الإيمان والتربية الإيمانية - قانون التكامل الكوني

الكاتب: الدليميتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق


 قَانُونُ التَّكَامُلِ الكَونِي

أ. التكامل بين المخلوقات                 ب. التكامل بين العبادات

جـ. التكامل في التربية .. ومبدأ ( التكامل التربوي ) في الإسلام

قلنا سابقاً: النظر إلى الكون والأشياء والمعاني جزئياً غيره حين تنظر إليها كلياً؛ ففي الحالة الأولى ترى المعاني ومفردات الجمال موزعة، وهنا ترى صورة جميلة مكتملة، وتكتشف معاني وأسراراً فاعلة؛ لأن اجتماع الأشياء: تقابلاً أو إتماماً يؤدي إلى تكاملها مادياً ومعنوياً وحسياً وجمالياً، وبترابطها تولد علاقات وقوانين جديدة أعمق وأجمل وأكثر فاعلية. وسأتتبع هذا القانون في ثلاثة مظاهر: المخلوقات، والعبادات، والتربية.

أ. التكامل بين المخلوقات

حين تنظر إلى الكون تلك النظرة التي تعبر الجزئيات إلى الكليات تكتشف دقة صنعه، ولطف جماله، وأنه ما من شيء إلا وله مكانه الذي يتطلبه من هذا النسيج. لكنك بالنظر إلى كل جزء على حدة تفوتك رؤية هذا القانون التكاملي للكون، الذي به تدرك الوظيفة والجمال الجمعي للأشياء.

انظر إلى الوردة الجميلة وتتبع أغصانها وانزل إلى جذورها، وتأمل كيف يخرج هذا الجمال من هذه الأوحال؟! وتأمّل أكثر ستجد أن وراء كل وردة جذوراً غاطسة في الطين. ثم ارجع البصر كرة أُخرى ستكتشف أنه ما من ثمرة تقطف، ونتيجة تستحصل إلا وخلفها جهود بذلت لا ترى إلا آثارها، وأناس تعبت وشقت وتحملت أوضارها، لكنك قد لا تعرفهم ولا تتحسس جهودهم. فاذكرهم عند قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر:10).


إِنِّي لأضحكُ والآلامُ في كَبِدي    مثلَ الخنـاجرِ أو لَفحِ البـراكـينِ


وجذرُهُ غارقٌ في لُجَّةِ الطينِ       كالوردِ يَزهو ويعطي الناسَ رونقَهُ



وهذا تكامل إتمام، يمنح العامل طاقة للعمل دون النظر إلى رؤية البشر.

وخرجنا يوماً لصلاة الفجر في إحدى القرى التي تتوسد شاطئ الفرات، وكان المسجد بعيداً شيئاً ما عن البيت. انطلقنا وما زال الظلام يكتنف الوجود. كانت السماء تنث الأرض برذاذ خفيف من قطيرات المطر، تتساقط فوق زجاج سيارتنا وهي تخترق الحقول المترامية حولنا فأسمع لتساقطها إيقاعاً يلامس شغاف القلوب فيأخذ بمجامعها. ويتابع رذاذ المطر سقوطه متحرشاً بزجاج السيارة وكأنه ينزل على قلبي. والنخل يتمايل مع الريح، وكأنه يريد أن يجاذب الأشجار التي تحتف به العناق والقبل! وما بين الجنان المتناثرة عن يمين وشمال يتناهى إلى سمعي صوت غراب يأتي من أعماق السماء.. يمد من ألف (غاقه) بطيئاً طويلاً.. وقبل أن يرجع الصدى، الذي تتجاوب به جنبات الفضاء والحقول والبساتين، يُتبعه بـ(غاق) آخر، وآخر.. وتختلط الأصوات بالأصداء.. فأشعر أنها تجتاح قلبي اجتياحاً، وتتسرب إلى شرايينه، لتنتشر في مسامات كياني كله.

كنت أهتز لذة وطرباً! وكان الصوت ممتزجاً غاية الامتزاج مع تلك الأجواء الباهية والمشاهد الزاهية، ومتناسقاً معها غاية التناسق.

لأول مرة أحس بجمال صوت الغراب. وسبحت الخالق! لقد أدركت أن الأمور حين نأخذها مجزأةً، غيرُها حين نتعاطى معها ضمن النسيج الكلي لبناء الكون (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران:191).

والعجيب أن شعوري نحو الغراب تغير لصالحه منذ ذلك اليوم، رغم أن الثقافة السائدة تدفعنا للانزعاج منه! لقد رأيته لحظتها ضمن المشهد الكلي للوحة الكون، ولم أنظر إليه منفصلاً عنه، فاكتشفت قانوناً ينظم الخلق أسميته (التكامل). هذا القانون هو الذي يجعلنا نعجب بجمال العين في محجرها، لكن تخيَّلْها منزوعة من المحجر وملقاة على الطاولة، واسأل نفسك: أين توارى ذلك الجمال؟!

التكامل هو سر الأمر الرباني بالجماعة والنهي عن الفرقة. والجماعة سر القوة وحسن الأداء، كما أنها مظهر الجمال ولطافة الكيان. لذلك قيل: “خطأُك مع الجماعة خير من صوابك لوحدك”. ألا ترون أن المنظومة الجيدة تصهر الفرد السيئ، والمنظومة السيئة تبتلع الفرد الجيد؟

ب. التكامل في العبادات

لنأخذ ثلاث عبادات ونتأمل المعنى الرائع للتكامل فيها: قراءة القرآن الكريم، والأذان، والصلاة:

قراءة القرآن

مرت بنا الإشارة إلى أهمية قراءة القرآن الكريم طبقاً لمنهجية (التفسير الموضوعي). خذ سورة (الفاتحة) مثلاً:

  1. جعلت في أول القرآن؛ لأنها بمنزلة مقدمة الكتاب التي تلخصه. وكانت أروع وأجمع مقدمة لكتاب قط.
  2. وهي بمنزلة (العريضة). ترفع من مقام العبودية إلى جناب الربوبية في اليوم سبع عشرة مرة. وقد تزيد.
  3. محورها الذي تدور حوله العريضة أعظم طلب في الوجود. ألا وهو الهداية.
  4. توسلت له بأعظم سببين: الثناء على الرب بأعظم أسمائه وصفاته. ثم العبادة والاستعانة وهما أعظم ما يؤهل العبد لنيل مراده.
  5. انتهت ببيان الطرق الثلاث التي لا يخرج عنها إنسان: طريق المهتدين، وطريق المغضوب عليهم ممن عرف الحق وحاد عنه، والضالين ممن جهل الحق فضل الطريق.
  6. جمعت معاني القرآن كله. فآيات الفاتحة تدور حول تلك المعاني: تضمناً ولزوماً ومطابقة.
  7. اتصلت بسورة (البقرة) من حيث أنها جاءت جواباً وتفصيلاً للهداية التي طلبت في سورة (الفاتحة): (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة:6). فكان جواب الطلب: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:2)، وما بعده تفصيل. فسورة (البقرة) تفصيل مختصر لسورة (الفاتحة)، واختصار مفصل لسور القرآن.
  8. اتصلت بآخر سورة من القرآن الكريم، من حيث أن سورة (الناس) استعاذة من الشيطان: شيطان الجن والإنس، والاستعاذة بداية القراءة: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (النحل:98). ففيها إشارة إلى قراءة (الفاتحة) بعد الانتهاء من (الناس)، وهو السنة. إن استعاذة الفاتحة في سورة (الناس).



