الإيمان والتنمية الإيمانية - طاقة الشعور، آيات الأكوان، الشعور

الكاتب: الدليميتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق


الإيمان والتنمية الإيمانية - طاقة الشعور، آيات الأكوان، الشعور


 إطلاق طاقة الشعور والتأثر من خلال القرآن الكريم

2. إطلاق طاقة الشعور والتأثر

أ. إرادة الانتفاع      

ب. تخلية القلْب من القَـبْل

جـ. تهيئ تربة الإيمان لزرع القرآن    

د. القراءة المتدبرة


ثمت خطوات متسلسلة في مدارج الوصول إلى الشعور والتأثر بتلاوة القرآن الكريم. وعلى قدر توفر هذه القوى في القلب يكون تحصيل الشعور كماً ونوعاً. وهي: توجه الإرادة إلى الخشوع والانتفاع. ثم تخلية القلب والسعي في علاجه. ثم توفير بيئة الإيمان لزرع القرآن. وأخيراً يأتي دور التدبر والقراءة المتأنية.  وذلك من معنى قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (ق:37): فالقلب قلبان: قلب جاهز، وقلب يتجهز: بالإنصات وتفريغ القابل من الشاغل.

التدبر مع الإرادة المنبعثة من قلب خالٍ من العوارض: شبهات وشهوات، هو الذي يطلق طاقة الشعور في ذلك القلب فيعتريه الوجل إذا ذكر الله، وازداد إيماناً بتلاوة القرآن، وانطلقت بقية قواه الكامنة – وأولها التوكل – ففاضت على الجوارح عبادة وطاعة وإخباتاً: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الأنفال: 2-4). وفيما يلي بيان لذلك:

أ. إرادة الانتفاع

يقول تعالى: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (آل عمران:86). لكنه مع هذا الحكم، الذي يبدو في ظاهره تيئيساً من هداية أمثال هؤلاء، يستثني سبحانه فيقول: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:89). فمهما بلغ الإنسان من تردٍّ في مهاوي الظلم، يمكنه الخلاص بالإقلاع عنه والتوبة منه متى ما أراد ذلك. ودون الإرادة لا يكون شيء. ولكن الإرادة بداية، تحتاج إلى خطوات تكملها. وهي:

ب. تخلية القلْب من القَـبْل

ودون التخلية لا تكون تحلية. ولم أجد كقوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:2) مرشداً  لكيفية القراءة النافعة! فالقرآن بذاته هدى، ولكن لصنف خاص من القراء فقط، أولئك هم (المتقون). وهم الذين يقرأون القرآن بنية الانتفاع. وبقلب قابل للانصياع، وهو الخالي مما يفسد أثر التلاوة في محلها القابل لها. فالتقوى لا تكون قبل أن يفرغ العبد قلبَه مما قبلَه.

وهو سوابق الأمراض: شكاً وشبهة، وهوى وشهوة؛ فالعطر لا يزيد الجسم المحمل بالدرن إلا عفونة. وكما قال اللطيف الخبير: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) (فصلت:44). وقال: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (البقرة:27،26). فإذا فرغت قلبك لقراءة كتابه سبحانه، لم يبق إلا أن تقرأه تحقيقاً لمجاهدة نفسك أولاً.. ولجهاد عدوك ثانياً.

جـ. تهيئة تربة الإيمان لزرع القرآن

فإذا أخليت قلبك من دغل الشبهات ودغش الشهوات، فقد هيأت البيئة الحاضنة للقرآن، ألا وهي الإيمان. فالقرآن نزل للفهم والتأثر والعمل. وما لم تقرأه بهذه النية، وتدعمه بتلك الإرادة لن تنتفع كثيراً به. وقد علم الصحابة y هذه التِّقنية العظيمة الباهرة فعملوا بها وعلموها للأجيال اللاحقة. فعن حذيفة بن اليمان t قال حدثنا رسول الله e: (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة) متفق عليه. قال ابن تيمية: والأمانة هي الإيمان، أنزلها في أصل قلوب الرجال.

ومما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قوله: (تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً، وأنتم تتعلمون القرآن ثم تتعلمون الإيمان). وعنه أيضاً: (لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد e فيتعلمَ حلالها و حرامها، وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها كما تعلمون أنتم اليوم القرآنَ. ثم لقد رأيتُ اليوم رجالاً يؤتي أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه، فينثره نثر الدقل)([1]).

ويقول جندب بن عبد الله t: (كنا مع النبي e ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً فَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ تَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ قَبْلَ الْإِيمَانِ)([2]).

وهذا المعنى قريب من قول أمنا عائشة رضي الله عنها: (إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار. حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام. ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبداً. لقد نزل بمكة على محمد e وإني لجارية ألعب: (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر). وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده) متفق عليه.

فما نراه في المساجد ومعاهد العلم الشرعي وجامعاته من الدأب على حفظ رسوم الكتاب وحشو رؤوس الطلاب بالنصوص دون تغذية قلوبهم بالفصوص هو أحد أسباب الضعف في أوساط المتدينين قبل غيرهم. وبروز ظاهرة الشيوخ الذين يغلب عليهم القول دون الفعل، حتى قال أحد الشيوخ الربانيين: إن فقهاء الشريعة أحق الناس بقوله تعالى: (لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف:2)!

وقد اطلعت على جملة من تفاسير العلماء لهذا القول الجليل: (تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً)، فوجدتها تدور على الأسئلة الثلاثة التالية: (ماذا؟ ولماذا؟ وكيف؟).  فإذا أجبت عن هذه الأسئلة كان القرآن الكريم محركاً لمكامن الإيمان فيك، ووسيلة لبلوغ درجة الإحسان منك.

أما ماذا؟ فأن تعلم ماذا تحوز بين يديك؟ وما الذي تقرأ؟! إنه كلام الله جلّ في علاه، أنزله من فوق سمواته، يخاطبك به أنت العبد الصغير القليل! فمن أنت حتى تكون أهلاً لهذه الكرامة؟! أهلاً لأن (تقرأ)! وتقرأ ماذا؟

هلا ذكرت أصلك، ومن أي مادة خلقت؟ وإلى أي شيء تخلقت؟ لقد كنت ذرة تراب، تحولت نطفةً تخلقت علقةً! أتدري ما العلقة؟ دودة تائهة في مياه البرك الراكدة، وحبة دم عالقة بجدار رحم في ظلمة هامدة! فمن أنت لولا كرامة (الأكرم) الذي تكرم عليك بها فنقلك من هذه الدركة الواطئة إلى تلك الدرجة السامية إنساناً قادراً على تلقي العلم من الله، يمسك بالقلم ليكتب ما علمه الله!

هل تخيلت مدى النقلة؟! وهل أدركت عظم الكرامة التي منّ الله بها على علقة حتى صارت إنساناً يجلس بين يدي كتاب الله تعالى أهلاً لقراءته وتدبره وكتابة ما يجود به الرب عليه من فيوضات العلم وأسرار المعرفة؟! هل علمت الآن ماذا؟

وهذا يدخل في قانون رباني لطيف هو (التكامل)، الذي يعني ترابط الكلمات الربانية والأوامر الشرعية، وانتظامها في سلك كلي يجمعها وإن تفرقت – ظاهراً – أجزاؤها، وكثرت تفاصيلها. سيأتي الكلام عنه لاحقاً.

وأما لماذا؟ فلماذا تقرأ؟ ما الغاية من القراءة؟ ولأي شيء أنزل هذا الذي تقرأ؟ إنه للتدبر والتفكر والتأثر، ثم للعمل به: مجاهدةً للنفس أولاً.. وجهاداً للعدو ثانياً، كما قال منزله سبحانه: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) (الفرقان:52).

د. القراءة المتدبرة

فإذا علمت ماذا ولماذا، فتعال معاً نتعلم كيف؟ كيف نقرأه القراءة الربانية الخاشعة الواعية؟ وذلك بالقراءة المتأنية المتدبرة، وليس بالهذرمة السريعة المتعجلة، وكأني بصاحبها داخل تحت طائلة قوله Y: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) (التكاثر:2،1)!

إذن فقه المقصود بكلامه سبحانه مقدم على عدد مرات قرآنه. وكما روي عن ابْنِ عُمَرَ أيضاً أنه قَالَ: لَقَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ الدَّهْرِ وَإِنَّ أَحَدَنَا يُؤْتَى الْإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ, وَفِي لَفْظٍ: إنَّا كُنَّا صُدُورَ هَذِهِ الْأُمَّةِ, وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ خِيَارِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَصَالِحِيهِمْ مَا يُقِيمُ إلَّا سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ, وَكَانَ الْقُرْآنُ ثَقِيلًا عَلَيْهِمْ وَرُزِقُوا عِلْمًا بِهِ وَعَمَلًا, وَإِنَّ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَخِفُّ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ حَتَّى يَقْرَأَهُ الصَّبِيُّ وَالْعَجَمِيُّ لَا يَعْلَمُونَ مِنْهُ شَيْئًاً).

ومن أعظم طرق القراءة نفعاً أن تقرأ القرآن الكريم قراءة موضوعية تحاول بها معرفة الربط بين السورة والسورة والآية والآية ومحور السورة وعلاقة الآيات به، طبقاً لما صار يعرف بـ(التفسير الموضوعي). فالنظر إلى الكون والأشياء والمعاني جزئياً غيره حين تنظر إليها كلياً؛ ففي الحالة الأولى ترى المعاني ومفردات الجمال موزعة، وهنا ترى صورة جميلة مكتملة، وتكتشف معاني وأسراراً فاعلة؛ لأن اجتماع الأشياء يؤدي إلى كمالها فتتكامل معنوياً وحسياً وجمالياً، وبترابطها تولد علاقات وقوانين جديدة أعمق وأجمل وأكثر فاعلية. وسيأتي مزيد بحث لهذا عند الكلام عن (النظر في آيات الأكوان)؛ لأنه داخل في إطار قانون كوني رائع نسميه (قانون الكلية).

 

[1]– لا يصح؛ في سنده أكثر من راو ضعيف، وإن حسنه البعض وصححه آخرون. والدَّقَل: رديء التمر.

[2]– رواه الطبراني في (الكبير)، والبخاري في (التاريخ الكبير) والخلال في (السنة)، وغيرهم. وصححه الألباني وغيره. والحزاورة جمع حَزْوَر وهو الغلام إذا قارب البلوغ.


ثانياً : النَّظَرُ في آيَاتِ الأكوَان


مع النظر في آيات القرآن (وهو الكتاب المسطور) يحتاج المؤمن إلى النظر في آيات الأكوان (وهو الكتاب المنظور). وكما أننا في حاجة إلى تعلم الكيفية التي بها ننتفع من تلك الآيات، فنحن كذلك في حاجة إلى تعلم الكيفية التي بها ننتفع من هذه الآيات.

  1. إطلاق طاقة التفكر والتدبر في آيات الأكوان

إن النظر المجرد إلى عجائب الخلق يقود الناظر إلى ربوبية الخالق وعظمتها، وأنه لا بد وراء هذا الخلق من خالق يستحق الحمد والثناء والعبادة والدعاء قلباً ولساناً وبدناً وكياناً.

لكننا في حاجة إلى ما هو أبعد من ذلك كي نحقق إسلامنا. النظر الرابط بين آيات الأكوان وآيات القرآن؛ فبهذه ينتقل الإنسان من دائرة الإيمان العام إلى دائرة الإيمان الخاص الذي هو الإسلام حق الإسلام، وبه دون سواه تكون النجاة من النار.

لقد توفر – بفضل العلماء والباحثين – تحت أيدينا من هذه الكشوفات الكثير الكثير، بحيث لا يمكن لأحد أن يطلع على بعضها وتبقى في نفسه فضلة من شك في أن هذا الكتاب منزل من عند الله!ومن أعظم ما يحقق هذا الربط هو النظر في كشوفات العلم الحديث، التي تضمّنها القرآن بصورة لا تقبل الشك.

تأمل البرزخ الذي ذكره القرآن بين كل بحر وبحر، وكيف ثبت وجوده علمياً بصورة قطعية، مع أنه خفي لا يمكن إدراكه بالبصر أو الوسائل المتوفرة. فيستحيل على بشر في زمن تنزل القرآن أن يعلم عن شيء غير منظور يفصل بين بحر وبحر بحيث يحفظ لكل بحر خصاصه دون أن يبغي واحد على آخر فيغير من تلك الخصائص لصالحه! فليس عجيباً أن يؤمن بسبب ذلك عالم البحار الفرنسي الشهير جاك كوستو!

ومن أشهر العلماء الذين اهتموا بهذا الموضوع الشيخ اليماني عبد المجيد الزنداني. استمعت قبل ربع قرن إلى محاضرة له مصورة عن الإعجاز العلمي في قوله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) (الحج:73). إذ حاول علماء الغرب أن يخلقوا خلية حية من خلال العمل على المادة الوراثية المعروفة بالـ(DNA)، فوجدوا أن أفضل حيوان تتم دراسته وإجراء التجارب عليه هو ذبابة الفاكهة، فكانت المحاولة أن يجربوا تخليق أصل ذبابة الفاكهة. والنتيجة أنهم أعلنوا عجزهم التام بسبب أنهم لم يتجاوزوا عتبة صنع مادة كيميائية ميتة، وتوقفوا عند هذا الحد؛ لأنهم وجودوا أن الحياة شيء آخر فوق المادة!

وهنا علق الشيخ الزنداني قائلاً: فمن أخبر محمداً e أن التجربة ستجري على الذباب؟! في تلك اللحظة شعرت بتوقان شديد إلى الهوي على الأرض والسجود تعظيماً لله وتعجباً من آياته! نعم.. (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج74).

بعض جوانب إعجاز القرآن

التعرف على جوانب إعجاز القرآن الكريم، أو بعضها، يمنح المسلم اليقين الذي هو أساس الإيمان والاطمئنان. ومن أطيب ثماره الثبات في المحن والشدائد، مع الأجر العظيم، وزيادة الهدى على الصراط المستقيم، كما قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) (النساء:66-70).

وجوانب الإعجاز متعددة يصعب إحصاؤها، وعلى قدر علم المسلم وسعة عقله يمكنه استيعاب هذه الجوانب والاستفادة منها. القرآن الكريم نفسه بنفسه معجز: معجز في لغته وصياغاته، وفي نسجه وترتيبه، ومعجز في علمه ومضمونه، وحججه وبراهينه. كما أنه معجز في لوازمه ومتعلقاته، وأهمها الآثار العظيمة التي ظهرت في المجتمع على مستوى الجزيرة وما حولها والعالم كله.

خذ مثلاً جمع القرآن في قلب النبي e. فمن المعلوم صعوبة حفظ القرآن وشدة تفلته من قلب حافظه دون تعهده المستمر بالقراءة والمراجعة، فكيف تم ذلك لشخص منهي أصلاً عن مراجعته وتحريك لسانه به؟ فضلاً عن استغناء القرآن عن المراجعة للتصحيح والتعديل الذي من المستحيل استغناء أي كتاب عنه؛ إذ لم يوجد ولن يوجد كتاب تكون نسخته الأولى هي الأخيرة مع توفر عنصر الأرقى والأكمل المطلق! لهذا قرن الله تعالى معجزة الجمع هذه بمعجزة جمع العظام للإحياء، ومعجزة جمع الشمس والقمر للخسوف. فقال سبحانه: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) (القيامة:4،3)، وقال عن الثانية: (وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) (القيامة:9،8)، وقال عن الثالثة: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ) (القيامة:16-18). إن معجزة جمع القرآن في قلب النبي e ظهرت في وقت تنزله مع استحالتها لغيره. ومعجزة معرفة حدوث الخسوف باجتماع الشمس والقمر مع الأرض في خط واحد ظهرت بعد ذلك بعدة قرون، فلم يبق إلا جمع عظام الموتى وقيامهم من الموت للحساب، فهل من دليل على تحققها مستقبلاً؟ والجواب أن الذي وعد بمعجزة الحفظ فتحققت، وأخبر بالكيفية العلمية لحدوث ظاهرة الخسوف فثبتت، هو نفسه الذي أخبر بإحياء الموتى. فتحقق معجزتين من قبله دليل قطعي على تحقق المعجزة الثالثة!

القرآن العظيم إذن معجز بذاته لذاته، ويثبت نفسه بنفسه.

التحديات من أعظم جوانب الإعجاز، وأولها وروداً في القرآن الكريم، وهذه إشارة إلى أهميتها وتقدمها، تحدي العرب بأن يأتوا بسورة واحدة من مثل سور القرآن! سورة ولو بقدر سورة (الكوثر)، لكنهم عجزوا! فقال سبحانه: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة:24،23).

الإخبار بالغيب جانب آخر، ومنه أمور غيبية بعيدة التصديق وعد القرآن بوقوعها، مثل غلبة الروم على الفرس في بضع سنين، وقد راهن رجال قريش أبا بكر الصديق على مئة ناقة! وهذا دليل واضح على استبعادهم الجازم أن يكون مثل هذا في مثل هذه الفترة الزمنية القصيرة، بعد غلبة فارس للروم غلبة وصلوا بها إلى القسطنطينية. وراهنهم الصديق فكسب الرهان إيماناً بقوله جل جلاله: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم:1-6). ويستحيل على عاقل أن يعد بهذا جازماً فيعرض دعواه إلى خطر التكذيب لولا أن الوعد نازل من العليم الخبير!

ومن إخبارات الغيب العجيبة إخبار القرآن الكريم بعدم وقوع أمور من السهل جداً أن تقع لا سيما مع التحدي بعدم ذلك، ومع ذلك لم يجرؤ أحد من المكذبين على الاستجابة للتحدي بمثله. هذا والاستجابة في متناول اليد وسهلة جداً، ونتيجتها إثبات كذب الدعوى بكل وضوح وزوال القضية من أساسها. فهل هناك شيء يغري أكثر من هذا؟ ولكن جبن الجميع بلا استثاء عن التحدي. من ذلك ما جاء في قوله تعالى مخاطباً اليهود: (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (الجمعة:7،6)! من يستطيع الجزم كهذا الجزم غير الله جلّ في علاه؟!

وشبيه به الجزم بعدم إيمان مجموعة من الكفار كأبي لهب وامرأته وأبي جهل والوليد، والشهادة لهم بالنار وسوء المصير. والسكوت عن آخرين آمنوا بأخرة – كأبي سفيان وخالد بن الوليد –  آذوا الإسلام والمسلمين أكثر من بعض أولئك! ولولا أن الأمر نازل من السماء ما كان ذلك كذلك بهذه الدقة من الفصل بين الفريقين، بل لحصل الخلط فكانت الفضيحة!


2.إطلاق طاقة الشعور والتأثر بالأشياء


الشعور بالشيء زائد على وجوده. وإذا انعدم الشعور بالأشياء تساوى وجودها وعدمها.

كم من نعمة يَسبح العبد بنعيمها لا حسَّ لها في ذاته، ولا أثر في واقعه؛ بسبب من عدم الشعور بها! وكم ممن يردد ويقول: ما الذي أعطاني الله؟ وهو غارق في عطاياه!

الإحساس أساس النعمة؛ فلا نعمة بلا إحساس كما أنه لا بناء بلا أساس.

ها أنت في طريق تكتنفه المروج والأشجار، وتتخلله الأنهار والأوراد والثمار، وتصدح في فضائه الطيور والعصافير. وتنظر فتجد من معك غارقين في نقاش، أو مطرقين لا يأبهون بهذا (الكرنفال) الذي أقامت الطبيعة بأمر ربها سرادقه لهم، فكأنها وكأنهم رسول ودود لا يواجهه قومه بسوى الإعراض والجحود!

صحيح أن تكرر الأشياء على الحس يؤدي إلى حالة من الإدمان تضعف حاسية تذوقها، والإحساس المستمر بجاذبيتها وسحر جمالها. لكن العمل على تجديد الشعور بوجودها وشحذ الإحساس بجمالها يعالج تلك الحالة، كما تُشحذ السكين بالمِسَن فتعود كما كانت.

الوردة و .. الكلمة !

ويختلف الناس في التفاعل مع محركات الإحساس.

لو سألتني لقلت لك: لذتي من الوجود اثنتان، هما عندي أجمل ما فيه: الوردة والكلمة. سبحان الخالق! لا أكاد أشبع من رِياهما، ولا ينقضي عجبي منهما ومن نجواهما!

كم يثيرني الورد فيخلب اللب بأشكاله وألوانه! وتغزوني الكلمة فتسلب القلب بصورها وتعابيرها! حتى إنني لأذكر الجنة فلا أرى إلا روضاً من الورود على امتداد  الوجود. وأتخيل الزوجة هناك فلا يسبق لذهني سوى منظر وردة حمراء أو بيضاء! وكثيراً ما طرَّيتُ عطوره بأشجان ناظري، وطرّبتُ أوراقه بمكنونات محاجري.

وما من مرة رأيت الورد إلا وشعرت كأنني أُصرع..! وإلا سرحت بخيالي فأخذني إلى الجنة، فرأيت قصوراً تتلألأ، ورياضاً تتماوج فيها الورود على مد البصر! ولم أسمع كلمة مشحونة بالصورة والمعاني والشجن إلا كدت أصرخ أو أُصعق، ولكن الحياء يمنعني فيخرسني ويمسكني. وفي الحال ينتقل بي الخيال إلى الجنة، فأتمتم مشتاقاً مبهوراً.

تأملوا هذه التشكيلة الرائعة من المعاني والصور كيف أُودعت هذه الكلمة التي قالها أ. حسن البنا رحمه الله: “ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف. وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة. ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة. ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة. ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد”!

ما هذه الروعة؟!

والناس أشكال وأذواق. فهذا يثيره الليل البهيم، وذلك يسحره القمر الباسم. وآخر يفتنه الفجر بشفقه، ورابع يهيم بالغروب وغسقه. ومصادر الجمال ومثيرات الشعور لا تنتهي: الطير والشجر، والبحر والنهر. وهناك السحب والغيوم في الأعالي، لا سيما لحظات تدفق الودق من خلاله، واندلاق البرَد من سلاله، والأشجار ترتعش من القُر، والنخيل ترتعد وسط الريح، والبحر يموج، والشراع يلوّح من بعيد يعلو ويهبط، والطير أوت إلى أعشاشها (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (النور:41).

فوا عجباً كيفَ يُعصى الإلهُ أمْ كيفَ يجحدُهُ الجاحدُ
وللهِ في كلِّ تحريكةٍ وفي كلِّ تسكينةٍ شاهـــــــدُ
وفي كلِّ شيءٍ لُهُ آيةٌ تدلُّ على أنــهُ الواحـــــــــدُ

وهذا ينظر إلى بعوضة فيستفزه الشعور بلطف صنعها فيقول:

يا مَنْ يَرى مَدَّ البعوضِ جناحَهُ
ويرى نياطَ عروقِها في مخِّهــا
ويرى خريرَ الدمِ في أوداجهــا
ويرى مكانَ الوطء من أقدامِهـا


في ظلمةِ الليلِ البهيمِ الألْـيَــلِ

والمخُّ في تلكَ العظامِ النُّحّــــلِ

متنقلاً من مِفصلٍ في مفصــــلِ

في سيرِها وحثيثِها المستعجلِ

ويرى ويسمعُ حسَّ ما هو دونَها

اُمنُنْ عليَّ بتوبةٍ تمحو بهــــــــا


في قاعِ بحرٍ مظلمٍ متهـــــولِ


ما كانَ مني في الزمانِ الأولِ

وآخر يسمع هتاف حمامة على غصنها في هدأة الليل، فتفيض نفسه بهذا الشعور الذي تسيل لحره القلوب:

لقدْ هتفتْ في جنحِ ليلٍ حمامةٌ
فقلتُ اعتذاراً عندَذاك وإننـــــي
أأزعُمُ أني هائمٌ ذو صبابــــــــةٍ
كذبتُ وربِّ البيتِ لو كنتُ صادقاً


على فننٍ وهناً وإني لنائـــــــمُ

لقلبيَ فيما قدْ رأيتُ لَلائـــــــمُ

لربي ولا أبكي وتبكي الحمائمُ

لما سبقتْـني بالبكاءِ البهائــــمُ

أنت شيء ؛ فتنبه ..!

(وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (الذاريات:21،20). ويقول عز وجل: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (فصلت:53). فانظر إلى ما أسبغ الله عليك من نعم، وما جعل في نفسك من آيات وحكم. كم فيك من عناصر الجمال ظاهرة وباطنة، مادية ومعنوية؛ بل لا أبالغ إذا قلت: أنت أجمل ما في الكون! استشعر ذلك واشكره وزكه ونمه. وكن جميلاً في مظهرك فذلك شيء يحبه الله جل جلاله. وفي منطقك وتعبيرك: لساناً جسداً.

والشعور مطلوب من الجانب الآخر، وهو جانب الخلل، فينظر إلى جوانب الاختلال في النفس كما ينظر إلى جوانب الكمال والجمال: فجمود العين، وقساوة القلب، واسترسال الجوارح بالمعاصي، واستصغار محقرات الذنوب، يحتاج من العبد إلى التفات قبل الفوات، وإلا كانت الهلكة. كما أسرع أبونا آدم u بالإياب إلى الجناب، ولم يضيع الفرصة بالجدل وشطط القول بعد سوء العمل.

ومما يروى في كتب الرقائق أن أحد أحبار بني إسرائيل دعا ربه فقال: يا رب كم أعصيك ولا تعاقبني! فأوحى الله إلى نبي من الأنبياء أن يقول له: “كم أعاقبك وأنت لا تدري، أليس قد حرمتك لذيذ مناجاتي”؟!

ويقول ابن عطاء السكندري: “من جهلِ المريد أن يسيء الأدب؛ فتؤخر العقوبة عنه، فيقول: لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد، وأوجب الإبعاد. فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر، ولو لم يكن إلا منع المزيد. وقد يقام مقام البعد وهو لا يدري، ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد”.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ “كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ”)([1]).

والمخلصون يحذرون اللمم ويخشون أن يمردوا عليه، فيكونوا كمن اتبعوا خطوات الشيطان خطوة بعد خطوة. فقد روى الترمذي عن سَهْل بْن سَعْد عن النبي e قال: (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى جَمَعُوا مَا أَنْضَجُوا بِهِ خُبْزَهُمْ, وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذُ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكُهُ)([2]).

يقول الفضيل بن عياض: “بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله”. ويقول أنس بن مالك رضي الله عنه: “إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهلكات”. ويقول هلال بن سعد: “لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى مَنْ عصيت”.

ولما حضرت ابن المنكدر الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟!، قال: “والله ما أبكي لذنبٍ أعلم أني أتيته، ولكن أخاف أني أتيت شيئًا حسبته هينًا وهو عند الله عظيم”.

هكذا جاء في الأثر عنهم رحمهم الله تعالى. والله أعلم.

 

 

[1]– رواه الترمذي وغيره وقال: حسن صحيح، وحسنه الألباني.

[2]– قال ابن حجر: أَخْرَجَهُ أَحْمَد بِسَنَدٍ حَسَنٍ, وَنَحْوه عِنْد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود, وَعِنْد النَّسَائِيِّ وَابْن مَاجَهْ عَنْ عَائِشَة أَنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا: (يَا عَائِشَة إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوب فَإِنَّ لَهَا مِنْ اللَّه طَالِبًا) وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان.


شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

6521740849391641416

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث