الإيمان والتربية الإيمانية -
القدر والسبب، المقصود بالقدر، النصر والقدر
الإيمَانُ بِالقَدَر
أولاً: بين القدر والسبب 1. القدر وحرية الاختيار 2. علم الله والقدر 3. بين الجبرية والقدرية | ثانياً: المقصود الإيماني بالقدر 1. غرس الأمل وحفز العمل 2. ثواب الحسنة وثواب السيئة 3. القدر ثواب لا عوض عن السبب | |
ثالثاً: القدر والنصر 1. النصر قدر الرب لا سبب العبد 2. سببٌ يدعى .. وقدرٌ يرعى 3. الشيعة إلى زوال | ||
أولاً : بين القدر والسبب
الإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان في الإسلام، كما ثبت عن النبي t في الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري عن سيدنا عمر بن الخطاب t، والمعروف بحديث جبريل.
وهو ثابت في آيات كثيرة من القرآن الكريم، كما في قوله جلّ وعلا: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) (القمر:49-53)، وقوله: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) (الأعلى:1-3)، وقوله: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان:2)، وقوله: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:284)، وقوله: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) (الأحزاب:38).
ونعني بــ(القدر) أنه ما من حركة ولا سكنة تحدث في الكون، ولا يوجد من شيء إلا بعلم الله تعالى، ومشيئته: أمراً أو إذناً. وحادث له بخلقه على القدر الذي يحقق الحكمة من خلقه. وتتجلى أو تكمن فيه عظيم حكمته وأسرار صنعته. ومكتوب عنده في اللوح المحفوظ قبل أن توجد الأملاك وتدور الأفلاك. وأنه لو شاء الله أن لا يكون شيء فلا يكون مهما حاول غيره من أسباب، واتخذ سواه من سبل.
- القدر وحرية الاختيار
القدر لا يتناقض مع حرية اختيار البشر؛ فقد شاء الله تعالى بحكمته أن يكون للإنسان حرية القبول والرفض، والقدرة التامة على العمل والترك، فيما أُمر به ونهي عنه. وهذه الحرية والقدرة الذاتية محكومة بقدر الله تعالى وليست خارجة عنه، من حيث إطلاقها ومن حيث تقييدها.
أما الإطلاق فقد اقتضى عدله وأُلوهيته سبحانه أن يكون العبد حراً فيما يأتي وفيما يدع. كمن يطلق يد الشغال في مزرعته يفعل فيها ما يشاء برغبته، ولكن ضمن دائرة المراد المعلوم بسابق معرفته. فهذا الإطلاق ليس خارج إرادة السيد أو المالك.
بهذا الفهم نضع – مثلاً – قول ابن عطاء السكندري رحمه الله موضعه: “سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار”. وبذلك يتوازن العدل بالقدر، ويزول وهم الجبر الذي وقع في حبالته جِبِلٌّ كثير من ضُلّال البشر. وإذا أردت أن أخيل لك الأمر على شكل صورة، فإن العدل يكون بمثابة الصورة التي في الداخل، والقدر هو إطارها الذي يطوقها ويجملها من الخارج. فهو عدل ضمن دائرة القدر. أو عدل متوافق مع القدر.
وأما التقييد فقد اقتضت عظمته وربوبيته قدرتَه تعالى على إعانة عبده ودفعه، أو تعطيل سعيه ومنعه من البلوغ بأسبابه غايته من مراده. ولولا ذلك القيد لجاءت كل النتائج مطابقة لمقدماتها: سلباً وإيجاباً.
وهذه القدرة ليست ملغية لإرادة العبد وترتب نتائج فعله على مقدمات أسبابه. فقد شاء الله تعالى أن يلقى كل عامل جزاء عمله من جنسه، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. كما قال Y: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) (الإسراء:18-20).
وقد يتدخل الرب بحكمته فيدفع أو يمنع؛ وذلك عقوبة أو مكافأة. وقد تكون العقوبة منعاً وإيلاء، أو استدراجاً وعطاء. وكذلك المكافأة: فقد يمنعك الله تعالى ما يضرك وأنت تريده، وقد يمنحك ما تريده وما لا تريده ويزيده.
وبذلك تكون الحكمة قرينة القدر. ومن هنا ينبع الرضا، ويدرك العبد أن الخير كل الخير في الصبر، وأن الراحة في التسليم، والفرح في التفويض.
وما أجمل أن نذكر هنا قول ابن عطاء السكندري: “ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك”. وقوله: “متى فتح باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء”!
- علم الله والقدر
أما علم الله تعالى بمقادير الخلائق من الأزل إلى الأبد، وعلاقته بحرية العبد فملخص في العبارة التي تقول: (علم الله سابق لا سائق). فالله تعالى يعلم ما كان وما يكون، ليس بينه وبين الغيب حجاب، فما مضى وما يمضي وما سيمضي واحد في علم الله. وهذا من لوازم ربوبيته، ومقتضِيات ألوهيته.
يمثل بعضهم هذا التوحد بين الأزمان الثلاثة، وأنها ليست أكثر من ثلاث نقاط في خط واحد هو الزمن، أو كمحطات ثلاث في طريق طويل، بشخصين ينظران إلى هذا الخط من مكانين مختلفين: أحدهما على متن طيارة في السماء، فهو يرى خطاً واحداً فيه محطات ثلاث ويعلم ما يدور فيها، والثاني يقود سيارة على الأرض وقد وصل إلى المحطة الوسطى، فالمحطة الأولى بالنسبة إليه ماضٍ، والثالثة مستقبل، وأما الحاضر فتمثله المحطة التي هو فيها. فيكون الخط بالنسبة إليه مقطعاً أو مقسماً. بينما ليس عند راكب الطيارة هذا التقسيم؛ إذ المحطات بالنسبة إليه كلها على خط واحد هو الحاضر ويرى الأحداث الواقعة ويرصد الحركات الجارية على الأرض في وقت واحد دون فصل، غير أنه شاء أن لا يتدخل فيها إلا في حالات معينة تستدعيها حكمة بينة. فعلمه – والحالة كما وصفت – لا دخَل له بما يجري دفعاً ولا منعاً.
ويمثل غيره علم الله السابق وكيف أنه لا شأنه له بالجبر، ولا تأثير على حرية الاختيار بمعلم ذكي يعرف تلاميذه جيداً. فقدّر حسب علمه وخبرته وكتب في دفتر له أن فلاناً سينجح حائزاً المرتبة الأولى على صفه، وفلاناً سيكون الثاني، وكتب أيضاً أسماء من سينجحون نجاحاً عادياً. وفي الوقت نفسه كتب أسماء الراسبين. وقد بذل ما عليه من جهد في تعليمهم وحثهم على الجد والاجتهاد وحذرهم عاقبة الكسل والتقصير. حتى حل يوم الامتحان، وظهرت النتائج. فمن المقطوع به أن المعلم كلما كان أكثر ذكاء وخبرة كانت النتائج أكثر مطابقة لما قدّر وكتب. فإذا افترضنا أن ذكاءه وعلمه في غاية الاكتمال فإن النتائج وتقديرها سيتطابقان تماماً! والسؤال الأهم هو: هل علم المعلم هذا وسابق كتابته له دخل في نجاح من نجح ورسوب من رسب؟ وهل يتناقض هذا مع تكريم المتفوق ومعاقبة المتخلف؟ هكذا الحال – ولله المثل الأعلى – مع علم الله تعالى.
إذن علم الله المطلق عن قيود الزمن وتقسيماته لا تأثير له في تغيير عمل العبد ونتائجه؛ فعمله يجري حسب إرادته بكامل حريته.
- بين الجبرية والقدرية
في غياب هذا الفهم الشمولي المتوازن لعقيدة (القدر) اشتط قوم فقالوا بــ(الجبر)، وبنوا على ذلك عملهم، لا سيما ما تعلق منه بالعبادة والجهاد، فقعدوا. وتطرف من هؤلاء بعض المخذولين فتركوا طلب الهداية من الأصل؛ متعللين بقول المشركين الذي حكاه الله تعالى عنهم فقال: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) (المائدة:148). وعارضهم قوم فعكسوا قولهم فدانوا بنفي القدر أصلاً، وقالوا بحرية الإنسان مطلقاً، وقد عرف نفاة القدر هؤلاء بـ(القدرية).
لقد خسر الفريقان كلاهما: فالجبرية تركوا العمل بالشرع، وخالفوا حكم العقل، وكانوا أشبه بالمشركين. والقدرية حرموا رعاية الله تعالى وتوفيقه لهم، وفقدوا الاطمئنان إلى كلاءة الرحمن، وصاروا أقرب إلى المجوس من حيث أنهم نصبوا لأفعالهم خالقاً مع الله. ولم يدرك كلاهما أن الأمر وسط بين طرفين، وضاقت قلوبهم عن الجمع بين الأمرين.
ثانياً : المقصود الإيماني بالقدر
وفاز بالحقيقة العارفون، وأفلح بالحق المؤمنون الموقنون. وذلك يتضح أكثر بما يلي:
- غرس الأمل وبعث العمل
إذ لم يجدوا كالإيمان بالقدر غارساً للأمل، وحافزاً للعمل، وباعثاً للجهاد ومقارعة الأوغاد! مع الأمان والاطمئنان إلى موعود الله بأجره ونصره.
فالإيمان بأن الأجل محدود والرزق معدود، لم يؤد بهم إلى القعود، بل جعلهم يندفعون في سبيل قضيتهم غير هيابين ولا وجلين؛ ما دام الحافظ والرازق هو الله! وفي الوقت نفسه يتخذون من الأسباب ما تيسر باذلين فيها طاقتهم، موكلين ما تبقى على الناصر الرازق: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ) (الملك:21،20).
روى أصحاب الرقائق أن صياداً رمى شبكته في نهر، ولما سحبها وجدها ثقيلة جداً! ما هذا؟ سمكة كبيرة؟ ودفع بزورقه باتجاه الشاطئ وهو ينوء بحمله الثقيل. وكانت المفاجأة عندما اكتشف أن صيده لم يكن سمكة كبيرة، إنما هو جثة رجل! ونظر فوجد وجهه يشي بعلامات للحياة وكأنه غرق تواً. وضع الجثمان على الأرض ثم جرّب أن يسعفه بإخراج الماء من صدره، والنفخ في فمه، فإذا الحياة تعود إليه! وكانت أول كلمة ينطق بها: أنا جوعان، أنا عطشان؟ كان لدى الصياد كسرة رغيف تركها في جوف الزورق وشيء من الماء. تناول الغريق تلك الكسرة وشرب الماء، ثم… لوى رقبته وسقط أرضاً، فإذا هو ميت!
قد يقول قارئ: هذه قصص غير واقعية. وأقول: ليكن؛ ليس هذا هو المهم، إنما المهم هو المقصود الكامن وراء القصة. لقد بقي لهذا الغريق بقية من رزق لم ينلها، فعاد للحياة بهذه الطريقة الغريبة ليستوفي ما قسم له! عن أبي أُمامة t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ رَوْحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِيَ أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ وَلا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلا بِطَاعَتِهِ)([1]). وفي الواقع ما هو أغرب وأعجب.
- ثواب الحسنة وثواب السيئة .. ما أعظم القدر ، ما أجمله ..!
الإيمان بالقدر يعني أن الله جل جلاله يعين المحسن برحمته فيبارك جهده ومساعيه، ويَمُد المسيء بعدله فينفذ ما يريده ويشتهيه، وقد يزيده فيُضله ويُرديه. فمن ثواب الحسنةِ الحسنةُ بعدها، ومن جزاء السيئةِ السيئةُ بعدها.
إن هذا القانون يتردد ذكره كثيراً في القرآن الكريم. من ذلك قوله تعالى: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة:10)، (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد:17).
- نتائج الأقدار ليست ثمناً .. بل ثواب بلا حساب لسوابق الأسباب
ويعلمنا الإيمان بالقدر شيئاً أعظم وأنفع. إن نتائج الأقدار ليست ثمناً لسوابق الأسباب، وإنما هي جزاء القدر لمن عمل بالسبب، وثوابه لمن أخذ بهذا الأدب: إن خيراً فخيرٌ، وإن شراً فشر.
أين فعل العبد وسببه من فعل الرب وقدره ؟! ولكن في الأمر نكتة – بل نكت – ما أبلغها! وحكمة – بل حكم – ما أعظمها!
أ. تلك هي أن السبب مهما عظم فهو فعل العبد، وأن نتائج القدر أفعال الرب. وشتان شتان بين فعل الرب وفعل العبد! فالفرق بينهما كالفرق بين الرب والعبد لا يحويه الكلام، ولا تحيط به الأفهام!
ب. غيرَ أن في الأمر نكتة أُخرى هي أن القدر يستدعيه السبب، وأن السبب به نستجلب القدر؛ فقد رتب الله Y هذا على ذاك بحيث لا يكون قدر – إلا ما شاء الله تعالى بحكمته – يتعلق بتكاليف العبد ما لم يكن سبب من العبد إليه. كمن يدعو الله أن يرزقه الولد فعليه أن يتزوج أولاً ثم يرفع بالدعاء يديه. إذن عليك أن تستدعي الأقدار وتستمطر رحمة الله وأفعاله بما تأتي أنت أولاً من أفعال وتتخذ من أسباب.
جـ. ثم ينبغي أن ندرك شيئاً آخر في غاية الأهمية. فنحن حينما نتخذ الأسباب علينا أن نعلم ونؤمن أن نتائجها إذا باركها الرحمن لا تخطر في بال! بينما ضعيف الإيمان يحسبها حساب معادلة الأرقام. فيحجم ونتقدم، وييأس ونرجو. فنحن نتخذ ما استطعنا من أسباب، وإنما نتحدى أعداءنا بالأقدار. ولو كانت حسبتنا مادية بحتة ما تقدمنا خطوة؛ فقوتنا لا تقارب قوتهم، وأعواننا ما أقلهم، وما أكثر أعوانهم! لكننا نعلم أن النصر الذي نترقبه هو قدر الله تعالى وفعله، فإذا ابتغينا إليه الأسباب فاستجاب فمن يقوم له؟ ومن يقاوم فعله؟!
نحن نفهم قوله تعالى وأمثاله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد:7)، نفهمه كالتالي: (تنصروا): هذا سبب. و(ينصركم): هذا قدر. وعندما نقارن بين سبب العبد وقدر الرب، نجد أن الفرق لا يقدر بحساب، ولا يقاس بأسباب! والله تعالى قدّر بحكمته وقضى بقدرته أن ينفخ الروح في سبب عبده حتى يكون أهلاً لتجليات قدره!
الأقدار ليست عوضاً أو ثمناً للأسباب، وإنما هي مكافأة وجزاء بلا حساب. كما أن الجنة ليست ثمناً للعمل أو عوضاً عنه، وإنما هي جزاء وسبب. أما الذي يدخلك الجنة ففضله ورحمته سبحانه، ولو حاسبك لأهلكك. يقول الرسول e: (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ). قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (لَا، وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا). متفق عليه. ولا يتعارض هذا مع قول الله Y وأمثاله من الآيات: (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السـجدة:19). فقد قال العلماء: إن الباء في قوله: (بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) إنما هي باء الجزاء أو السبب، وليست هي باء الثمن أو العوض الذي هو مقصود الحديث الشريف.
[1] – رواه أبو نعيم في الحلية، وغيره، وصححه الألباني.
ثالثاً : النصر والقدر
الأقدار ليست عوضاً أو ثمناً للأسباب، وإنما هي مكافأة وجزاء بلا حساب. كما أن الجنة ليست ثمناً للعمل أو عوضاً عنه، وإنما هي مكافأة وجزاء والعمل سبب وبُغاء.
وكذلك النصر على الأعداء؛ ليس هو عوضاً يساوي ما نبذل في سبيله من جهد، ونتخذ إليه من أسباب ونبتغي من وسائل. إنه هدية الله جل في علاه لمن أطاعه فنصره بما تهيأ عنده من سبب واصل يكفي ضمن شرط التوازن في معادلة الأقدار والأسباب، ولم ينتظر، والمعركة دائرة، حتى يكتمل الاستعداد، ويتم الإمداد بما يساوي استعداد الخصم ومدده.. أو يزيد. فالغيور من إذا سمع هيعة طار إليها بما في يده من سلاح. والسؤال المهم: ماذا ترى سيكون جزاؤه لو كان الصارخ ملكاً أو أميراً ممكناً له في الأرض؟
فكيف والداعي هو الله؟!
وفي ذلك يقول تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (الأنفال:60) ويقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (الأنفال:24).
على أنه لا ينبغي أن نفهم من ذلك جواز التهاون بإتقان العمل، ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً. وفي الهجرة الشريفة درس لنا بليغ. وبهذا نفهم قول الفاروق رضي الله عنه: (أنا لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء)، أي أداء الدعاء بشروطه، فإذا فعلت ذلك كانت الإجابة. إلا لحكمة أو ذنب. وهذان السببان وراء تأخر النصر أو امتناعه.
النصر قدر الرب لا سبب العبد
إذن نحن ننتصر بالأقدار لا بالأسباب.
وهذا سر قوتنا، وحقيقة انتصارنا على عدونا رغم قلة عددنا وضعف عدتنا، وتفوق خصمنا بهذا وذاك علينا. إنما نستجلب الأقدار بالأسباب: لا ثمناً يكافئها، وإنما جزاء يناسبها.
وهذا يدركه أولو الألباب دون الدواب! فيشي المنافق المطموس البصيرة بنا، وينفَضُّ الخاذل الضعيف الإيمان عنا، ويطمع العدو فينا بما يرى من ضعفنا. أما نحن فنتخذ من الأسباب ما قدرنا ومن الوسائل ما علمنا، وتوكلنا على الله تعالى فخضنا المعركة بما استطعنا من إعداد، وقلوبنا مشدودة إلى الأفق الأعلى فمن هناك يأتي النصر ويتصل المدد. منه نبتدئ وإليه ننتهي (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) (هود:123).
وفي مثل هذا يقول ابن عطاء السكندري: “مِنْ عَلاماتِ النُّجْحِ في النِّهاياتِ، الرُّجوعُ إلى اللهِ في البِداياتِ”. ويقول: “مَنْ أَشْرَقَتْ بِدايَتُهُ أَشْرَقَتْ نِهايَتُهُ”.
وما أعظم قول ربنا جل جلاله في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) رواه البخاري. وشتان شتان بين ذكر العبد وذكر الرب، فالله يجازي على ذلك الأمر البسيط هذا الأمر العظيم. وانظر إلى ذراع مقابل شبر! ولكن ذراع من هذا؟ إنه ذراع الرب، مقابل شبر من؟ شبر العبد! ولك أن تتصور عظم الجزاء مع صغر الأداء! فلو كان الذراع مقابل الشبر لكفى به ربحاً، فكيف والذراع ذراع الرب؟! والباع باعه، والهرولة هرولته؟! وكل ما خطر ببالك فالحقيقة خلاف ذلك.
وكذلك النصر يكون. فنحن نقدم شبرنا وننتظر ربنا. فلا تنظروا إلى قلة ما عندنا، ولكن انظروا إلى عظمة ما عنده!
سببٌ يُدعى .. وقدرٌ يرعى
ألا وإن إكسير النصر عندنا مركّبٌ من دواءين: سببٌ يُدعى، وقدر يرعى. وعلتنا في اثنين: متواكل ينتظر القدر بلا سبب يستدعيه، ومتخاذل ينظر إلى السبب بعيداً عن القدر فلا يأتيه.
نظروا بأعينهم إلى الأسباب – وأفئدتهم هواء – فرأوا العدو أقوى منهم فيئسوا وانخذلوا. وإنما المؤمن عينٌ وقلب. عينٌ على الأسباب، وقلب على الأقدار، فيقوى سببه بسر قدره، فيحارب عدوه بقدَر ربه فينتصر!
يقول تعالى: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال:49). ويقول: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا) (الفتح:12،11). ويقول: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا) (الأحزاب:13،12). وغيرها من الآيات التي فضحت المنافقين، ومرضى القلوب من ضعاف الإيمان.
وتحضرني هنا صورة رويت عن النبي e بين أصحابه y وهم يحفرون الخندق وقد اعترضتهم صخرة استعصت عليهم فيستنجدون به فيأخذ المِعول وينزل إليها فيقول: (بسم الله)، ثم يضرب الصخرة ثلاث ضربات يتطاير الشرر مع كل ضربة وهو يقول: (الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إنى لأنظر إلى قصورها الحمر الساعة). ثم يضرب الضربة الثانية فإذا هو يقول: (الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إنى لأبصر قصر المدائن الأبيض). ثم يضرب الضربة الثالثة فيهشم ما تبقى من الصخرة ليقول: (الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إنى لأبصر أبواب صنعاء من مكانى هذا)([1])! حتى قال المنافقون: إن محمداً يعدنا بفتح فارس والشام وأحدنا لا يقدر على قضاء حاجته!
وكان الأسود بن عبد يغوث وهو ابن خال النبي e إذا رأى المسلمين قال لأصحابه استهزاء بهم: “قد جاءكم ملوك الأرض الذي يرثون كسرى وقيصر”!
لهذا نحن نعمل موقنين بالنصر.
لقد ابتدأنا مشروعنا في نصرة أهلنا من تحت الصفر، ولم نجنح إلى القعود لفراغ اليد؛ فإن الموت على نية صالحة خير من العيش آيسين. ولا رضينا السير مع القطيع؛ فليس مقصودنا المرعى وإنما الرعاية. ثم ما الفائدة من العمل في مشاريع نعلم أنها فاشلة؟ ماذا نقول لله؟ وقد فاتحت بذلك بعض النجباء فقال: إنك تحاول المستحيل: أين المال؟ وأين السند؟ وأين الأمن والمكان؟ فابتسمت وقلت في سري: سترى بعون الله كيف يكون المستحيل حقيقة! وهكذا كان. وإذا بمن قال مستحيل يلتحق بالركب فيكون من أوائله!
وإلى اللحظة نجد من النجباء من يرى استحالة الوصول فلا يجيب النداء!
انظروا إلى أفق القدر .. الشيعة إلى زوال
وبفضل معرفة العلاقة بين الأسباب والأقدار أدركنا نهاية إيران وشيعتها، وأن بقاءهم لا يطول، وبشرنا بذلك في زمن كان ما نقول أشبه بالخيال! وقلنا: الشيعة يتوسعون أفقيا ويسقطون عمودياً. وكان حالنا كحال الصدّيق يوم راهن المشركين على هزيمة الفرس أمام الروم في بضع سنين، في زمن كان الفرس يختالون فيه بالنصر حتى يقول الناظر: لا يغلبون!
بهذا وغيره من الأسرار اللطيفة والحكم الجليلة يتجلى لنا قول سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (الْقَدَرُ نِظَامُ التَّوْحِيدِ، فَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى وَآمَنَ بِالْقَدَرِ، فَهِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى الَّتِي لا انْفِصَامَ لَهَا. وَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى وَكَذَّبَ بِالْقَدَرِ، فَإِنَّ تَكْذِيبَهُ بِالْقَدَرِ نَقْضٌ لِلتَّوْحِيدِ)!
فيا للهِ ما أعظمه! وما أجله! وما ألطفه!



إرسال تعليق