الأذان


كلمات الأذان اختيرت بعناية ربانية في منتهى الحكمة والمناسبة! وذلك يتبين مما يلي:

  1. ابتدأ الأذان بكلمةالله أكبر الله أكبر، تنطلق فجأة في رحاب الفضاء معلنة أنه لا شيء أكبر يمكن أن تنشغل به من الله؛ فاترك ما في يدك وتوجه إلى ذكر إلهك في أكبر ما يذكر به. ثم يكرر النداء للتأكيد.
  2. ثنت بذكر الأساس الذي تبنى عليه الدعوة للصلاة، وهو توحيد الله: “أشهد أن لا إله إلا اللهمرتين. ولبه الإخلاص.
  3. لا تتم العبادة إلا باتباع الرسول e ليكون العمل خالصاً صائباً: “أشهد أن محمداً رسول اللهمرتين للتأكيد.

فهل ثمت أنسب وأروع من هذا التمهيد!

  1. ثم جاءت الكلمة المقصودة التي هي محور الأذان مكررة مرتين: “حيّ على الصلاة، وبلفظ يشي بالحيوية والنشاط. أي أقبل على الحياة.
  2. هذا العمل فما هو الأجر؟ وهذه السلعة فما هو الثمن؟حيّ على الفلاحنعمحيّ على الفلاح”. والفلاح هو الجنة. والجنة أعلى وغاية ما يوعد به العاملون المستجيبون لنداء الله الذي يجلجل في الفضاء. فلا مجال لشيء يذكر بعدها، مثل بدعةحي على خير العمل، سوى الختام بما يناسب المقام.
  3. فكان التكبير مرتين فقط لمناسبة الاختصار للختام، والشهادة مرة واحدة بأجمل اختصارلا إله إلا الله”.
  4. تأمل كيف تم ترشيق الكلمات بالتدريج: فالتكبير الأخير اختصر للنصف، والشهادة الأخيرة اختصرت للربع: “لا إله إلا اللهفقط دون ذكرأشهد أن محمداً رسول الله”. مع حذف كلمةأشهدمنها. وهو تناسق جميل لفظاً ومعنى يدركه كل عربي أصيل السليقة سليم الذوق.
  5. للأذان أسرار عجيبة عند تأمله في ضوء قانون (التكامل الكوني). أحدها أن الأرض لا تخلو لحظة من الأذان منطلقاً من آلاف المدن في كل لحظة طبقاً للتوافق والاختلاف في مواضعها على خطوط الطول حول الكرة الأرضية وعددها (360) خطاً. وهذا يجعل الشمس تختلف في زمن إشراقها على كل مدينة أو قرية حسب موقعها على تلك الخطوط بحيث يكون الفرق (4) دقائق بين المدن التي تقع على خط معين والخط الذي يليه. وبين خط وخط تقع آلاف المدن التي تتفاوت في وقت الأذان بالتدريج من دقيقة إلى أربع دقائق بين مدن الخط السابق والذي يليه والمدن التي بينهما. فإذا لاحظت أن أوقات الأذان تتداخل في المدن التي تبعد عن بعضها كثيراً بحيث يكون أذان الفجر في مدن معينة موافقاً لأذان العشاء أو أذان الظهر في مدن أُخرى. وهكذا تضج الأرض في كل لحظة بآلاف المآذن تصدح بالأذان وهو يلف الكرة الأرضية دون انقطاع. وبهذا ندرك سراً جديداً من أسرار قوله تعالى: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) (الشرح:4)!
  6. حتى إذا وصلنا الكعبة نجد أن النداء والذكر والتسبيح لا ينتهي أبداً عندها! فهناك طوال الوقت طواف وصلاة وذكر ودعاء حتى تقوم الساعة.

الصلاة

تأمل حركات الصلاة من تكبيرة الإحرامبل من الوضوءكيف ترسم صورة كاملة للاستئسار بين يدي الجبار حد القتل. لكن هذا المشهد الرمزي للقتل يبدأ بتمهيد مناسب:

  1. أوله الوضوء إشارةً إلى الإقدام على بيع النفس لله تعالى اختياراً لا إجباراً؛ فأنت تُـقَـدم لذلك بالتطهر الذي يمنح النفس الارتياح والصدر الانشراح. لا كما يقتل الأسير بشعثه وتفثه لأنه لا يفعل ذلك إلا مضطراً يساق إليه سوقاً. وفي ذلك شبه بما فعل نبي الله إسماعيل u إذ قال له أبوه إبراهيم u: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات:102).
  2. ثم التوجه إلى بيت الله إعلاناً بأن البيع لله لا لأحد سواه.
  3. تأتي تكبيرة الإحرام بعد ذلك التمهيد إعلاناً بالاستسلام لأعظم كبير. ومعها رفع اليدين كما يرفع الجندي في الميدان يديه أمام من غلبه معلناً الاستسلام التام، واستعداده للأسر ووقوعه تحت تصرف الغالب. وشتان بين استسلام المحبوب واستسلام المغلوب!
  4. ثم التكتف وهو رمز لتقييد الأسير بعد أسره.
  5. ثم مد الرقبة استعداداً للقتل.
  6. وهنا كأن الله يقول لك: ارفع رأسك فقد سمع الله دعاءك واستجاب لك فاحمده على ذلك. فترفع رأسك حامداً إياه.
  7. ثم لا تجد بعد الحمد شكراً أحرى من الانطراح بين يديه فِعْـل القتيل إذ يسقط بعد القتل. وكأنك تأبى إلا أن تقدم نفسكوهي كل ما تملكله سبحانه. عالماً أنك وما تملك ملك لمالك الملك.
  8. ثم تكرر الحركة عدة مرات. وتجلس للخروج من هذا المشهد العبودي الجميل بطريقة جميلة تناسب المشهد مبتدئاً بثلاث كلمات: التحيات، والصلوات، والطيبات.
  9. أما التحيات فلله؛ والسر في ذكرهاوالله أعلمأن الدخول في الصلاة خروج من الدنيا، وانقطاع عنها. فالخروج من الصلاة دخول إليها، والدخول على من خرجت منهم فعدت إليهم يكون بالسلام. فهي جلسة تحيات وسلام. لكن الله هو السلام فلا يسلم عليه.
  10. وانظر إلى نفسك وأنت في الصف بين المصلين، ثم وسع دائرة النظر لترى بخيالك الصفوف كلها، ولاحظ حركة المجموع ركوعاً وسجوداً وجلوساً وأنت هناك قائماً بين تلك الصفوف مع القائمين. ثم صعّد بخيالك إلى الكون بشجره وحجره وغيبه وشهادته قائماً كله قانتاً لله ساجداً وقائماً. ثم اصعد أكثر وأكثر حتى تبلغ السماء السابعة، لتتناول العرش بقلبك وتسبح مع الملائكة بروحك، وتسجد بين يدي الجبار، مستوياً على عرشه، مهيمناً على خلقه، يسمع من هناك حفحفة شفتيك، ويعلم نبض قلبك، وحقيقة سرك! مستحضراً قول النبي e عن أبي هريرة t: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ فأكثروا الدعاء). وعن ابن عباس t: (وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء. فقمن أن يستجاب لكم)([1]). متفكراً في سر ذلك؛ فإنه موضع القرب الذي قال الله Y عنه: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) (العلق:19).
  11. لا تنتهي أسرار الصلاة عندما تنظر إليها في ضوء التكامل الكوني! لكن لا بأس بأن نتوقف عند أحد هذه الأسرار:

عند الصلاة أنت تتجه نحو الكعبة، وفي وقت واحد مع مصلين آخرين. الكل يتجهون إلى نقطة واحدة، وترتبط قلوبهم بنقطة واحدة. فلو رسمت في ذهنك لصفوف المصلين خطوطاً مستعرضة تتجه في وقت واحد إلى نقطة واحدة هي الكعبة، ولكل مصلٍّ خطاً طولياً يربط بين قلبه وبين تلك النقطة. ثم اشمل بنظرك المساجد كلها على خطوط العَرْض كلها على الكرة الأرضية كلها! ماذا ترى من صورة!

هذه الخطوط المنتشرة على الأرض خطوط منظمة، الأرض مقوسة مدورة فهذه الخطوط تمثل أقواساً على الأرض. فتكون صلاة الجماعة وصفوف الجماعة عبارةً عن أقواس صغيرة جداً تكتمل مع صفوف مصلين آخرين في أمكنة أُخرى. فتكون الصورة الكلية صفوفاً هندسية منظمة غاية التنظيم، وأقواساً دائرية متتابعة على سطح الأرض تتجه جميعاً إلى الكعبة. وتصغر باستمرار كلما اقتربت منها. حتى إذا وصلنا الكعبة نفسها رأينا عياناً هذه الصفوف تتقوس كلياً داخل الحرم وتلتحم ببعضها مكونة دوائر مغلقة. تصغر وتصغر كلما اقتربت من الكعبة حتى تنتهي الدائرة بإمام واحد يقف عندها.

وتجد للمشهد صورة أُخرى هي صورة الطواف، رامزة إلى انشداد القلب بالحب إلى الكعبة. الكعبة تجذب القلوب إليها كما يجذب المغناطيس برادة الحديد. فهل قلبك من حديد أو حجر؟ فاستمع إلى قوله تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الحشر:21) واستمر إلى آخر السورة: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الحشر:20-24).

والطواف ظاهرة كونية وقانون كوني شامل لا يتخلف عنه شيء من الإلكترون حول نواة الذرة إلى الكوكب حول الشمس، إلى الشمس حول المجرة، إلى المجرة حول الكويكبة. إلى ما بعد ذلك! ومن عجب أن كل حركات الكون من الذرة إلى المجرة فما فوقها اتجاهها هو اتجاه الطائف حول الكعبة، أي من اليمين إلى اليسار. وهو الاتجاه الذي تخالفه الجاهلية الغربية في حركاتها جميعاً، وحركت أميال ساعتها تبعاً إليه. وحركة كتابتها كذلك. بل حركة عسكرها إذ يقدمون الشمال على اليمين عند الانطلاق. وقد قلدناهم في هذه الحركة([2]).

الكون كله في حالة جذب متناسق باتجاه واحد. والجذب تعبير عن الحب؛ فالكون كله قائم على الحب! وأنت جزء منه. فلا تشذ عنه. بل اسلك نفسك في هذا النظام الكوني العجيب. أنت أيها العبد جزء من تشكيلة هذا النظام الكوني الرائع! فهل يليق بك أن تخلي مكانك وتخرج من الصف ليقيمه غيرك؟ وانظر تر الكائنات كلها سالكة ضمن هذا التشكيل الهندسي والنظام الرباني البديع: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (الحج:18).

فهل ترضى لنفسك أن يكون الحيْوان أو الجماد أو الشجر مقيماً للنظام متسقاً معه بينما أنت، أيها الإنسان الذي أكرمك الله بأن جعلك أرقى من كل هذه المخلوقات، خارج عن النظام، خارج عليه! هل أدركت الآن البعد العميق لمعنى قوله تعالى: (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)!ولو رحت أسبح في أفلاك التكامل الكوني في الصلاة طال بنا المقام كثيراً.

 

[1]رواهما مسلم. قال الشوكاني في (نيل الأوطار): وإنما كان في السجود أقرب من سائر أحوال الصلاة وغيرها؛ لأن العبد بقدر ما يبعد عن نفسه يقرب من ربه. والسجود غاية التواضع وترك التكبر وكسر النفس لأنها لا تأمر الرجل بالمذلة ولا ترضى بها ولا بالتواضع بل بخلاف ذلك. فإذا سجد فقد خالف نفسه وبعد عنها، فإذا بعد عنها قرب من ربه. قوله: (فأكثروا الدعاء) أي في السجود لأنه حالة قرب كما تقدم، وحالة القرب مقبول دعاؤها؛ لأن السيد يحب عبده الذي يطيعه ويتواضع له ويقبل منه ما يقوله وما يسأله.

[2]–  إيعاز حركة سير الجندي العراقي: (يَسْ يَمْ). يس = يسرى، يم = يمنى.




مَبدَأُ ( التكَامُلِ التَّربَوِيِّ ) فِي الإسلام

الخطأ جزء من معادلة الصواب..

والخطيئة جزء من معادلة الثواب..

وكذلك:

الفشل جزء من معادلة النجاح..

والمشكلة جزء من معادلة الحل.

تأمل هذه المعادلات الأربع العظيمة، والغريبة في الوقت نفسه.. تفكر فيها ثم لك أن تسمع مني ما أقول..

لا يسلم المرء من خطأ أو عيب، ولا بد له أن يُلِـمَّ بأثم أو ذنب.

فما من إنسان إلا واعتراه ضعف، إلا وارتكب خطأ أو ركبته خطيئة. وإذ ذلك حتم واقع فإن الإسلام يستثمر هذه الحتمية الكونية فيحوّل الضعف والخطأ والخطيئة إلى قوة وصواب وربيئة. فيربي المسلم بالخطأ والخطيئة كما يربيه بالصواب والحسنة؛ فتنقلب السيئات في حقه حسنات! إن للإسلام ملحظاً تربوياً في حالة السلب، كما له ملحظ تربوي في حال الإيجاب؛ فيربي بهذا كما يربي بهذا. فكيف يكون ذلك؟

لنقرأ: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (الفرقان:68-70).

ماذا تفهم؟! أليست سيئات انقلبت حسنات!

هل هذا تشجيع على ارتكاب المعصية؟ حاشى لله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) (الأعراف:28). المعنى واضح: توبة عن إيمان مع استقامة على صلاح. هذا هو الذي قلب المعادلة إلى الضد. بل هو طرد لليأس، وفتح الباب واسعاً أمام الأمل برحمة الله جل جلاله، وتشجيع على التوبة، ودعوة للرجوع إلى الاستقامة!

لكن انظر.. لقد انقلبت حال المذنب قبل ذلك؛ ولولا ذلك ما استحال الضد إلى الضد. واقرأ هذه الآيات ففيها توسعة في المعنى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) (النجم:31) من هؤلاء المحسنون الموعودون بالحسنى؟ (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم:32).

 

وفي معنى ( اللمم ) درس !

وللمم معنيان: صغار الذنوب تعرض للمسلم فيفعلها ويستغفر منها. أو الكبيرة يُلم بها أي تقع منه ثم لا يستمر عليها. قال الشوكاني في (فتح القدير): وأصل اللمم في اللغة ما قل وصغر، ومنه: ألمّ بالمكان قل لبثه فيه، وألم بالطعام قل أكله منهقال الزجاج: أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه. يقال ألممت به: إذا زرته وانصرفت عنه، ويقال ما فعلته إلا لماماً وإلماماً: أي الحين بعد الحين، ومنه إلمام الخيال. وقال نفطويه: هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة. قال: والعرب تقول: ما تأتينا إلا إلماماً: أي في الحين بعد الحين”. وفسره ابن كثير بقريب من هذا، وأضاف عن ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال: هو الرجل الذي يلم بالفاحشة ثم يتوب. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: اللمم من الزنا ثم يتوب ولا يعود، واللمم من السرقة ثم يتوب ولا يعود، واللمم من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود. قال: فذلك الإلمام.إ.هـ. قلت وآية (الفرقان) تشهد لهذا المعنى؛ فإنها ذكرت الشرك والقتل والزنا، ثم عقبت عليه بتبديل السيئات حسنات بالشرط المذكور.

 

سيئة أدخلت صاحبها الجنة ..!

فمتى ما أقلع المسلم عن الذنب، وتاب منه توبة نصوحاً وتبدلت حاله إلى حال أُخرى من الإيمان والصلاح غفر له واستحال ذنبهوإن كان كبيراًحسنة: حسنة الثواب وحسنة الحال. ومما ينسب إلى سعيد بن جبير قوله: (دخل رجل الجنة بمعصية ودخل رجل النار بحسنة. فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: عمل رجل معصية فما زال خائفاً من عقاب الله من تلك الخطيئة فلقي الله فغفر له من خوفه منه تعالى. وعمل رجل حسنة فما زال معجباً بها ولقي الله بها فأدخله النار)إهـ. ومصداق ذلك قوله Y: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون:60). في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات).

فالذنب إن كان سبباً للانكسار بين يدَي الجبار، ووسيلة للاستثمار في سوق الاستغفار (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات). بشرط أن تجعله لمماً فيكون سُلَّماً. وإلا كنت تحت طائلة (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:81).

وبهذا الشرط قلنا ونقول:

  • الخطأ جزء من معادلة الصواب..
  • والخطيئة جزء من معادلة الثواب..
  • والمشكلة جزء من معادلة الحل.

وقلنا أيضاً:

  • ليس أمامنا إلا أن ننجح أو ………… أو ننجح!
  • نحن ندرك جيداً أن الفشل جزء من معادلة النجاح.

أليس الخطأ يستفيد منه العاقل فلا يقع فيه أُخرى. وكذلك الخطيئة تورث السعيد عظة وذكرى. ولولا المشكلة ما اشتد العود، وتفتقت الأذهان، وكانت التجربة والمهارة والخبرة على أعلى مستوى. فهذه كلهابشروطهاوسائل متقدمة في التربية والمران على الخلق الحسن والسلوك القويم. وانظر إلى أبيك آدم u وعدوه إبليس في موقفهما من المعصية، واتخذ مسلك أبيك منهجاً تكن على جادة النجاة. وتأمل كيف كان بعد المعصية خيراً منه قبلها!

بل قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “قد علمت ورب الكعبة متى تهلك العرب”. فلما سئل عن ذلك أجاب: “حين يسوس أمرهم من لم يعالج أمر الجاهلية، ولم يصحب الرسول صلى الله عليه وسلم “. وفي لفظإنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ فى الإسلام من لا يعرف الجاهلية”. قال شيخ الإسلام: “ومن نشأ فى المعروف لم يعرف غيره فقد لا يكون عنده من العلم بالمنكر وضرره ماعند من علمه ولا يكون عنده من الجهاد لأهله ما عند الخبير بهم”. ومصداق هذا موقف أهل السنة البعيدين من الشيعة تجاههم؛ يظلون يهونون من شأنهم، ولا يستفيدون كثيراً من تحذير من مارسهم حتى يقعوا في شرهم. والهلاك الذي فيه العرب اليوم ليس بقليل؛ وذلك نتيجة عدم معالجتهم (معايشتهم) الشيعة وضعف معرفتهم بحقيقتهم. ويؤيده ما رواه الإمام مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني).

بين مبدأ ( الكمال التربوي ) و ( التكامل التربوي )

مع أن مبدأ (التكامل التربوي) واضح وحاضر في القرآن والسنة، إلا أنه غائب عن مناهج التربية الحديثة، كما أنه غائب عن منابر الوعظ والخطب والدروس الدينية. وإنْ ذُكر فعرضاً دون تعمق وتركيز وتثبيت كمفهوم أساسي وقاعدة تربوية رصينة يحتاجها الفرد كما يحتاجها المجتمع في صلاحه، وتحتاجها المؤسسات في تماسكها الجمعي ودورها القيادي.

إن المناهج والمنابر تعتمد مبدأ (الكمال التربوي)، أي التربية بالحسنة دون السيئة، وتعرض لسيرة العظماء مغفلة إغفالاً تاماً ما يمكن أن يشوبها من حالات ضعف. فعادة ما يمر الواعظ أو الخطيب أو المربي بهذا الحديث: روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لفلان نخلة وأنا أقيم حائطي بها، فأمُرْه أن يعطيني حتى أُقيم حائطي بها. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أعطها إياه بنخلة في الجنة)، فأبى. فاتاه أبو الدحداح فقال: بِعْنِي نخلتك بحائطي (وكان به ستمئة نخلة)، ففعل. فأتى النبي صلى الله عليه وسلمفقال: يا رسول الله إني قد ابتعت النخلة بحائطي، قال: فاجعلها له، فقد أعطيتُكَها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كم مِن عِذق رداح لأبي الدحداح في الجنة)، قالها مراراً. قال: فأتى امرأته فقال: يا أم الدحداح اخرجي من الحائط فإني قد بعته بنخلة في الجنة. فقالت: ربح البيع، أو كلمة تشبهها([1]). فيروي الواعظ شطره الثاني الخاص بأبي الدحداح، ضارباً الذكر صفحاً عن الرجل الأول الذي أبى معروض النبي e. أو يمر به سريعاً دون تأمل أو استفادة.

لكن القرآن العظيم له شأن آخر ومنهج مختلف، فهو يذكر الصورة بجزءيها: القوة والضعف. وقد طبق هذا المنهج مع خيرة الخلق وهم الأنبياء عليهم السلام بدءاً بآدم ومروراً بموسى وداود وسليمان وختاماً بسيد الأنام عليه وعلى سائر الأنبياء أفضل الصلاة والسلام. وذكر الصحابة رضي الله عنه طبقاً للمنهج نفسه.

انظر إلى سورة (الأنفال) وهي تقص علينا معركة (بدر)، وما من شك في أن الصحابة الذين خاضوها هم خيرة الصحابة طراً، كيف بدأت فكانت أول آية فيها عن اختلافهم حول الغنائم: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (الأنفال:1). روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنِ الْأَنْفَالِ، فَقَالَ: “فِينَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ بَدْرٍ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفْلِ، وَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا، فَانْتَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَيْدِينَا، وَجَعَلَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ بَوَاءٍ، يَقُولُ: عَلَى السَّوَاءِ”([2]). ووردت روايات أُخرى فيها تفصيل أكثر: “فَلَمَّا يسر الله الْفَتْح اخْتلفُوا فِيمَا بَينهم وَتَنَازَعُوا فَقَالَ الشبَّان: نَحن الْمُقَاتِلُونَ. وَقَالَ الشُّيُوخ وَالْوُجُوه الَّذين كَانُوا عِنْد الرَّايَات: كُنَّا ردْءًا لكم وَفِئَة تنحازون إِلَيْهَا إِن انْهَزَمْتُمْ، فَنزلت الْأَنْفَال”. رواه أبو داود. فلماذا يذكر الله جل وعلا مثل هذا لولا أن فيه حكمة وفائدة، وأن هذا لا تكتمل دون بيان الصورة بجزءيها.

عندما ينظر المسلم في الأجيال اللاحقة أن جيل القدوة لم يكن بمنأى عن حالات تلم به يضعف فيها أو يخطئ أو يذنب، يكون بمنجى عن النظرة الدونية إلى ذاته، بل تزداد ثقته بنفسه أن يسمو بعد دنو وينقى بعد شوب، وأن أمامه فرصة لأن يكون شبيهاً بهم فيكون من (السابقين) الذين وصفهم الله تعالى فقال: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ) (الواقعة:14،13). فما زال (السابقون) يخلف بعضهم بعضاً في كل عصر وكل جيل.

 

[1]رواه الإمام أحمد، وصححه الألباني. وللقصة أصل في (صحيح مسلم) من حديث جَابِرِ بْنِ رضي الله عنه قَال: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ e عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحِ. وفيه: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُعَلَّقٍ أَوْ مُدَلًّى فِي الْجَنَّةِ لابْنِ الدَّحْدَاحِ). أَوْ قَالَ شُعْبَةُ لأَبِي الدَّحْدَاحِ. والرداح: العظيم الثقيل.

[2]قال الهيتمي: رجاله ثقات. وأشار أحمد شاكر في مقدمة (عمدة التفسير) إلى صحته.

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

6521740849391641416

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث