم احتفالاً في بعض المناسبات. ثم لا شيء بعد ذلك. الخطيب القائد له شأن آخر. شخص علم أن الدين إيمان ونصرة. وكلاهما يستلزم وجود برنامج متعدد النشاطات لتحقيقهما. خذ هذا البرنامج مثالاً:

  • المسجد هو أقوى منظمة مدنية؛ فللمسجد، بالإضافة إلى توفر العنصر البشري ذي الخبرات المتعددة فيه، قدسية تفتقر إليها كل المنظمات المدنية في المجتمع. وللخطيب صفة دينية تضفي عليه هيبة وتأثيراً يفتقر إليه أي مدير لمنظمة أو وحدة اجتماعية.

والسؤال: كيف نستثمر هذه القوة الاجتماعية المتميزة؟

  • يحتاج الخطيب إلى برنامج إعداد مكثف يمَكّـنه من اكتساب المهارات القيادية التي تجعله قادراً على التعامل مع ذوي الخبرات من مصلي مسجده وتحريكهم في شرائح المجتمع.
  • يقسم الخطيب رواد المسجد حسب تخصصاتهم: فهؤلاء مدرسون وهؤلاء محامون، وهؤلاء أدباء، وأثرياء، ورياضيون، وأطباءوغير ذلك من الأصناف. علماً أن كل صنف متعدد التخصصات، فمدرس لغة عربية، ومدرس رياضيات، وآخر كيمياء، وغيرهاوهكذا بقية الأصناف.
  • يشكّل من كل صنف منظومة تؤدي نشاطاً اجتماعياً تطوعياً يلبي حاجات المجتمع المحيط. فالمدرس، مثلاً، بدل أن يذهب ويجيء ويتحرك كالبندول، يوجَّه لأن يقوم بتقديم دروس خصوصية مجانية لأبناء الحي سيما الفقراء منهم. والطبيب يعمل منظمة صحيةمهما صغرت -تعالج المرضى وتسعى في حل مشاكلهم الصحية. والمحامي يكوّن منظمة حقوقية تجمع ملفات المظلومين للدفاع عنهم واستحصال حقوقهم. والأديب يؤسس منتدى ثقافياً، ولو بأبسط صوره: كأن يكون قاعة في المسجد، يستقطب فيه ذوي الميول الأدبية من شعر ونثر وخطابة وغيرها. ويلتفت الخطيب إلى صنف آخر يتعاون معه على إنشاء منظمة خيرية تعنىمثلاًبتزويج الأرامل والعوانس والعزاب، ورعاية الأيتام. ويستعين بالأثرياء لتمويل المشاريع والأنشطة. بالطريقة نفسها يتم استثمار جهد الرياضي وغيره وغيره.
  • مع تقديم الخدمات يبث العاملون رسالتهم في أوساط من يخدمونهم، ويدعونهم إليها، وينتقون من بينهم من يصلح لضمه إلى مؤسستهم القائدة على اختلاف خبراتهم ومراتبهم ليضيفوهم إليها، مع التربية والتطوير والتنمية.

ولك هنا أن تدرك حجم الكسب الذي يحظى به الخطيب القائد بهذه الطريقة من عوائل وأفراد الحي أو المدينة. وطبيعة ونوع العلاقة الناشئة بينه وبينهم ورقيها وقوة أواصرها!

أين هذا من الخطيب القائل، بل القاعد؟

  • إن هذا يفيد الخطيب والمؤسسة التي ينتمي إليها وتشرف على (المشروع المدني)، كتحصيل حاصل، ثلاثة أمور جوهرية تؤسس لقيام دولة قوية مستقرة قائمة على مفاهيم أمة:

الأول: التعرف على الناس الذين في محيطه ومعرفتهم معرفة قائمة على الاختلاط والتجربة والمعايشة المباشرة، بما فيهم من خير فينميه وشر فيعالجه أو يحذره فجتنبه. وهذا يساعده مستقبلاً حين يكون رجل دولة على أن تكون العلاقة البينية مبنية على أساس بيانات علمية صحيحة تمنع الاختراق والتشكيك من طرف جاهل أو مغرض، كما هو شأن الدول التي تتأسس بفعل القوة العسكرية وحدها، فتكون دولاً بوليسية أمنية استبدادية، مهما حاولت أن لا تكون، ومهما رفعت من شعارات: دينية أو علمانية.

والثاني: التفاف الناس حول الخطيب أولاً وحول المؤسسة ثم الدولة المتحولة عنها؛ لأنهم خبروهم وجربوهم فوجدوهم ساعين في علاج مشاكلهم وجلب الخير إليهم. فتكون القيادة قائمة على أساس وثيق من الحب والثقة المتبادلة. فيعطونهم أصواتهم ويبذلون لهم من أموالهم ومهجهم طواعية لا كراهية.

والثالث: إيجاد خبرات مدنية اجتماعية جاهزة تجنباً للوقوع في مطب العجز عن إدارة مؤسسات الدولة حين استلام السلطة في جانبها المدني والأمني والخدمي، أو الحاجة إلى استيراد تلك الخبرات أو إيجادها بطريقة تعسفية.

قيام الدولة على جمهورها

أرأيتم الفرق بين الخطيب القائل الذي هو نتاج العمل العشوائي، والخطيب القائد الذي هو نتاج (المشروع المدني)؟ هكذا يكون الفرق بين المدرس والمدرس القائد، والطبيب والطبيب القائد، والمحامي والمحامي القائد، والغني القائد، والأديب القائد، والرياضي القائد، وكل صنف من الأصناف الاجتماعية في حالتيه الفردية والقيادية.

بهذه الطريقة الحضارية نصنع مجتمعاً مدنياً وجمهوراً موحداً واعياً ملتفاً حول قيادته، يستعصي على الهزيمة والاختراق ومحاولات التطويع من الأعداء، في غير ما حاجة للعسف والعنف لقيادته وضمان طاعته؛ لأن الدولة قد صنعت مسبقاً جمهورها.

في هذا الجمهور المهيَّــأ مدنياً ينبت جناح السياسة وجناح القوة، ومنه يخرجان وينموان. فيكون وجودهما ونموهما أمراً طبيعياً قوياً لأنه يستند إلى أساس مكين، ونابع من جذر ضارب عميقاً في تربة المجتمع، ليس من السهل على أي قوة أن تقتلعه وتنهيه.

جيل الهزيمة

في غياب المشروع المدني يكون مصيرنا -وقد كان -كمصير بني إسرائيل يوم تاهوا فـي الأرض أربعين سنة، ولم ينتفعوا بوجود قائد هو من أعظم القادة بين الأنبياء عليهم السلام، الذي جازاه شعبه أذى وعصياناً وعقوقاً.

لقد كان التيه ورشة عمل كبيرة تم فيها تهيئة بني إسرائيل مدنياً وصناعة جيل جديد قادر على تحقيق الهدف. هكذا ظهر طالوت وداود والثلة المؤمنة التي أقامت دولة بمفاهيم أمة. وقد سجل القرآن العظيم ذلك لنستفيد منه في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا) (الأحزاب:69)، وذلك في سياق تهيئة هذه الأمة لتسلم الأمانة الربانية واستلام زمام قيادة البشرية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا * إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب:70-72).

ومثل بني إسرائيل مع موسى u كان شيعة الكوفة مع علي t. لم يكن جمهور الكوفة مهيَّــأً كجيل الشام للقيام بأعباء الدولةهذا هو سر انتصار معاوية على علي رغم أن رصيد الأخير التاريخي أوفر من الأول؛ إنه فرق بين مشروعين، وليس بين شخصين مجردين. فصاحب المشروع الأفضل يغلب صاحب المشروع المفضول بصرف النظر عن أفضلية الصاحب. ومن لم يكن له مشروع كان ضحية لمشروع الآخرين. وما يغني القائد عن المشروع إن كان المشروع ضعيفاً، ولا الجمهور إذا كان متخلفاً: (وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ * فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس:101-103). وفـي ذلك درس عظيم، والله تعالى يقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11).

جيل النصر

يوم يتم تفعيل عناصر (المشروع المدني)، ويتكامل الربط بين أجزائه جميعاً، يكون قد ولد فينا (جيل النصر)، الذي يستعصي على القوى الخارجية، والداخلية أيضاً، أن تمنعه من الوصول إلى هدفه، أو أن يقطف ثمار جهده بنفسه لنفسه. أو أن يضطر قادته لأن يكونوا عملاء أو أجراء عند غيرهم. وعندها لن يقاتلوا بعد اليوم بالنيابة عن الأعداءكما هو الحال التي وجدنا عليها أمتنا منذ مئة عامولن يكونوا ضحية لمشاريع الآخرين. وهذا بعد عناية الله تعالى ورعايته. وما ذلك على العاملين المخلصين ببعيد.



الحاضنة الخارجية من مفاهيم الأمة في إقامة الدولة

قلنا: إن الإسلام دولة، لكن بمفاهيم أمة..  وإذا كانتالحاضنة الاجتماعية أو الشعبيةمن مفاهيم الأمة لإقامة الدولة، فإن لهذه الحاضنة الداخلية حاضنة أُخرى تكملها من الخارج، يمكن أن نطلق

عليها اسمالحاضنة الدوليةأوالحاضنة الخارجية”. فكون الدولة مسلمة لا ينفي تكوين علاقات مع دول غير مسلمة أو كافرة، كما أن ذلك لا يتناقض مع بناء علاقة داخلية مع رعايا الدولة من غير المسلمين. فبالحاضنة الداخلية المكينة والحاضنة الخارجية الرصينة يتحقق الاستقرار والأمن الداخلي والخارجي لدولة الإسلام.

التعاون على الخير مع الخارج

يقول تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة:2). وهذا القول الكريم من الأسس التي يقوم عليها مفهوم (العلاقات الدولية)، من حيث التعامل بالسلم مع المسالم، والتعاون معه على البر والتقوى (قيل: البر: فعل الخير، والتقوى: تجنب الشر). ويؤيده ما رواه البيهقي في (السنن الكبرى) عَنْ  طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ أَن رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ: (لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الإِسْلامِ لأَجَبْتُ). وَكَانَ سَبَبُ الْحِلْفِ أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَتَظَالَمُ بِالْحَرَمِ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَدَعَواهُمْ إِلَى التَّحَالُفِ عَلَى التَّنَاصُرِ، وَالأَخْذِ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ، فَأَجَابَهُمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَعْضُ الْقَبَائِلِ مِنْ قُرَيْشٍ([1]).

الحفاظ على سمعة الداخل والحرص على عدم تنفير الخارج

وتترك لنا سيرة النبي معلماً من معالم كسب الحاضنة الخارجية والحرص على عدم تنفيرها من الإسلام. فلما بلغه e قول عبد الله بن أبي بن سلول في إحدى المناسبات: “أقد تداعوا علينا، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل”. فقال عمر: “ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث؟ لعبد الله، فقال النبي e: (لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه)([2]).

وقد اشتهر بين الأمم العدل عند المسلمين وإنصافهم الآخرين من أنفسهم؛ فكان ذلك من أسباب استبشار المظلومين وضعف مناصرتهم للدول الطاغية التي كانت تحكمهم. فشعب مصر تقاعس عن نصرة الرومان لما علم من العدل والرحمة التي عامل بها المسلمون أهل الشام. وكانت تلك السمعة سبباً فـي سهولة فتح الأندلس.

سياسة تفريق الأعداء

كان من سنة النبي e فـي السياسة الحرص على تفريق الأعداء،والسعي في عدم اجتماعهم عليه. فكان يقسمهم أصنافاً فلا يعامل الأصناف جميعاً معاملة واحدة. كما قال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِـطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة:8،9). فإن اجتمع الأعداء مرة حاول بكل سبيل تفرقتهم، ولو بدفع المال لهم! كما روي في سيرة ابن هشام أن النبي e في غزوة (الخندق) فاوض غطفان على إعطائهم ثلث ثمار المدينة مقابل انسحابهم من المعركة. فلما استشار السعدين (سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة)… قالا: يا رسول الله أمرًا تحبه فنصنعه؟ أم شيئًا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به؟ أم شيئا تصنعه لنا؟ فقال: (بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة, وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما)([3]). والشاهد في القصةإن صحتأن النبي e أراد كسر الحلف المجتمع وتفرقة صف العدوومن الأدلة على هذه السنة العظيمة في السياسة النبوية ما صنعه النبي e مع نعيم بن مسعود الغطفاني حين ساقه الله عز وجل إلى رسول الله  ليعلن إسلامه، فقال له رسول الله e: (إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة). فقام نعيم بزرع الشك بين الأطراف المتحالفة، وقد وفق في سعايته أيما توفيق؛ فنجح في عزل اليهود في الداخل عن المشركين في الخارج.

وكان صلى الله عليه وسلم يقتنص كل سانحة لتوهين صف العدو بعدم اجتماع الكفار ضده صفاً واحداً، وتقوية صفه بعقد الأحلاف مع الأقرب إليهم منهم. فلما عقد (صلح الحديبية) مع قريش أدخل في الحلف معه قبيلة خزاعة، وكانت مشركة. وكانوا سبباً في فتح مكة بعد سنتين.

كما كان صلى الله عليه وسلم يعقد معاهدات الموادعة والمصالحة مع القبائل المشركة في الجزيرة العربية من حوله، لينصرف إلى العدو الأكبر الذي تمثل هزيمته رمز انتصار الإسلام، والفتح المنتظر، وهو قريش.

أحكام الجهاد لا نسخ فيها

قد يقال: إن هذه الأحكام منسوخة بقوله تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التوبة:5). والصواب المتحصل من مقابلة الأدلة مع بعضها، والتبحر في أقوال العلماء، والنظر في حكمة الشريعة ومقاصدها، ومراعاة الشرع لقوانين الاجتماع والنفس.. أن أحكام الجهاد راعت حال المسلمين من قوة وضعف، وما في الحكم من ضر أو نفع، وما تحصل للمسلمين من مصلحة أو مفسدة؛ فنزلت حسب الأحوال واختلافها من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان. فالآيات كلها محكمة ولا نسخ فيها، وإنما تحمل كل آية على ما ناسبها من حال أو مرحلة. وقد كان المسلمون في المدينة يقاتلون الكفار بينما لم يفعل ذلك مهاجرو الحبشة.

لهذا نفى كثير من العلماء نسخ الآية المذكورة لما تقدم قبلها من أحكام الموادعة والمصالحة والبر بالمسالمين من المشركين والقسط إليهم، منهم الطبري قال: “وأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن هذه الآية منسوخة، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل”. وابن العربي وابن تيمية وابن كثير. ونصر هذا القول من المتأخرين ابن باز وقال: هذا القول أظهر وأبين. ويلخص الزركشي أقوال العلماء بقوله: “وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف: أنها منسوخة بآية السيف. وليست كذلك بل هي من المنسأ: بمعنى أن لكل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ. إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبداً([4]). لهذا روت كتب التاريخ أن سيدنا معاوية رضي الله عنه دفع للروم مالاً وخيلاً ليأمن جهتهم. وكذلك فعل الخليفة عبد الملك بن مروان رحمه الله. وفعل غيره طبقاً لما تمليه الظروف من صروف.

فتهييج الأعداء كلهم وجمعهم على دولة الإسلام ليس من سياسة النبي صلى الله عليه وسلم ولا هو من صنيع العقلاء. ودولة الإسلام لا يمكن أن تكون كياناً منبتاً عن العالم من خارجها، نابتاً على غير تربة صالحة من داخلها.

لمتابعة قراءة المقال .. أنقر هنا




شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

6521740849391641416

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث