الإيمان والتنمية الإيمانية - في كل عصر صحابة، مجالس الذكر، ابن عطاء
فِي كُلِّ عَصرٍ صحابة
الغيرة من الصحابة «رضي الله عنهم»
لو سأل المسلم نفسه: ما الفائدة التي أجنيها – مثلاً – من كون الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص t سابعَ سبعة دخلوا في الإسلام، وأولَ رامٍ بسهم في سبيل الله، وبطلَ القادسية وفاتحَ العراق، مجابَ الدعوة، طيبَ المطعم، نظيفَ القلب لا يحمل غلاً لأحد من المسلمين؟ ما الذي يدخل في حسابي من ذلك كله؟
وهكذا بقية الأصحاب كخالد وأبي عبيدة، والفاروق والصديق، بل الأنبياء عليهم السلام.
الجواب: لا شيء! لا شيء حقاً! ما لم تعمل بعملهم وتقتد بهم.
دع كل شيء واستحضر الموقف يوم القيامة وقد جاء عظماء السابقين من الصحابة y فمن بعدهم، فأعطاهم الله Y أُعطياتهم وسلمهم صحائف أعمالهم بدرجاتها ومنازلهم، وأنت تنظر إلى هذا المشهد. قطعاً سيتحرك قلبك بالسؤال: وأنا بين هذه الجموع.. ما منزلتي وما درجتي؟
انتبه! هل شعرت بالغيرة منهم، وتحفزت للتنافس معهم على منازل القرب عند الله جلّ في علاه.. لماذا يكون فلان أقرب مني ولا أكون أنا الأقرب، أو قريباً منه؟ أنت ذو قلب حي إذن؛ فأبشر!
انظر إلى موسى u كيف يتألم ويحزن حتى يبكي ويشعر بالغيرة.. وممن؟ من محمد e، لما رآه يتجاوزه إلى الحضرة القدسية! وكان من أسباب بكائه لما سئل: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي؟
الغيرة من تفوق الآخرين عليك، إحساس راقٍ وشعور سامٍ يتميز به ذوو الهمم العالية، أولئك الذين يدركون عمق معنى قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) (الإسراء:57)، وقوله: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (المطففين:26).
تقول: منزلة الصحبة قد ختم عليها فلا ينال درجتها أحد من بعدهم. وأقول: مع ذلك هل منع الله أحداً منا أن يقترب فيكون على مرمى خطوة منهم؟ أبداً، وقد قال Y: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ) (الواقعة:10-14). لقد فتح المضمار أمام الأجيال كلها لأن يكون منهم في درجة (السابقين) من رامها وسعى إليها. إذن في كل عصر سابقون.. في كل عصر صحابة. مع الاحتفاظ بالفضل والسبق المطلق لصحابة النبي e، الذين قال فيهم: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهباً، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) رواه البخاري.
والقلة هنا مقيدة لا مطلقة. فهي قلة نسبة لا قلة عدد. فلو افترضنا أن عدد الصحابة كان مئة ألف، فإن ثلة السابقين ربما يصل عددهم ثمانين ألفاً منهم. واليوم يبلغ عدد الأمة أكثر من مليار ونصف المليار. فكم هو عدد القلة السابقة منهم؟ لا شك في أنه يزيد على مجموع الصحابة ليتجاوز عشرات الملايين؛ وإلا فإن عدد الصحابة كلهم الذي هو مئة ألف، نسبةً إلى عدد المسلمين اليوم لا يشكل غير (1/15000) واحد من خمسة عشر ألفاً! وهذا لا يصلح أن يطلق عليه وصف قلة، بل ولا أقل من ذلك.
إذن الفرصة أمامك كبيرة ومفتوحة لأن تلتحق بركب السابقين. وقد روى أبو هريرة t عن رسول الله e ما يزيدك عزماً وهمة وأملاً؛ إذ يقول: خرج رسول الله e إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت إخواننا. قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي. وإخواني الذين لم يأتوا بعد وأنا فرطهم على الحوض. قالوا: يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيتم لو كان لرجل خيل غر محجلة، في خيل بهم دهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى، قال: (فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء)([1]).
بل ورد عن عمر بن الخطاب t في قوله عز وجل: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) أنه قال: من فعل مثل فعلهم كان مثلهم.
تفاضل نوعية
ثم هناك تفاضل في النوعية، وهي الصفات والمؤهلات والأعمال الذاتية، غير المتعلقة بعامل من خارجها يمكن أن يغير المعادلة لصالح أيٍّ من المتفاضلين. فمغيث t – مثلاً – صحابي، لكنه لو نظرنا إليه من الناحية الذاتية فلنا أن نسأل: هل مغيث([2]) أفضل علماً وعقلاً وكياسة وجهاداً من ابن تيمية وأمثاله من عظماء الأمة كالأئمة الأربعة وأضرابهم؟ فللمتأخر أن يسبق المتقدم في عمل ما وإن كان المتقدم أسبق منه في مجمل الدرجة.
وكل ذلك داخل في عموم قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الجمعة:4).
يقول سيد قطب رحمه الله في (الظلال): (إن اختيار الله لأمة أو جماعة أو فرد ليحمل هذه الأمانة الكبرى, وليكون مستودع نور الله وموضع تلقي فيضه, والمركز الذي تتصل فيه السماء بالأرض.. إن اختيار الله هذا لَفضلٌ لا يعدله فضل. فضل عظيم يربو على كل ما يبذله المؤمن من نفسه وماله وحياته، ويربو على متاعب الطريق وآلام الكفاح وشدائد الجهاد.
والله تعالى يذكّر الجماعة المسلمة في المدينة, والذين يأتون بعدها الموصولين بها، والذين لم يلحقوا بها.. يذكرهم هذا الفضل في اختيارهم لهذه الأمانة, ولبعث الرسول فيهم يتلو عليهم الكتاب ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. ويترك للآتين في أطواء الزمان ذلك الرصيد الضخم من الزاد الإلهي, ومن الأمثلة الواقعية في حياة الجماعة الأولى. يذكرهم هذا الفضل العظيم الذي تصغر إلى جانبه جميع القيم, وجميع النعم، كما تصغر إلى جانبه جميع التضحيات والآلام).
ألسنا نخطئ ونعصي ؟
المنهج التربوي الشائع يخالف منهج القرآن الكريم في عرض القدوة عرضاً واقعياً يقدمه لك كما هو في حياته التي هو عليها، لا كما نتخيل. إن المنهج القرآني، وإن كان يركز على إيجابيات القدوة ومؤهلاته التي جعلت منه شخصاً صالحاً للاقتداء، لكنه لا يهمل ذكر حالاته الإنسانية المقابلة، بل يذكر بعض ما يستدعي الملاحظة، والنقد أيضاً.
إن هذا التكامل في العرض يمثل قمة المنهجية التربوية الفاعلة التي تنمي الثقة بالنفس، وتقول للمسلم: إن الطريق أمامك مفتوح للارتقاء في مدارج العظمة؛ فليس من شرط العظيم إن لا يكون في حياته صغيرة. على العكس من تأثير المنهج الشائع، الذي يمارس عملية جلد تجاه المعاصرين مركزاً على الفارق الكبير بين المتقدمين والمتأخرين، جاعلاً منه فجوة عصية على الردم؛ ما يؤدي بالهمة إلى الهبوط، والطموح إلى النزول، فيفتر العمل، وقد يستسلم العامل للزلل ويستمرئه ولسان حاله أو مقاله: أين نحن من أولئك؟ بمعنى أن سلوكهم يستند إلى قوى وأسرار ومؤهلات خفية نفتقر إليها فلا يمكن التأسي بهم. ويعرض سير الأولين بما يوحي بأنهم قديسون. وأن هذه (القداسة) هي لا بد منها لتغيير الحال. وعندما يقلب أحدنا نظره في الواقع فلا يجد أحداً يشبههم ولا يدنو منهم، ينكفئ على نفسه ويفقد الثقة بمن حوله أن ينعشوا أملاً أو يحققوا هدفاً، خصوصاً القادة ؛ ما يؤدي إلى تثاقل العاملين وتنصلهم؛ فتضعف المؤسسة وتتفكك وتزول. وهذه المقارنة المثالية بين الأولين والمتأخرين أحد أسباب انفضاض الأتباع عن القيادات، والفشل في استمرار ونمو الجماعات في العصر الحاضر.
[1] – رواه مالك في الموطأ والنسائي وابن حبان بسند صحيح. وفي رواية في (كنز العمال): (أنتم أصحابي، وإخواني قوم يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني)
[2]– عن ابن عباس، أن زوج بريرة كان عبداً يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته. فقال النبي e لعباس: (يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثاً). فقال النبي e: (لو راجعته؟). قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: (إنما أنا أشفع). قالت: لا حاجة لي فيه. وبريرة مولاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، اشترتها وأعتقتها، فاختارت فراق زوجها.
مجَالِسُ فِكرٍ .. وَ … ذِكر
أمثلة للقياس:
- (العلاقة بين سورة الكوثر والكافرون والنصر)
- سيد الاستغفار
- مع فرائد ابن القيم في ( فوائده )
- وابن عطاء في ( حِكَمه )
- قراءة كتب الرقائق والمواعظ والعبَر وسير الأنبياء والصالحين
قال تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران:191).
أقصد بالمجالس مجالس العمل واجتماعاتها التي يعقدها أصحاب القضية، للتداول في شأن قضيتهم ومسيرتها.
لا نريد لاجتماعات أصحاب القضية ولقاءاتهم أن تلبي حاجتين اثنتين فقط هما: الفكر والعمل، دون ما يلبي حاجة الذكر والإيمان وتزكية النفس. إن منهجنا وإن كان من أرض الواقع ينطلق، وبذور الوحي وإن كانت في ترابها تنبت، لكن ديننا من السماء قد نزل، وبمائها يسقى، وبنورها يتوهج. فكيف نزاوج بين هذا وذاك في تشكيلة متوازنة بين استحقاق الأرض والسماء، ومطالب الروح والجسد؟
والسؤال عن الجانب العملي فقط.
من خلال التجربة الذاتية وجدت خير ما يمكن به تحقيق هذه الغاية هو افتتاح اللقاء بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، يليها الاستشهاد بآية من الآيات التي تليت تواً، أو غيرها من الآيات. أو الاستشهاد بحديث نبوي، أو قصة من قصص الصالحين، أو حكمة من الحكم، أو نصيحة من النصائح، وما شابه ذلك، ليكون محوراً إيمانياً تلتقي عليه القلوب، وتجتمع الأرواح، ويدور الفكر، وينبعث العمل، وتنشرح الصدور وترتاح النفوس وتنشط للحركة باتجاه رب العالمين. وحبذا لو اختتم المجلس بدعاء جامع لخير المجتمعين وغيرهم من العاملين والمجاهدين والمسلمين أجمعين. على أن لا تزيد المدة الخصصة عن عشر دقائق.
أمثلة للقياس
اقرأ – مثلاً – سورة (الكوثر) وكيف وعدت، والرسول e في مكة، بانبتار أعدائه وشانئيه. ثم تحقق الوعد بعد الهجرة وفتح مكة فنزلت سورة (النصر) توثق ذلك. ولك أن تقف فتسأل: لمَ توسطت سورة (الكافرون) بين السورتين، ولم تَعقب إحداهما الأُخرى دون فصل؟ وأجيبك: لأن مسيرة النصر لا تصل إلى غايتها ما لم تمر بمرحلة المفاصلة والتميز بين فريق الحق وفريق الباطل. وهذا هو السبب الرئيس في خذلان السنة أمام الشيعة.
كم عظيمة هذه المعاني!
وكم تشيع في النفس من لمسات الإيمان، وتنثر بذور الثقة، وتزرع غراس الاطمئنان!
ويمكنك أن تقرأ دعاء (سيد الاستغفار) الذي يرويه الإمام البخاري عَنْ شدَّادِ بنِ أَوْسٍ t عَنِ النَّبِيِّ e قَالَ: (سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ العَبْدُ: “اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِي لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ. أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِ مَا صَنَعْتُ. أَبْوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بَذَنْبِي. فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ”. مَنْ قَالَهَا في النَّهَارِ مُوقِنَاً بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَومِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِي فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ).
وقف عند غناه في (أبوءُ لك بنعمتك عليّ)، وإلى فقرك في (وأبوء بذنبي)! لترى كم تنفتح لك من نوافذ للإيمان، وتنتصب أمامك من سلالم للعروج!
وإن جعلت تحت يدك كتاباً للمواعظ الغالية والحكم العالية فخير، ويعينك كثيراً في مهمتك، مثل (فوائد) ابن قيم الجوزية، و(حكم) ابن عطاء السكندري رحمهما الله. ولا يخلو كتاب، سوى كتاب الله Y من هنات وملاحظات. وثقتنا بعقيدة أصحابنا ووعيهم الكاشف بين الأصيل والدخيل عالية.
مع فرائد ابن القيم في ( فوائده )
تأمل هذه الحكم لابن القيم ماذا لو جعلت إحداها أو بعضها محوراً للمادية الإيمانية لأي مجلس رباني:
- من لم ينتفع بعينه لم ينتفع بأذنه.
- للعبد ستر بينه وبين الله, وستر بينه وبين الناس, فمن هتك الستر الذي بينه وبين الله، هتك الله الستر الذي بينه وبين الناس.
- للعبد رب هو ملاقيه وبيت هو ساكنه, فينبغي له أن يسترضي ربّه قبل لقائه ويعمّر بيته قبل انتقاله اليه.
- المخلوق اذا خفته استوحشت منه وهربت منه, والرب تعالى اذا خفته أنست به وقربت اليه. [مصداقه قوله تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الذاريات:50). مع أن الفرار يكون من الشيء لا إليه].
- لما طلب آدم الخلود في الجنة من جانب الشجرة عوقب بالخروج منها. ولما طلب يوسف الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا لبث فيه بضع سنين.
- أول منازل القوم: (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) وأوسطها (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ). وآخرها (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ) (الأحزاب:40-43).
- تالله ما نفعه عند معصيته عز: (اسجدوا)، ولا شرف: (وعلّم آدم..) ولا خصيصة: (لما خلقت بيدي)، ولا فخر: (نفخت فيه من روحي). وإنما انتفع بذل: (ربنا ظلمنا أنفسنا).
- لما صاد الكلب لربه أبيح صيده, ولما أمسك على نفسه حرم ما صاده.
- من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه من العمل، وبأي شيء يشغله؟
- قال رجل لمعروف الكرخي: علمني المحبة. قال: المحبة لا تجيء بالتعليم.
- لو عرفت قدر نفسك عندنا ما أهنتها بالمعاصي.
- الجنة ترضى منك بأداء الفرائض، والنار تندفع عنك بترك المعاصي. والمحبة لا تقنع منك إلا ببذل الروح.
- عرائس الموجودات قد تزينت للناظرين ليبلوهم أيهم يؤثرهن على عرائس الآخرة، فمن عرف قدر التفاوت آثر ما ينبغي إيثاره.
وحسانُ الكونِ لمّا أن بدتْ أقبلتْ نحوي وقالتْ لي : إليّْ
فتعــــامــيــتُ ، كــــأنْ لــم أرَهـــــا عندما أبصرتُ مقصودي لديّْ
- أغبى الناس من ضل في سفره وقد قارب المنزل.
وابن عطاء في ( حِكَمه )
وتأمل هذه الحكم النفيسة لابن عطاء السكندري:
- من علامة الاعتماد على العمل، نقصان الرجاء عند وجود الزلل.
- لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجباً ليأسك؛ فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختار لنفسك. وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد.
- ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه.
- لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه؛ لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره. فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة، إلى ذكر مع وجود يقظة. ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور. ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور (وما ذلك على الله بعزيز).
- من لم يقبل على الله بملاطفات الإحسان، قُيد إليه بسلاسل الإمتحان.
- ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك.
- متى فتح باب الفهم في المنع، عاد المنع عين العطاء.
- متى أعطاك أشهدك بره، ومتى منعك أشهدك قهره. فهو في كل ذلك متعرف إليك، ومقبل بوجود لطفه عليك.
- إنما يؤلمك المنع؛ لعدم فهمك عن الله فيه.
- ربما فتح لك باب الطاعة، وما فتح لك باب القبول. وربما قضى عليك بالذنب فكان سبباً في الوصول.
- الفكرة فكرتان: فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان. فالأُولى لأرباب الاعتبار، والثانية لأرباب الشهود والاستبصار.
تصور حين نبدأ اجتماعاتنا فنضيئها بمثل هذا، أو بقصة من قصص الصالحين، على أي حال من الإيمان نكون؟!
كتب الرقائق والمواعظ والعبَر وسير الأنبياء والصالحين
يقول تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) (الفاتحة:7،6). وفيه إشارة إلى أهمية معرفة سير الصالحين الذين أنعم الله عليهم، وأفضلهم – بعد الأنبياء عليهم السلام – الصحابة y.
إن قراءة السير الناصعة والمواقف السامية وسماع ذكرها يثير النفس ويشوقها ويشحنها بالطاقة لكي تتمثل ما تقرأه وتسير على هدى أصحابه وتقتدي بهم في سيرهم ومواقفهم. فهي طريقة نافعة مجربة من أنفع الطرق والوسائل لتحقيق التنمية الذاتية للإيمان
خذ مثلاً هذه القصص الرائعة: روى أنس بن مالك t أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لفلان نخلة وأنا أقيم حائطي بها، فأمُرْه أن يعطيني حتى أُقيم حائطي بها. فقال له النبي e: (أعطها إياه بنخلة في الجنة)، فأبى. فأتاه أبو الدحداح فقال: بِعْنِي نخلتك بحائطي (وكان به ستمئة نخلة)، ففعل. فأتى النبي e فقال: يا رسول الله إني قد ابتعت النخلة بحائطي، قال: فاجعلها له، فقد أعطيتكها. فقال رسول الله e: (كم مِن عِذق رداح لأبي الدحداح في الجنة)، قالها مراراً. قال: فأتى امرأته فقال: يا أم الدحداح اخرجي من الحائط فإني قد بعته بنخلة في الجنة. فقالت: ربح البيع، أو كلمة تشبهها([1]).
وفي سبب نزول قوله Y: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة:245) روي عن ابن عباس t أنه قال: نزلت الآية في أبي الدحداح قال: يا رسول الله! إن لي حديقتين فإن تصدقت بإحداهما فهل لي مثلاها في الجنة؟ قال: (نعم)، قال: وأم الدحداح معي؟ قال: (نعم)، قال: والصبية معي؟ قال: (نعم). فتصدق بأفضل حديقتيه، وكانت تسمى الجُنينة. قال: فرجع أبو الدحداح إلى أهله وكانوا في الحديقة التي تصدق بها، فقام على باب الحديقة، وذكر ذلك لامرأته. فقالت أم الدحداح: بارك الله لك فيما اشتريت. فخرجوا منها وسلموها. فكان النبي e يقول: (كم من نخلة رداح، تدلي عروقها في الجنة لأبي الدحداح).
وفي المقابل روى ابن عباس فقال: لما نزلت هذه الآية: (مَن ذا الَّذي يُقرِضُ اللهَ قَرضاً حَسَناً) قال يهودي بالمدينة يقال له فنحاص: احتاج رب محمد فهو يطلب القرض!
هكذا يكون القرآن نفسه هدى للمتقين وضلالاً للفاسقين!
ومن جميل ما يستشهد به هنا ما يرويه أبو بكر بن عياش قال: صليت المغرب خلف الفضيل بن عياض، وإلى جانبه ابنه علي، فقرأ الفضيل: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) (التكاثر:1)، حتى بلغ قول الله عز وجل: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) (التكاثر:6)، وبقي الفضيل لا يقدر أن يُجاوز الآية فركع.
وتأمل ذا المشهدَ المدهش: أتت الإمام الجنيد امرأة تشكو إليه إعراض زوجها عنها، وتعلقه بغيرها، فيعظها الجنيد ويصبرها وهي لا ترضى ولا تقتنع بما يقول. فلما ضجرت من وعظه وكلامه قالت له: ماذا تقول يا شيخ؟! والله لو كشفت لك عن وجهي، وتطلعت إلى جماله وبهائه لعجبت ممن يعرض عنه ويتطلع إلى سواه! فتغير وجه الجنيد من كلامها؛ وأطرق حتى أخذته الرُّحَضاء! فلما سئل عن سر تغيره وإطراقه أجاب: الناس يعجبون ممن يعرض عن جمال المخلوق! فكيف بمن يعرض عن جمال الخالق؟!!
وقيل: كان سبب توبة بشر بن الحارث الحافي أنه رأى في الطريق ورقة مكتوباً فيها اسم الله عز وجل قد وطئتها الأقدام فأخذها واشترى بدرهم كان معه طيباً فطيب بها الورقة وجعلها في شق حائط فرأى فيما يرى النائم كأن قائلاً يقول له: (يا بشر طيبت اسمي لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة).
قيل لأبي بكر المسكي: إنا نشم منك رائحة المسك مع الدوام فما سببه؟ فقال: والله لي سنين عديدة لم أستعمل المسك، ولكن سبب ذلك أن امرأة احتالت عليَّ حتى أدخلتني دارها وأغلقت دوني الأبواب وراودتني عن نفسي فتحيرت في أمري فضاقت بي الحيل، فقلت لها: إن لي حاجة إلى الطهارة فأمرت جارية لها أن تمضي بي إلى بيت الراحة، أي دورة المياه، ففعلت فلما دخلت بيت الراحة أخذت العذرة وألقيتها على جميع جسدي ثم رجعت إليها وأنا على تلك الحالة فلما رأتني دهشت ثم أمرت بإخراجي. فمضيت واغتسلت فلما كانت تلك الليلة رأيت في المنام قائلاً يقول: (فعلت ما لم يفعله أحد غيرك لأطيبن ريحك في الدنيا والآخرة) فأصبحت والمسك يفوح مني واستمر ذلك إلى الآن.
قال يعقوب بن جعفر بن سليمان غزوت مع المعتصم عمورية, وكان رجلٌ من الروم يقوم كلّ يوم على السور (أي سور عمورية) ويشتم النبيّ e بالعربيّة، باسمه ونسبه! فاشتدّ ذلك على المسلمين ولم يكن يصل إليه النُّشَّاب. قال يعقوب: وكنت أرمي رمياً جيّداً فاعتمدته بنشابة فأصبت نحره فهوى وكبَّر المسلمون. وسُرّ المعتصم وقال: عليّ بالذي رماه. فأُدخلت عليه فقال: من أنت؟ فانتسبت، فقال: الحمد للـه الذي جعل ثواب هذا السهم لرجل من أهلي، يعني من بني عبّاس. ثمّ قال: بِعني هذا الثواب؟ فقلت: يا أمير المؤمنين, ليس الثواب ممّا يُباع. فقال: إني أرغّبك, فأعطاني مئة ألف درهم. فقلت: ما أبيع ثوابي. فبلغها إلى خمس مئة ألف درهم. فقلت: لا أبيع ثوابي بالدنيا وما فيها، ولكن قد جعلت لك – أي وهبت لك نصف ثوابه – أي ثواب هذا السهم، واللـه يشهد عليّ بذلك. قال: جزاك اللـه خيراً قد رضيت. ثمّ قال: فأين تعلّمت الرمي؟ قلت: بالبصرة في داري. فقال: بعنيها. فقلت: هي وقفٌ على من يتعلَّم الرمي. فوصلني بمائة ألف درهم.
هذه المواقف والقصص والسير تلين القلب وترقق العين، فتشتاق الروح للاقتداء، وتعمل النفس مراجعات داخلية، وتتحرك فيها مقارنات بينية، ويقول المرء: ما الذي يمنعني من أن أكون كهذا في عفته، وذاك في عبادته، وفلان في جهاده، وهكذا، وهكذا تزكو النفوس وتسمو الأرواح، وتنصقل القلوب، ويتشرب الإيمان كيان الإنسان، وتنشط الجوارح للعمل.
ولنا في قصص الصالحين لعِبرة
روي أن امرأة جميلة كانت بمكة، وكان لها زوج. فنظرت يوماً إلى وجهها في المرآة فأعجبت بجمالها، فقالت لزوجها: أترى يرى أحد هذا الوجه لا يفتتن به؟! قال: نعم. قالت: من؟ قال: عبيد بن عمير. قالت: فأذن لي فيه فلأفتننه! قال: قد أذنت لك! فأتته كالمستفتية، فخلا معها في ناحية من المسجد، فأسفرت عن وجهها، فكأنها أسفرت عن مثل فلقة القمر. فقال لها: يا أمة الله! فقالت: إني قد فتنت بك، فانظر في أمري. قال: إني سائلك عن شيء فإن صدقت، نظرت في أمرك. قالت: لا تسألني عن شيء إلا صدقتك. قال: أخبريني لو أن ملك الموت أتاك يقبض روحك أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت. قال: فلو أدخلت في قبرك، فأجلست للمساءلة أكان يسرك أني قد قضيت لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت. قال: فلو أن الناس أُعطوا كتبهم لا تدرين تأخذين كتابك بيمينك أم بشمالك، أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت. قال: فلو أردت المرور على الصراط، ولا تدرين تنجين أم لا تنجين، أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت. قال: فلو جيء بالموازين، وجيء بك لا تدرين تخفين أم تثقلين، أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة ؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت. قال: فلو وقفت بين يدي الله للمساءلة أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت. ثم قال لها: اتق الله يا أمة الله؛ فقد أنعم الله عليك، وأحسن إليك.
فرجعت إلى زوجها، فقال لها: ما صنعت؟ فقالت له: أنت بطال، ونحن بطالون. ثم أقبلت على الصلاة، والصوم، والعبادة. فكان زوجها يقول: ما لي ولعبيد بن عمير أفسد عليَّ زوجتي كانت كل ليلة عروساً، فصيرها راهبة.
وهكذا نُفَعِّل الفقرة الثالثة من فقرات (التنمية اإيمانية) “فنجعل من مجالسنا (مجالس موعظة وذكر)، كما هي مجالس يقظة وفكر سواء بسواء، بحيث لا ينفصل هذا عن ذاك. ونحدز من الانزلاق شيئاً فشيئاً إلى الانشغال بالتفكير والحركة الخارجية في رحاب الأفق، على حساب الخشوع والحركة الداخلية في خبايا النفس”.
[1] – رواه الإمام أحمد، وصححه الشيخ الألباني. وللقصة أصل في صحيح مسلم من حديث جَابِرِ بْنِ سَمُرَة رضي الله عنه قَال: صَلَّى رَسُولُ e عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحِ. وفيه: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : إِنَّ النَّبِيَّ e قَالَ: (كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُعَلَّقٍ أَوْ مُدَلًّى فِي الْجَنَّةِ لابْنِ الدَّحْدَاحِ). أَوْ قَالَ شُعْبَةُ: لأَبِي الدَّحْدَاحِ. والرداح: العظيم الثقيل.



إرسال تعليق