الإيمان والتربية الإيمانية - بين الكمال والتكامل و رعاية الإيمان

الكاتب: الدليميتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

الإيمان والتربية الإيمانية - بين الكمال والتكامل و رعاية الإيمان


حضور مبدأ ( الكمال التربوي ) وغياب مبدأ ( التكامل التربوي )

إن الاقتصار على ذكر جوانب القوة في سيرة العظماء دون جوانب الضعف له آثار تربوية ضارة تنعكس على الفرد وعلى المجتمع وعلى المؤسسة في مسارها القيادي على جميع الصعد. منها:

  1. النظرة التقديسية للعظماء فتنقطع رابطة الاقتداء بهم؛ لأن المقدس ليس من جنس البشر. ولا تتم علاقة الاقتداء بين اثنين من جنسين مختلفين.
  2. النظرة الدونية للذات: فرداً ومجتمعاً. واعتقاد عدم القدرة على بلوغ حالات العظماء، أو القدرة على قيادة الأتقياء؛ فأنا أخطئ وأذنب على عكس أولئك. وهي مانع من الترقي الذي يقوم على الثقة بالنفس.
  3. إن هذا ينشئ تصوراً خاطئاً يقوم على أن من ينتابه ضعف – وإن قل – لا يصلح للقيادة. فالقيادة لا تكون إلا لطراز من الناس بخواص عالية تلامس القداسة. ولأنه ما من قائد في الواقع كذلك، وما من قائد نعايشه إلا ونلحظ فيه ضعفاً؛ إذن هو لا يصلح للقيادة. فتضعف الثقة بالقائد، وتنهار المؤسسة.

وهذا سبب رئيس في ظاهرة كفر الأقوام بالنبي المعاصر مع إيمانهم بالنبي الغابر. فالعرب يؤمنون بإبراهيم ويكفرون بمحمد! رغم أن محمداً e أعظم من إبراهيم u! لماذا؟ لأنهم أضفوا من خيالهم على النبي القديم الذي لم يروه صفات فوق صفات البشر، فلما بعث النبي الجديد، الذي يعيش بينهم فيرونه على صفاته التي هو عليها، ولم يجدوا فيه تلك الصفات كفروا به قائلين: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) (الفرقان:7). فهم يعتقدون أن النبي لا ينبغي أن يأكل الطعام، وهو أرقى من أن يخالط الناس. وله من خوارق العادات ما له. وهي قضية قديمة ضاربة بجذورها في أغوار التاريخ: (قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (إبراهيم:11،10). وقد رد عليهم القرآن أوهامهم هذه وأمثالها بأن النبي من جنس البشر في عدة مواضع من القرآن، منها قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ) (الكهف:110)، (فصلت:6).

وإذ حسم القرآن هذه القضية بالنسبة للأنبياء ب، حوَّل الناس نظرتهم التقديسية إلى القادة والعظماء الذين لم يروهم فأضفوا عليهم من الصفات ما يعجز عنه أمثالهم ممن يعيشون بينهم فيرونهم على صفاتهم التي هم عليها. فتكون النتيجة ضعف الثقة بالقائد المعاصر. والثقة بالقائد مِن أُسُـس نجاح المؤسسة صغرت أم كبرت؛ فيؤدي ذلك إلى ضعفها وتفككها. ولا يجد القائد وسيلة غير القوة لانصياع الناس، وإلا كان مصيره الفشل؛ ومن هنا ينشأ الاستبداد والطغيان. وما دامت القوة بيد القائد أو الزعيم فالناس ينقسمون إزاءه ثلاثة: مغفل ومداهن ومحبط. فالمغفل يقول في نفسه: أليس القائد يملك من الصفات كذا وكذا ما يفوق به البشر؟ وفلان قائد؛ إذن هو يملك تلك الصفات. فينتهي به الحال إلى أن يصير بوقاً وآلة للتصفيق والصفير لـ(عظمة) القائد التي لا وجود لها خارج نطاق خياله الخصب. وقد يصدق الزعيم ما يزعمه فيه الناس بحكم التكرار فتكتمل حلقة الاستبداد والاستعباد.الشيء نفسه يفعله المداهن والمنافق لكن دون اعتقاد. وأما المحبط فيعتزل هؤلاء جميعاً آيساً منكفئاً على ذاته. يجتر التاريخ قائلاً: أين أنت يا عمر؟ اخرج من قبرك يا صلاح الدين! القدس تبكيك، وبغداد تناديك.

ويرتقي الخطيب المنبر فيقول: أين نحن من أولئك؟ وقد يكون كلامه أكثر مباشرة وجلداً فيتوجه بالكلام إلى الحاضرين: أين أنتم من أولئك؟ ويذكر صلاح الدين الأيوبي فيصفه بأعلى الأوصاف حتى يدعي أنه لم يبتسم قط، فإذا سئل أجاب: كيف أبتسم والمسجد الأقصى يئن في الأسر! وأنه عند موته أخرج جراباً فقال: هذا من غبار المعارك، اصنعوا منه لبنة وضعوها تحت رأسي في اللحد! ويدور حوار بين السامع وبين نفسه يخلص منه قائلاً: أنى لي بذلك! وفلان الذي يقودني يضحك رغم مآسينا؛ نحن لا يصلح للقيادة.

الحقيقة أنه لا أحد يمكنه أن يبلغ هذا الشأو، ولا صلاح الدين! ولا مطلوب منه ذلك: لا شرطاً للصلاح ولا للقيادة. وهل تعلم أن صلاح الدين هذا الرجل العظيم شرب الخمر في مرحلة من حياته ثم تاب؟ كما ذكر عنه المؤرخون ذلك، منهم الذهبي في (سير أعلام النبلاء). وأضاف: “كان محبباً إلى نور الدين يلاعبه بالكرة “. وليس ذلك بضائره ما دام أنه تاب وأصلح وعمل من الأعمال ما سبق به كثيراً ممن لم يشرب الخمر ولم يَلْهُ بالكرة. وفي ذلك درسان: درس إيمان وعبادة لكل المقيمين على ذنب أن هلموا فأقلعوا، وهذه معارج الصعود أمامكم فتسلقوها، فلن يقف في وجوهكم ذنب تريدون التوبة منه أن تبلغوا مدارج السالكين. ودرس نصرة وقيادة أن التفوا حول من غلب عليه الصلاح وحاز الكفاءة من قياداتكم فليس الوقوع في اللمم مانعاً من بلوغ القمم. كما أن الميدان مفتوح واسعاً أمامكم فإن شئتم فادخلوه ونافسوا فيه من تشاءون.

فأي المنهجين أقرب إلى منهج القرآن الكريم؟ وأيهما أقرب لإصلاح النفوس وإعداد الشخوص: المنهج الأحادي أم المنهج التكاملي في التربية؟

هل أنت معي الآن في هذه المعادلات الأربع:

الخطأ جزء من معادلة الصواب..

والخطيئة جزء من معادلة الثواب..

والمشكلة جزء من معادلة الحل…

والفشل جزء من معادلة النجاح؟

ثالثاً : رِعَايَةُ الإيمَان

 

  1. مجاهدة النفس
  2. . العمل بالعلم
  3. المداومة على العمل

نبضات الإيمان وومضاته

والتقوى قد تكون نبضة في قلب كافر تنبع من نقطة خير فيه، أو ومضة أمام عينيه تشرق في لحظة فتضيء كيانه كله فتكون الهداية، ما لم يعترضها مانع من كبر أو شهوة وما شابه. فالقرآن الكريم فيه طاقة قادرة على تحريك الحجر الأصم كما قال تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الحشر:21)، فما بالك بإنسان له قلب من لحم ودم؟!

فهذا جبير بن مطعم – عندما سمع الرسول يقرأ سورة (الطور) بمكة – يصف نفسه في تلك اللحظة (وهو ما يزال على شركه) فيقول: (فكاد قلبي يطير)!

ووصف Y وفد النجاشي إلى النبي e فقال: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (المائدة:83،82). وهناك أمثلة لنبضات وومضات عارضات تحولت إلى حالة دائمة. كما آمن عمر بن الخطاب t عندما سمع آيات من سورة (طه)، وقد تهيأ قلبه عندما رق لمنظر الدم يتدفق من وجه فاطمة أُخته وقد ضربها بكفه! أما بعد الإسلام فتلك حال أُخرى أسمى وأرقى! لقد تحولت الومضة إلى إشراقة شاملة، والنبضة إلى طاقة فاعلة وحياة دائمة.

يسمع t رجلاً يتهجَّد في الليل ويقرأ سورة الطُّور، فلما بلغ قوله جل وعلا: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) (الطور:8،7) قال: قَسَمُ حقٍّ ورب الكعبة، ثم رجع إلى منزله فمَرِض شهراً، يَعوده الناس ولا يدرون ما مرضه، ما به إلا الخوف من الله!

وما أجمل قول ابن الجوزي حين يقول: (يا عجباً لخوف عمر مع عدله، وأمنك مع ظلمك)! ويا سعادة من استثمر هذه النبضات لتحويلها من حافز في لحظة عارضة إلى محرك مستمر لحالة دائمة!

بين الومضة العارضة والإشراقة النابضة

قد تتحول الومضة العارضة إلى إشراقة شاملة، والنبضة المتلاشية إلى حياة دائمة، بحيث يكون لقلب المؤمن في كل لحظة نبضة مفعمة بالحيوية والعافية، وله عند كل غمضة ومضة تجمل الآفاق بالإشراق. عند ذلك تتحول الأشياء كلها من حوله إلى مادة للعِبرة، ومصدر للفكرة!

يمر أحدهم وهو في السوق من أمام فرن للخبز، فيرى النار وكيف تشوى بها الأقراص، فيتغير لونه وتختلج قدماه. فيسأله صاحبه: ما بك؟ فيجيبه: أما ترى؟! تخيل نفسك لو أنك الآن تشوى مكان الخبز! فكيف بنار جهنم؟!

ويذهب رجلان في حاجة إلى نداف فيدخلان عليه وبيده آلته يندف بها كوماً من القطن، فيأخذ أحدهما بالبكاء. فيعجب صاحبه ويسأله ما الذي يبكيه؟ فيقول له: أما تسمع يا أخي ماذا يقول لي المِندف؟ فيحتار صاحبه فيسأله ثانيةً: وماذا تقول لك هذه الآلة الصماء؟ قال: ألا تسمع صوته؟! إنه يقول لي: “تُب.. تُب.. تُب…”! يقصد الصوت الذي يصدره المِندف حين يستعمله النداف، وهو  شبيه بكلمة “تب” مكررة.

وتذكرت صوت القلب عندما نتحسسه بالسماعة: “لُب.. تُب … لُب.. تُب…”: هذا هو صوته. أليس (اللب) هو القلب؟!].

هذا وربنا جل في علاه ينادي ويقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التحريم:8). فهنيئاً لمن استجابوا فتابوا! ولكن كم من الخلق يصم أذنيه، ويُختم على لبه فلا يجيب؟! والمهم كيف نثير الومض ونبعث النبض؟ وكيف نحولهما في داخلنا إلى إشراق نابض دائم؟ ينير النفس ويمدها بالطاقة ويزكيها، ويفيض على الآفاق فيبهجها ويحييها. فإليك ذلك:

وسائل الرعاية

  1. مجاهدة النفس
  2.  العمل بالعلم
  3. المداومة على العمل

ومن أهم وسائل رعاية الإيمان وتعهده مجاهدة النفس ومراقبتها ومحاسبتها، التغذي على مواد الإيمان والمداومة عليها، والعمل بالعلم:

  1. مجاهدة النفس

وذلك بأن يجاهد المرء رعونات نفسه ويتعهد قلبه، فيطهر المحل من المانع المخل، وهو سعار الشهوة وخفيها، ونُثار الشبهة وطَميها. ثم يستمر بمساقاته وتغذيته بمواد الإيمان، ومحققات الإحسان. (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69). مع دوام المراقبة وتخولها بالمحاسبة.

  1. العمل بالعلم

تثبيت العلم في القلب لا يكون بغير العلم به. بل العمل بالعلم ينميه ويزيده علماً جديداً وعملاً مديداً. ومصداقه قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (النساء:66-68). وقوله: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد:17). وقوله: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (المائدة:17،16).

قال شيخ الإسلام (التحفة العراقية:): فَمن عمل بِمَا علم أورثه الله علم مَا لم يعلم. واستدل بهذه الآيات ثم قال: وشواهد هَذَا كَثِيرَة فِي الْكتاب وَالسّنة.

وَكَذَلِكَ من أعرض عَن اتِّبَاع الْحق الَّذِي يُعلمهُ تبعاً لهواه فَإِن ذَلِك يورثه الْجَهْل والضلال حَتَّى يعمى قلبه عَن الْحق الْوَاضِح كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا  زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (الصف:5). وَقَالَ تَعَالَى: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة:10)… وَلِهَذَا قَالَ من قَالَ من السّلف كسعيد بن جُبَير: إِن من ثَوَاب الْحَسَنَة الْحَسَنَةَ بعْدهَا وَإِن من عُقُوبَة السَّيئَة السَّيئَةَ بعْدهَا. وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن مَسْعُود t عَن النَّبِي e أَنه قَالَ: (عَلَيْكُم بِالصّدقِ فَإِن الصدْق يهدي إِلَى الْبر وَإِن الْبر يهدي إِلَى الْجنَّة وَلَا يزَال الرجل يصدق ويتحرى الصدْق حَتَّى يكْتب عِنْد الله صديقاً. وَإِيَّاكُم وَالْكذب فَإِن الْكَذِب يهدي إِلَى الْفُجُور وَإِن الْفُجُور يهدي إِلَى النَّار وَلَا يزَال الرجل يكذب ويتحرى الْكَذِب حَتَّى يكْتب عِنْد الله كذاباً. فَأخْبر النَّبِي e أَن الصدْق يسْتَلْزم الْبر وَأَن الْكَذِب يسْتَلْزم الْفُجُور.

  1. المداومة على العمل

للإيمان مادته التي يتغذى عليها وينمو بها، وقد لا تكون متوفرة ابتداءً في القلب، فيمكن اكتسابها بالمران عليها وتكلفها والمداومة على ذلك. روى الطبراني وحسنه الألباني عن أبي الدرداء t قال: قال رسول الله e: (إنما العلم بالتعلم، ووإنما الحلم بالتحلم). وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَاساً مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللّهِ e فَأَعْطَاهُمْ. ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ. حَتَّىٰ إِذَا نَفِذَ مَا عِنْدَهُ قَالَ: (مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ. وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللّهِ. وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللّهُ. وَمَنْ يَتصبرْ يُصَبِّرْهُ اللّهُ. وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ) متفق عليه. فقد لا يكون المرء عفيفاً عما في أيدي الناس فيحمل نفسه على قطع التعلق به والامتناع عن قبوله فيكون عفيفاً مستغنياً بالله عنهم. ولا يكون المرء صبوراً فيكون كذلك بتكلف صفة الصبر وتعاطيها وحمل النفس عليها. وهذا يعني أن الأخلاق قابلة للتغير. والطبع، إن لم يكن قابلاً للتغيير، فهو قابل للتعديل. والنفوس تستجيب للترويض. وبذلك صرح ابن قيم الجوزية في كتابه (الجواب الكافي والدواء الشافي).

ومن الطرق العلمية السهلة في اكتساب الصفات العلية وتذليل صعوبات اكتسابها، التركيز على مادة إيمانية واحدة والمداومة عليها، فيجد المسلم نفسه قد اكتسب بقية الصفات. فإن مواد الإيمان كـ(الأواني المستطرقة)، وهي التي تختلف في أشكالها لكن تتصل من أسفلها؛ فمهما سكبت الماء في واحدة انتقل إلى بقية الأواني وبالمستوى نفسه الذي صار عليه في الآنية الأولى.  وإلى هذه الطريقة البديعة أشار شيخ الإسلام بقوله في (التحفة العراقية في الأعمال القلبية): كَانَ بعض الْمَشَايِخ إِذا أَمر متبعيه بِالتَّوْبَةِ وَأحب أَن لَا ينفر ويتعب قلبه أمره بِالصّدقِ. وَلِهَذَا يكثر فِي كَلَام مَشَايِخ الدّين وأئمته ذكر الصدْق وَالْإِخْلَاص حَتَّى يَقُولُوا: قل لمن لَا يصدق لَا يَتبعني وَيَقُولُونَ الصدْق سيف الله فِي الأَرْض مَا وضع على شَيْء إِلَّا قطعه وَيَقُول يُوسُف بن اسباط وَغَيره مَا صدق الله عبد إِلَّا صنع لَهُ. وأمثال هَذَا كثير.


شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

6521740849391641416

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث