فقهُ الإيمان والتَّنمِيَةِ الإيمَانِيَّة
إن مؤسستنا مؤسسة ربانية، ومشروعنا مشروع رباني. وهذا يعني اعتماد (الإيمان): عقيدةً وتزكيةً وسلوكاً، مبدأً أساسياً يحتل المرتبة العليا الأولى في سلم أساسيات مشروعنا، وترسيخه في نفوس القادة والدعاة وحملة القضية، ونشره في حاضرتهم الدعوية وصولاً إلى جعله ظاهرة اجتماعية.. أول مهام هذه المؤسسة وكل مؤسسة ربانية. ولا غرابة؛ فالإيمان أصل الدين وروحه، ومظهره وجوهره.
ولتحقيق هذه الغاية نحتاج إلى إفراد موضوع الإيمان بفقرة خاصة إلى جانب بقية فقرات منهجنا. نركز فيها على عشرة أمور هي:
- نحن دعوة ربانية قبل أن نكون قضية سياسية.
- تعريف الإيمان تعريفاً سهلاً ميسراً يعتمد على صريح القرآن الكريم وصحيح السنة، دون تطويل أو تعقيد أو خوض في طرق المتكلمين.
- الجمع بين ركنَي الإيمان والنصرة، بلا فصل يجعل الإيمان معزولاً أو مشلولاً عن تحريك الروح والنماء في مفاصل الحياة، أو يجعل مبدأ النصرة معلولاً لا يستقيم على الصراط القويم.
- اعتماد مبدأ التنمية الذاتية للإيمان. أي كيف ينمي المسلم إيمانه ذاتياً، ويرعاه بنفسه شخصياً، ويزكيه ويباركه دون الاعتماد على حث الآخرين وموعظتهم؛ وذلك من خلال إطلاق طاقة النظر والتدبر ثم طاقة الشعور والتأثر في آيات الأكوان من ناحية، وآيات القرآن من ناحية ثانية، ورعايتها حتى تصل إلى غايتها من الإيمان وعمل الأركان.
- الإيمان بالقدر؛ فإن هذا الموضوع في حاجة إلى تجلية خاصة تتناسب ومشاكل العصر، وبصورة سهلة قدر الإمكان. إضافة إلى أهميته كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: (الْقَدَرُ نِظَامُ التَّوْحِيدِ، فَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى وَآمَنَ بِالْقَدَرِ، فَهِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى الَّتِي لا انْفِصَامَ لَهَا. وَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى وَكَذَّبَ بِالْقَدَرِ، فَإِنَّ تَكْذِيبَهُ بِالْقَدَرِ نَقْضٌ لِلتَّوْحِيدِ)!
- تحريك عناصر الإيمان وتفعيلها في مفاصل المؤسسة لبنائها ورصها وتماسكها أولاً، ولحمايتها من عوامل الهدم الداخلي ثانياً. فالإيمان ليس قوة هائمة في فضاء، وإنما طاقة فاعلة في بناء، يشكل الأفراد المؤمنون لبناته الصالحة، ولكن مجتمعين لا متفرقين.
- متممات الإيمان:
- أن نجعل من مجالسنا مجالس موعظة وذكر، كما هي مجالس يقظة وفكر سواء بسواء، بحيث لا ينفصل هذا عن ذاك. وأن نحدز من الانزلاق شيئاً فشيئاً إلى الانشغال بالتفكير والحركة الخارجية في رحاب الأفق، على حساب الخشوع والحركة الداخلية في خبايا النفس.
- إشاعة مفهوم في كل عصر صحابة. فهذا أمر يكاد يغيب غياباً عاماً عن مناهج التربية الإيمانية. وإحضاره أمام عين السالك إلى الله تعالى يمنحه ثقة عالية بنفسه، وهمة ونشاطاً إلى عمله، ويزيد في طموحه، ويجعله متحفزاً لمنافسة السابقين ترقياً في مدارج السالكين. على العكس من المنهج الشائع.
- تجديد الكلمات الإيمانية بما يتناسب مع الحال والواقع، لتغذية الإيمان وتنشيطه بصورة أفضل وأكثر فاعلية في الأنفس والآفاق.
- التنبيه إلى أهمية مبدأ ساعة وساعة الذي سنه النبي e، للتعبير التلقائي عن طبيعة النفس البشرية واحتياجاتها، والترويح الذي تستدعيه الفطرة كسراً لحدة حركة الحياة، وتخفيفاً عن ثقل مسؤوليتها، وأداء لحق النفس والأهل والرفيق. ولكن بالضوابط الشرعية، والمحسنات الذوقية قدر المستطاع.
في ضوء هذه المقاصد العشرة يمكننا أن نشير إلى المعالم التالية؛ تحقيقاً لتلك المقاصد العالية.
دَعْوَةٌ رَبّانِيةٌ قَبلَ أنْ تكُونَ قَضِيّةً سِيَاسِيّة
مؤسستنا موصوفة بأنها مؤسسة ربانية، ومشروعنا مشروع رباني. فنحن دعوة ربانية قبل أن نكون قضية سياسية؛ وهذا يعني اعتماد (الإيمان) أولاً..
– عقيدةً
– وتزكيةً
– وسلوكاً
والربانية في فهمنا المنبثق عن القرآن الكريم تعني شيئين: التزكية، والعمل للقضية. منطلقين من القرآن: ابتداء ورجوعاً وانتهاء.
الربانية والتزكية
أما التزكية فتفهم من معنى الرباني: لغة ونسبة.
أما اللغة.. ففي (لسان العرب) ما يكفي ويشفي، وهذا ملخص منه: قال ابن منظور: قيل: الرَّبَّانِـيُّ الذي يَعْبُد الرَّبَّ، زِيدت الأَلف والنون للمبالغة في النسب. وقال سيبويه: زادوا أَلفاً ونوناً في الرَّبَّاني إِذا أَرادوا تخصيصاً بعِلْم الرَّبِّ دون غيره، كأَن معناه: صاحِبُ عِلم بالرَّبِّ دون غيره من العُلوم؛ وهو كما يقال: رجل شَعْرانِـيٌّ، ولِحْيانِـيٌّ، ورَقَبانِـيٌّ إِذا خُصَّ بكثرة الشعر، وطول اللِّحْيَة، وغِلَظِ الرَّقبةِ؛ فإِذا نسبوا إِلى الشَّعر قالوا: شَعْرِيٌّ، وإِلى الرَّقبةِ قالوا: رَقَبِـيٌّ، وإِلى اللِّحْيةِ: لِـحْيِـيٌّ.
الرَّبِّـيُّ: منسوب إِلى الرَّبِّ. والرَّبَّانِـيُّ: الموصوف بعلم الرَّبِّ. قال ابن الأَثير: هو منسوب إِلى الرَّبِّ، بزيادة الأَلف والنون للمبالغة؛ قال: وقيل: هو من الرَّبِّ، بمعنى التربيةِ، كانوا يُرَبُّونَ الـمُتَعَلِّمينَ بِصغار العُلوم، قبلَ كبارِها. والرَّبَّانِـيُّ: العالم الرَّاسِخُ في العِلم والدين، أَو الذي يَطْلُب بِعلْمِه وجهَ اللّهِ.
الرَّبَّانيُّ: الـمُتَـأَلِّه، العارِفُ باللّه تعالى.
قال الأَخفش: الرِّبيون منسوبون إِلى الرَّبِّ. قال أَبو العباس: ينبغي أَن تفتح الراءُ، على قوله، قال: وهو على قول الفرّاء من الرَّبَّةِ، وهي الجماعة. وقال الزجاج: رِبِّـيُّون، بكسر الراء وضمّها، وهم الجماعة الكثيرة. وقيل: الربيون العلماء الأَتقياءُ الصُّـبُر؛ وكلا القولين حَسَنٌ جميلٌ. وقرأَ ابن عباس: رَبِّـيُّون، بفتح الراءِ.
والتأمل في المعنى اللغوي يكفي وحده لفتح آفاق علمية وروحية للمتأمل في العلاقة بينه وبين (الربانية).
وأما النسبة.. ففي التفكر في شرف إضافة العبد إلى الرب يطيش العقل، ويطير القلب، وتتحرر النفس، وتحلق الروح، وينبعث الشوق، وينخلع هذا الكيان الطيني من وهدته ليصبح حراً طليقاً من جاذبية فلك العنصر المادي إلى رحاب العلو النوراني. فمن أنا حتى ينسبني الرب الجليل الجميل إلى نفسه؟! ويضيفني إلى ذاته؟! ويكرمني هذا الإكرام؟! سبحانه هو الذي خلق الإنسان من علق! وهو الذي أكرمه فجعل منه إنساناً يمسك بالقلم عالماً ومعلماً! ثم زاده فألحقه به ونسبه إليه فكان (ربانياً)، بهذه الصيغة الباذخة الشامخة. ولو كان (رَبياً) لكفى به تكريماً وتشريفاً، فكيف وقد رفعه هذه الرِّفعة الجليلة، وصاغه هذه الصياغة الجميلة.. فكان (رَبانياً) لا (رَبياً) وحسب!
هل يقرأ مسلم حاضر القلب هذه المعاني ولا يسأل نفسه ويستفهم غيرهَ: كيف أكون مسلماً (ربانياً)؟ ما الذي عليّ أن أفعله؟ وكيف أحافظ على هذا النسب الشريف، واللقب المنيف؟ إذن إليك الجواب..
الربانية والقضية
هذا المفهوم الجليل نلمسه من اقتران (الربانية) حيث وردت في النص الإلهي ببيان مَهَمَّة (الرباني) ودوره أو وظيفته في الحياة. وهي على أربعة أقسام:
- تعليم الكتاب ودراسته: (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) (آل عمران:79).
- تحكيم شرع الله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) (المائدة:44).
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) (المائدة:63).
- الجهاد أو القتال في سبيل الله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:146).
والقضية تأتي بعد الربانية في المرتبة، وإن كانت لا تنفصل عنها. لكنها كالبناء بعد الأساس. والسياسة جزء من مفهوم (القضية)، كما تشير إليها الآيات آنفة الذكر. وكما يدل المفهوم بالتضمن واللزوم. فهي من هذه الناحية أيضاً تأتي بعد الربانية تبعاً للقضية.
هذه هي (الربانية) في منهجنا.. تزكية وقضية، إيمان ونصرة، زاد وجهاد. لا ينفصل أحدهما عن الآخر.
الإيمَانُ .. تَعرِيفُهُ وحَقِيقَتُه
- تعريف الإيمان
- بين الإيمان والعقيدة
تعريف الإيمان:
الإيمان في كتابنا قول وعمل، يزيد وينقص. قول بالقلب واللسان، وعمل بالجوارح والأركان.
أما قول القلب فاعتقاده وتصديقه، وأما قول اللسان فذكره ولفظه. وذلك لا يَصْدُق حتى يشهد له البدن بالعمل. وأما زيادته فبالعلم والتدبر والطاعة. ونقصانه فبالجهل والغفلة والمعصية.
قال Y: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الأنفال:2-4). فهذه الآية تحصر تعريف المؤمنين بمن اكتمل لهم عمل القلب بعمل الجوارح.
وقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات:15). وفيه أن المسلم لا يبلغ عمله به إلى أن يكون مؤمناً حتى يكون مجاهداً. فالجهاد هو الحد الفاصل بين الإسلام والإيمان.
والمقصود بالإيمان هنا ليس أصله الذي به يصدق على المرء اسم المسلم ويصح به العمل، إنما الإيمان الذي يؤهل المسلم لدخول الجنة كما قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:142). وقال: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة:214).
والجهاد أبواب كثيرة: فتارة بالكلمة والتبليغ والإعلام، وتارة بالإنفاق وبذل المال، وثالثة بالمنصب والجاه، ورابعة بالقتال… وهكذا. وقد قال رسول الله e كما جاء في (الصحيحين): (اعملوا فكل ميسر لما خلق له). بشرط أن يكون ذلك كله في خدمة القضية من جوانبها المتعددة ضمن منظومة تجعل من هذا التنوع حالة تكاملية في سبيل الوصول إلى الهدف المنشود. إلا إذا فقدت المنظومة وعجز الفرد عن إنشائها فيكون عمله حسب طاقته: علماً وقدرة.
بين الإيمان والعقيدة
(الإيمان) هو كلمة الرب سبحانه التي اختارها ليخاطب بها كيان عبده كله: عقلاً وعقيدة وفكراً، وقلباً وشعوراً ووجلاً، وبدناً وسلوكاً وعملاً.
كلمة تتجه إلى العقل فتصلح من فكره وعقيدته، وإلى القلب فتصلح من شعوره وانفعاله وعاطفته، وإلى الجوارح فتصلح من عملها وسلوك صاحبها. اقرأ – مثلاً – قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر:67). كيف عرضت الآية لإصلاح الفكر والعقيدة، وكيف خاطبت العقل من خلال القلب الذي يكاد ينخلع ويتصدع وهو يقرأ ويستشعر عظمة الله جل في علاه عبر هذه الصورة الرائعة الجليلة المهيبة! التي ترسمها الآية وهي في صدد معالجة عقيدة الشرك والتحذير منها، لا سيما وقد قال – سبحانه – قبلها مباشرة: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (الزمر:66،65).
ويتبع الرسول صلى الله عليه وسلم الأسلوب نفسه في عرضه للعقيدة. انظر إليه كيف يتجه إلى العقل فيثبت العقيدة، وإلى القلب ليحدث الانفعال ويورث العمل بخطاب واحد! روى الشيخان عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلمفنظر إلى القمر ليلة يعني البدر فقال: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) ثم قرأ (وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ).
بهذا الأسلوب وصل الخطاب إلى مرماه المطلوب من التغيير الذي جاء الإسلام من أجله. فحصل التغيير في العقل أي الفكر والعقيدة، كما حصل في القلب أي الشعور والعاطفة، وكذلك البدن أي السلوك والعمل.. أو الإيمان بتعبير آخر.
ولما كان مصطلح (العقيدة) لا يتسع للتعبير عن المجالات الثلاثة معاً، وكان الاقتصار عليه يؤدي إلى نتائج سلبية خطيرة تتلخص في انشطار العلم عن العمل، كان لا بد للوحي من أن يعدل إلى مصطلح آخر يتسع لهما جميعاً؛ فكان مصطلح (الإيمان).
إن مصطلح (العقيدة) مصطلح فكري بحت يتعلق بما استقر في العقل من رأي أو فكر، ولا علاقة له بما ينجم عنه في القلب من انفعال أو عمل. إنه لفظ يعبر عن تصديق القلب وقوله وليس عن انفعاله وفعله. وهذه – فيما أرى – هي النقطة المهمة الحساسة التي جعلت نصوص الوحي تعرض عن استعمال هذا اللفظ وتجوزه إلى غيره.
عملياً علينا أن نستعمل كلمة (الإيمان) و (التوحيد) أكثر من استعمال كلمة (العقيدة) حذراً من الوقوع في ما يؤدي إليه التركيز عليها من انشطار العلم عن العمل، فنكون أمة أقوال لا أمة فعال([1]). وأن لا نجنح إلى مصطلح (العقيدة) إلا عند الحاجة إليه، وأهمها التفريق بين ما نحن عليه من عقيدة سليمة وما عليه الفرق الأخرى من أخطاء أو ضلال.
[1] – راجع للتفصيل خاتمة كتابي (التوحيد والشرك في ضوء القرآن الكريم).
الإيمَانُ وَالنُّصرَة
يقول تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ* فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(آل عمران:82،81). فالدين الحق ما جمع بين ركنين: الإيمان والنصرة. ولهذا قال سبحانه بعدها: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (آل عمران:83) ثم قال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85). ويقول تعالى في موضع آخر: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات:15)؛ فالإيمان هو الإيمان بالله ورسوله مع اليقين، والنصرة هي الجهاد بالمال والنفس. ولا يكون المرء صادقاً في دعواه الإيمان ما لم يجمع بين الإيمان والجهاد أو الإيمان والنصرة. ولهذا سفه الله تعالى دعوى الأعراب الإيمان فقال قبلها مباشرة: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الحجرات:14). ثم قال منكراً عليهم بشدة: (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحجرات:16). وفي الآيات دليل على أن من كان كذلك فليس بكافر، وإنما هو مسلم لم يرتق إلى مرتبة الإيمان؛ ولولا ذلك ما قبلت أعمال الأعراب: (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا).
والجمع بين الإيمان والنصرة هو الدين الذي يصلح به شأن الدنيا والآخرة. وبه لا بغيره تقوم دولة الإسلام، ويعز أهلها، وتقمع دولة الكفر ويذل أهلها. والفصل بينهما هو الذي سلب من شيخ الدين قابلية القيادة، وحرمه من التحقق بصفة القائد؛ فإن من أخذ الدين (إيماناً) ولم يأخذه (نصرة) لا يجد نفسه في حاجة إلى معاناة العمل الذي ينهض بالمجتمع. وذلك هو الشطر الأصعب من الدين، الذي يستدعي التفكير العميق لوضع الفكرة وتعيين الهوية وتحديد الأهداف ورسم الخطط وتهيئة الموارد وإعداد العاملين وتحشيد الأتباع وكسب المؤيدين.
لهذا يجنح معظم المتدينين – وعلى رأسهم الخطباء – إلى الاهتمام بشطر (الإيمان)، ومن جانبه السهل المتيسر. وهذا في الأعم الأغلب لا يحتاج لأكثر من المواعظ والكلام؛ فكانوا يقولون ما لا يفعلون! بل كانوا – إلا من رحم – أولى الناس بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف:3،2)! والسبب أنهم اقتسموا الدين وقسموه فولوا وجوههم شطر (الإيمان) وأداروا ظهورهم لشطر (النصرة). ثم كروا على ما تبقى فشطروه صنفين، أخذوا منهما ما لا يزعج الطرف الشيعي؛ فأخذوا من التوحيد – مثلاً – عمومياته، وتغاضوا عن إنكار شركهم وأباطيلهم، والنكير على طقوسهم وعباداتهم، وخرسوا فلم يتهموهم قط بما يحصل للسنة من فظائع. وغاية ما يقولونه – عند الاضطرار – أن يرموا بمسؤولية ذلك على المليشيات وأمثالها.
كم شهدت ساحات الاعتصام طوال سنة 2013 من خطبة عصماء وخطيب مِصقَع! تدوي تكبيراتهم في ذلك اليباب كأنها قذائف المدافع! يعدون الوعود وينثرون البشارات. وإذا تحققت من حقيقة هذه الخطب المدوية فإنك لا تجد لقائلها بعد أن يغادر المنصة من خطة عمل وجهد يبذل بناء عليها يحقق ما قاله أو يتناسب معه. لقد عودتهم المناهج العلمية العرجاء أن يقولوا ولا يفعلوا؛ لأنها فصلت بين الإيمان والنصرة، بين الإيمان والجهاد.



إرسال تعليق