الإيمان والتنمية الإيمانية - التنمية الذاتية، التدبر، أعظم التدبر

الكاتب: الدليميتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق


 الإيمان والتنمية الإيمانية - التنمية الذاتية، التدبر، أعظم التدبر

التَّنمِيَةُ الذَّاتِيَّةُ لِلإيمَان

أولاً : النظر في آيات القرآن

  1. إطلاق طاقة التفكر والتدبر
  2. إطلاق طاقة الشعور والتأثر

ثانياً: النظر في آيات الأكوان

  1. إطلاق طاقة التفكر والتدبر
  2. إطلاق طاقة الشعور والتأثر

ثالثاً: رعاية الإيمان

  1. 1. مجاهدة النفس
  2. العمل بالعلم
  3. المداومة على العمل

يعتمد جمهور الناس: عامةً ونخبة في معرفة دينهم وتزكية أنفسهم على إمام المسجد وخطيبه في أغلب الأحوال، لا سيما يوم الجمعة إذ يؤدون صلاتها ويستمعون إلى خطبتها. وقلما يحظى المصلون بخطيب مِصقع يلامس بكلماته القلوب فتجلُ بذكر الله وتخشع، ويزداد بتلاوة آياته إيمانهم فيربو ويتجدد، وتنشط جوارحهم وأبدانهم للعمل. وإن حصلوا في بعض الأحيان على مثل هذا الخطيب الذي يهز القلوب وينفض ما علق فيها من درن، فإنما هي موعظة ساعة، سرعان ما تدرج في أكفان الحياة ومعاناتها. وهذا أحد أسباب ضعف الإيمان في المجتمع.

بدل أن تمنحني وردة علمني كيف أغرس شجرتها

إيمان جمهورنا إذن يستورد من الخارج بالتلقين والحث، وليس من الداخل بالحوار الفاعل بين الوحي والأفق والنفس. بينما الحكمة تقول: بدل أن تمنحني وردة علمني كيف أغرس شجرتها. وفي طلب المؤمنين الهداية من الله في آخر سورة (الفاتحة): (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة:6)، وجوابه تعالى لهم في أول سورة (البقرة) قائلاً: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:2) إشارة إلى أن الهداية لا تمنح من الخارج منحة حتى لو كان المانح هو الله الذي هو على كل شيء قدير! ما لم تصنع من الداخل صناعة قوامها العبد الراجي والكتاب الهادي، فدونكم هذا الكتاب فخذوا بما فيه هدىً للمتقين العاملين لا لغيرهم.

كيف يمكن أن ينمي المسلم إيمانه ذاتياً، ويرعاه بنفسه، ويزكيه دون الاعتماد بصورة أساسية على حث الآخرين وموعظتهم وتأثيرهم؟

من خلال تدبر آيات الكتاب الكريم وجدنا لتحقيق ذلك ثلاث آليات متلازمة: النظر في آيات القرآن، والنظر في آيات الأكوان، مع رعاية الإيمان. وفيما يلي بيان لكل واحدة من تلك الآيات العظيمة.


أولاً : النَّظَرُ في آيَاتِ القُرآن

 

  1. إطلاق طاقة التدبر والتفكر

أ. الافتقار إلى مدد القهار

ب. قراءة تجمع بين العلم والعبادة والقضية

جـ. التفكر في أسماء الله وصفاته وأفعاله

د. ثق بقدرتك وقدرات الآخرين

هـ. اسأل وناقش

أمر الله تعالى عباده بتدبر معاني القرآن الكريم فقال: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص:29). وهذا الخطاب يستغرق كل مسلم دون استثناء إلا الأبله والمجنون وأمثالهم. ولهذا عمّ بالذم المعرضين عن التدبر والمعطلين لآلة التفكر في آيات القرآن فقال: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد:24)، وقال: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) (الفرقان:73)، ثم قال بعدها مباشرة: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان:74). فصاحب العقل التقبلي الجامد والفهم التقليدي الراكد لا يكون قائداً لا في بيته ولا مجتمعه. إنما ذلك الرِّبِّي الذي يقرأ كتابه قراءة ربانية تحقق قوله Y الذي هو أول كلمة طرقت سمع النبي e: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق:1). اقرأ.. ولكن باسم ربك.. وتحسس كلمة (اسم) من حيث لفظها وجرْسها! أولها (همز) هو أول حروف المعاني ولكنه همز وصل يصلك بربك. وآخرها (ميم) تجمع له شفتيك كما تفعل حين تقول (اللهمَّ) فتجمع به كل أسماء الربوبية. ووسطها (سين) تطرد به كل وساوس الشياطين!

إذن كانت القراءة الربانية حاضرة مع القرآن منذ أول لحظة.. منذ أول لفظة! فما هي معالم هذه القراءة؟

أ. الافتقار إلى مدد القهار

أول وأعظم ما يستعان به على تدبر كتاب الله تعالى اللجوء إليه، والانطراح بين يديه، وطرح بساط الافتقار إليه، ودعاؤه والإلحاح في طلب العلم وفتح مغاليق الفهم. ويتم ذلك بشيئين: دعاء وعمل.

وفي سورة الفاتحة صورة رائعة لذلك؛ فلما دعا العبد ربه: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (الفاتحة:6)، جاءت الاستجابة مباشرة: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:2): “اهدنا، هدى”. أي من أراد الهداية فهذا الكتاب دونكموه.. اقرأوه وافقهوه، واعملوا به.

وفي صراط الذين أنعم الله عليهم بيان وائتساء. فهذا شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه اللهعلى سيلان ذهنه وسعة علمه وجلالة قدرهيقول: ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مئة تفسير ثم أسأل الله الفهم وأقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني. وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها وأمرغ وجهي في التراب وأسأل الله تعالى وأقول: يا معلم إبراهيم علمني، يا مفهم سليمان فهمني.

يقول تلميذه ابن القيم: وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك. وكان إذا أشكلت عليه المسائل يقول: يا مُعَلِّم إبراهيم عَلِّمْنِي، ويُكْثِر الاستعانة بذلك اقتداءً بمعاذ بن جبل t، حيث قال لِمَالِك بن يَخامر السكسكي عند موته، وقد رآه يبكي، فقال: والله ما أبكي على دُنيا كنت أُصِيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك. فقال معاذ بن جبل t: إن العلم والإيمان مكانهما مَن ابتغاهما وَجدهما؛ اطْلُب العِلْم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء، وعند عبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وذَكَر الرابع، فإن عَجَز عنه هؤلاء فسائر أهل الأرض عنه أعْجَز، فعليك بِمُعَلِّم إبراهيم صلوات الله عليه.

ومن أجمل ما قرأت ما قصه علينا سيدنا الفاروق t فقال: اتعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاصي بن وائل السهمي التناضب (موضع فوق سرف على مرحلة من مكة) من أضاة بني غفار (أرض تمسك الماء فيتكون فيها الطين) فوق سَرِف، وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه. فأصبحت أنا وعياش عند التناضب، وحبس عنا هشام، وفتن فافتتنوعندما نزلت الآية (قل يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً) الآية، كتبها عمر وأرسل بها إلى هشام بن العاصي بمكة، فوجد صعوبة في فهمها، فدعا الله أن يفهمه إياها، فألقى الله في قلبه أنها نزلت في أمثاله. فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة([1]).

ب. قراءة ربانية تجمع بين العلم والعبادة والقضية

لنبدأ مع رحلة الوحي من أولها. كانت سورة (العلق) أول سورة تطرق سمع النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت أول كلمة فيها هي كلمة (اقرَأْ)! بينما كانت (اسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) آخر كلمة فيها. وبين (اقرَأْ) و (اسْجُدْ) توسطت (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى)؛ فلم يتم الانتقال من القراءة والعلم إلى السجود والعبادة إلا عبر الاهتمام بالعدو، وبهذا الهم تولد القضية.

والقراءة (بِاسْمِ رَبِّكَ)، فهي قراءة ربانية تجمع بين أمرين: الخشوع والوعي. فهي من ناحية متعلقة بجناب الرب جل في علاه تلهج باسمه (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)، ومن ناحية تجول في رحاب الكون تتفكر في آيات مبدعه (الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ)، وتكر على خبايا النفس تتعرف على جوانب قوتها وضعفها (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى)، ثم ترجع أخيراً إلى ربها: (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى)، تستعين به على عدوها (الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى)! وتؤمن بأن عاقبته سيئة (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ)، وتختم جولتها بطاعة ربها والاستمداد منه وحده، مستعلية على طاعة عدوه، لتنتهي بالسجود بين يديه متقربة إليه (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ).

إن القراءة الربانية لا تؤتي أُكلها من العلم بالتفكر وزيادته بالتدبر وثمرته بالخشوع وغايته بالعمل إلا للعاملين المجاهدين، الذين يعانون تصاريف الحياة في سبيل قضية ربانية سامية. فيكتشفون دوماً معاني جديدة للآيات فاعلة مؤثرة تتعشق حاجاتهم، وتلامس أطراف مشاعرهم لتنزل معها إلى الأعماق، فتلهج الألسن بالدعاء، وتتحرك القلوب للالتجاء، وتتندى العيون بالخشوع، وتبرق بالأمل المطمئن بالإيواء إلى ركن شديد.

وإن ابتعاد الناس عن العمل بمستحقات القضية خوفاً من تبعاتها، وجنوحهم إلى الأعمال الفردية رغبة في سلامتها أحد الأسباب الكبرى في تحول قراءتهم للقرآن العظيم إلى قراءة تقوم على التكاثر والهذرمة، غايتها عدد المرات التي يختم المسلم فيها القرآن أكثر من التوقف للتفكر والتدبر من أجل زيادة العلم وإحسان العمل. ومن جرّب عرف!

قراءة تبدأ بالعلم وتثني بالخلُق وتتوسط بالعبادة وتتكلل بالقضية

عندما تتفكر في سر تسلسل السور الأربع الأول نزولاً في القرآن الكريم: (العلق فالقلم فالمزمِّل فالمدثِّر) يمكنك الوصول إلى ما يلي:

إذا اعتبرنا أن تربية الوحي للإنسان وإعداده للخلافة الربانية قد بدأت من العلم فأمرته بالقراءة في سورة (العلق)، فإن مسيرة هذه التربية كانت خطوتها الثانية تعظيم الخُلُق في سورة (القلم) بعد التأكيد على سمو منزلة العلم حين أقسم بالقلم فقال سبحانه: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4). ثم ذكر خوارم الخلق في جولة سريعة استغرقت (8) آيات ابتدأت بقوله تعالى: (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) (القلم:8) وانتهت بقوله: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (القلم:15).

الخلُق إذن هو المطلوب الثاني في عملية التربية الربانية قبل الانتقال إلى المطلوب الثالث، ألا وهو العبادة بالصلاة وتلاوة القرآن في سورة (المزمل): (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا) (المزمل:1-4).

لماذا كل هذا: العلم والخلق والعبادة؟ هل من أمر آخر تنتهي عنده كل هذه الأمور؟ أم لا شيء بعد ذلك؟ فالعبادة المجردة هي المطلوب النهائي؟

ويأتي الجواب من النص نفسه: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) (المزمل:5). والآية جملة سببية للجملة السابقة لها؛ فالجملة بعد الجملة إما تفسيرية أو سببية. أي افعل هذا كله استعداداً لأمر ثقيل سنلقيه عليك لما يحن وقت إلقائه بعد، فهيئ نفسك بالعلم والخلق والعبادة لاستقباله!

وتأتي السورة الرابعة لتفصح عن هذا القول الثقيل، وثقل القول إنما هو بثقل ما فيه من أمر، وعاقبته من نصر، وجزائه من أجر، فقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ) (المدثر:2،1). هنا انتقل العبد العالم العابد ذو الخلق العظيم من مجال العلاقة بين العبد والرب إلى العلاقة بين العبد والخَلْق، فصار يكابد هم مجتمع عليه أن يقوم بإنذاره وتخويفه من المصير السيئ الذي يتربص به. أي صار يحمل هم قضية، وذلك هو الجهاد الذي يبدأ بالإنذار وينتهي بالقتال. فاكتملت الدائرة وتمت العبادة بمعناها الشامل. وزال الإشكال الذي يمكن أن يرد على قولنا بأن العبادة ليست هي نهاية المراحل، إنما ذلك هو الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، مع أن الله تعالى يقول: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56). إذ العبادة لا تتم إلا بالجهاد، وما قبله عدة وزاد.

 

[1]رواها ابن حجر مختصرة بقوله (الإصابة في معرفة الصحابة، 3/223): وأخرج بن السكن بسند صحيح عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: اتعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص حين أردنا أن نهاجر وأينا تخلف عن الصبح فقد حبس فلينطلق غيره قال: فأصبحت أنا وعياش وحبس هشام وفتن فافتتنالحديث.إ.هـ.


حـ. أعظم التدبر والتفكر هو في أسمائه تعالى وصفاته وأفعاله

 

أعظم ما ينمي الإيمان في قلب العبد التعرف على الرب سبحانه من خلال النظر في أسمائه وصفاته الواردة في آيات القرآن، ومن خلال النظر في عجيب أفعاله المتجلية في عظيم خلقه، والاستدلال بالمخلوق على صفات الخالق.

قف عند هذه الآية: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام:59). وتأمل!

د. ثق بقدرتك وقدرات الآخرين

وإذ كلف الله تعالى جميع عباده بالتدبر والتفكر، فهذا يستلزم أن ذلك مقدور لهم جميعاً؛ فالله لا يأمر بشيء هو خارج نطاق القدرة. لكن ثمت فرق بين أن تفكر وتتدبر لنفسك، وبين أن تُصَدِّر ذلك علماً لغيرك، فهذا من شأن العلماء المختصين، وذلك واجب على كل المسلمين. وأظن الخلط بين الأمرين أحد أسباب ضعف التدبر. والعلاج يكون بتشجيع الجميع على التمعن في الآيات وإثارة العقل باتجاه فهمها واستنباط أسرارها.

عملياً يتم ذلك بعقد حلقات قرآنية يطلب فيها من كل واحد من الحاضرين أن يقول رأيه في معنى الآية ومتعلقاته. وسيجد من ذلك عجائب وأسراراً لا تتهيأ له بالقراءة وحدها، ومن أشخاص يبدون في نظره عاديين، ليسوا هم بأهل اختصاص!

قال جلال الدين السيوطي: من الآيات ما أشكلت مناسبتها لما قبلها: من ذلك قوله تعالى في سورة القيامة: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) (القيامة:16) الآيات فإن وجه مناسبتها لأول السورة وآخرها عسر جداً، فإن السورة كلها في أحوال القيامة حتى زعم بعض الرافضة أنه سقط من السورة شيء، وحتى ذهب القفال فيما حكاه الفخر الرازي أنها نزلت في الإنسان المذكور قبل في قوله: (ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر) (القيامة:13). قال: يعرض عليه كتابه فإذا أخذ في القراءة تلجلج خوفاً فأسرع في القراءة، فيقال له: لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا أن نجمع عملك وأن نقرأ عليك فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالإقرار بأنك فعلت ثم إن علينا بيان أمر الإنسان وما يتعلق بعقوبته.. انتهى. وهذا يخالف ما ثبت في الصحيح أنها نزلت في تحريك النبي e لسانه حالة نزول الوحي عليه([1]).

لكن هذا الأمر الذي تعسر على العلماء، ومنهم السيوطي نفسه، ولم يجدوا له جواباً شافياً، نطقت به صبية لي لم تتجاوز عامها الرابع عشر!

كان ذلك بعد مدة من قراءتي لقول السيوطي وعجزي عن إدراك المناسبة المطلوبة. وفجأة ومن دون تفكير طفا المعنى المناسب على ذاكرتي وكأنني ألمسه بيدي! كنت أصلي صلاة الصبح بالعائلة، فقرأت بهم سورة (القيامة)، فاكتشفت أن (الجمع) هو المعنى الرابط بين الآيات. التفتّ بعد انتهاء الصلاة لأخبرهم بهذه المفارقة. فإذا ابنتي فاطمة تقول مباشرة قبل أن أبين لهم ما اكتشفته: الأمر سهل. هناك معنى واحد تدور حوله الآيات هو الجمع المذكور مع العظام، ومع الشمس والقمر، ومع القرآن في صدر النبي صل الله عليه وسلم. فالذي يقدر على إحياء الإنسان وجمع عظامه بعد الموت، وجمع الشمس والقمر عند الخسوف، قادر على جمع القرآن في صدر النبي دون نسيان بلا حاجة لتحريك اللسان وترديد الكلام! فهذه صبية اهتدت في لحظة إلى ما عسر تحصيله على أفذاذ العلماء في قرون!

من لطائف التأمل

تأملت في سر قراءة (آية الكرسي) بعد كل صلاة! فعجبت كيف لحاكم يفعل ذلك ويتيه على الناس بكرسيه أو يتكبر عليهم بملكه، وفوقه رب (وسع كرسيه السموات والأرض)!

وذات يوم وقد انتهيت من قراءة كتاب ممتع، فأحزنني أن كلماته وصفحاته الممتعة قد انتهت، وشعرت كأن الكتاب قد مات، وليس بيني وبينه إلا أن أضعه في تابوت الرف. كنت أتفكر في هذا وأقول مع نفسي: كل كتاب تنتهي حياته عند آخر صفحة من صفحاته، ويموت هناك. ثم ذكرت القرآن العظيم فتضايقت من تلك الفكرة، قلت: لو كانت صحيحة لشملت القرآن أيضاً، بَيْدَ أن القرآن حي لا يموت. فهل الفكرة مجرد حديث نفس أو خاطرة خاطئة؟ كلا فكل كتاب يموت إلا القرآن. وأكر على الفكرة مرة ثانية وثالثة، إنها قوية؛ فكيف؟! وفي لحظة توهج خاطفة اكتشفت سراً من أسرار القرآن!

لقد انتهى هذا الكتاب العظيم بالاستعاذة. أليس كذلك؟ والاستعاذة تعني الشروع في قراءة القرآن: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (النحل:98)! وإذن أنت حين تقرأ سورة (الناس) فكأنك تستعيذ من الشيطان لتبدأ قراءة القرآن من جديد، وليس لتنتهي وتتوقف عن القراءة. إنها بداية إذن وليست نهاية.

هنا قفز إلى ذهني قول روي عن النبي e: (أفضل الأعمال الحال المرتحل)([2]). قيل: هو الذي لا ينتهي من قراءة أو ختمة حتى يرتحل فيحل في أُخرى. وروي أن السلف كانوا يستحبون إذا ختموا القرآن أن يقرأوا من أوله آيات.

وجدت أفضل طريقة للتدبر هي ما جمعت بين ثلاثة وسائل: التدبر الذاتي، والاطلاع على تفسير العلماء، مع نقاش الجلساء والأصدقاء.

هـ. اسأل وناقش

كثير من لطائف التفسير وأسرار القرآن العظيم استفدتها من المجالس والنقاشات الخاصة، وبالتفكر والتدبر الذاتي.

تساءلت عن سر انقسام سورة (آل عمران) بين الحديث عن النصارى وضلالاتهم، وبين الحديث عن معركة (أُحد)؟ فبادرني تلميذ ليوكان جالساً معي في السيارة وهي تتهادى بنا في ريف اللطيفيةقائلاً: بنيت السورة على الأمر باتباع المحكم والنهي عن اتباع المتشابه ولو كان قرآناً نازلاً من الله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (آل عمران:7)! وكلا الفريقين خسر بسبب اتباع المتشابه وترك المحكم: النصارى خسروا دينهم حين تركوا محكم الإنجيل وكلام المسيح u، واتبعوا متشابه الصليب متخذين من الحكايات التي نسجت حوله ذريعة لتأليهه دون الله. والثلة التي على التل في (أُحد) خسروا معركتهم حين تركوا محكم وصية النبي e لهم وأمره الجازم بعدم النزول من التل سواء أبيد المسلمون عن آخرهم أو انتصروا على عدوهم حتى يأتيهم الأمر منه، واتبعوا المتشابه طمعاً في الغنائم فخسروا بذلك المعركة. وهكذا تجد بقية مشاهد السورة كذكر فرعون الذي يضل الناس بمتشابه السحر، وكفر الناس اتباعاً لزينة الدنيا وشهواتها، وهي كالسحر خيال في خيال.

 

[1]الإتقان في علوم القرآن (2/221-222)، دار الكتاب العربي، 1419/1999.

[2]رواه الترمذي وقال: غريب، أي ضعيف. ورواه البيهقي وسكت عنه. وضعفه بعض العلماء، وحسنه بعضهم، وقطع بصحته آخرون.

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

6521740849391641416

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث