التجديد والإبداع

الكاتب: الدليميتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 

التجديد والإبداع

هذه خلاصات تجربة حياة.

لم أقرأها، أو أقتنص نصوصها من كتابوإن أضفت إليها قطوفاً من هنا وهناكإنما رأيتها مسطرة على قراطيس الكون. وتعلمت لغتها في ضجيج الواقع الذي يعج بحركة الحياة حلوة ومرة. فمن رحم المعاناة يولد الفكر.. وفي الميدان ينضج بالتجربة فيتحول إلى معرفة نابضة.

ألقيت بعضها في مسجد الإمام عثمان بن عفان t في ريف اللطيفية خريف 2003. موضوعها التجديد والإبداع ، وعلاقتهما بقضيتنا، وخدمة منهجنا. ومحاولة الاستفادة من هذا الموضوع الكبير من خلال ربطه العضوي بالواقع الذي نعيشه، أسميتها (محطات على طريق التجديد).

إن أحد العلل الكبرى التي أضرت بقضيتنا نحن سنة العراقالعرب منهم على وجه الخصوصهو الفكر القديم الذي يكرر نفسه دون قدرة على مواكبة التغيرات الحادثة على طول الطريق في مسيرة الحياة بكل مفاصلها، ما جعلنا مشلولين عن الحركة السديدة التي تخدم وجودنا، وتستخلص حقوقنا، وتحفظ كياننا من الذوبان أمام خصوم يريدون ابتلاع كل شيء على حساب وجودنا وحقوقنا وكياننا.

ثمة أجزاء تالفة في حاجة ماسّة إلى اجتثاث، إلى جانبها أجزاء جيدة تتطلب إدامة قبل أن يتسلل إليها التلف بالحث والتسرب والعدوى، وإلى جانب هذا وذاك لا بد من الإضافة وإعادة الخلط والتركيب.

والمجدد هدامٌ بناء: يهدم، لا لأجل الهدم؛ فذلك هو التخريب والفساد، وإنما لأجل البناء القائم بلبناته الصالحة، السالم من العناصر الفاسدة.

لا بد إذن من أن نمسك بفأس أبينا إبراهيم u، ونرفعها لنهوي بها على أصنام ذلك الفكر العقيم، كي نقيم محلها بناء قويماً من الفكر السليم، القادر على الرؤية التي تفرز الصالح لتبقيه من الفاسد لتعزله وتحرقه. وتضيف إلى ما تبقى ما تحتاجه عملية التغيير والتطوير من أفكار إبداعية خلاقة.

إن هذا لا يكون دون وجود القائد الذي يرصد حركة الحياة ويتعامل معها بطريقة استثنائية. وذلك هو المجدد المبدع. ولا مجدد حقيقياً دون قابلية على الإبداع، والإتيان بالجديد الذي يطور الفكر ويقفز به، ويحسن العمل، ويجود الأدوات، ويضاعف الطاقة، ويقلل الجهد، ويصل إلى الهدف من أقرب طريق، مع مراعاة الذوق والجمال، ليبقى التكامل بين الوظيفة والجمالية محفوظاً قابلاً للمزيد.

ولا أقصد بالقائد، الواحد الفرد؛ فذلك هو الصنم، وإن كان في نهاية المطاف سيكون على رأس القائمة واحد هو القائد الأعلى، وإنما أقصد به مجموعة القادة الذين تتشكل منهم مؤسسة التغيير. علماً أنه لا ثمرة ترتجى من وراء العمل التجديدي المبدع ما لم ترتبط الجهود وتتناسق في منظومة أو مؤسسة منظمة تحرك أجزاء العمل كلها بتناغم موحد يذوب الجزء فيه بالكل، ويأخذ الكل بحركة الجزء ويفعِّلها ويتفاعل معها ويضاعف من فعاليتها نحو نهايتها المحددة سلفاً، المتوحدة بنهايات أجزاء المنظومة جميعاً.

التجديد القائم على الإبداع هو الإطار الذي يتحرك في فضائه (منهجنا)، والمسار (أو البرنامجالذي يسلكه للوصول إلى الهدف المنشود. بل هو الروح التي بدونها سيموت كل شيء، وتمسي المؤسسة مجرد هياكل وإدارات وموظفين ينتظرون مصيرهم كأي شيء زائد في الحياة.

ما هو التجديد؟ وما هو الإبداع؟ وكيف يختلط أثرهما في النسغ الصاعد في جذع القضية؛ وصولاً إلى تخليق أطيب الثمار وأحلها وأحلاها، منطلقين من الشرع وإليه ونحن نرود مسافات.. ونتوغل في مساحات.. ونتغلغل في زوايا قد لا تكون مكتشفة حتى الآن، ولا ينبغي أن تظل مطمورة تحت أتربة المنهجية القديمة والأفكار السقيمة.. هو موضوع هذه الورقات، أضعه بين أيديكم مؤكداً على أنه من دون إبداع وقدرة على التجدد وتقمص روح التجديد واستمراريته لا يمكن أن نحدث الأثر المطلوب، ونحقق الهدف المنشود. أرجو أن أسد به ثغرة، وأضع لبنة في بناء القضية العظيم.

أَهَمِّيةُ مَوضُوعِ التَّجدِيد

إن الأسباب التي دفعتني للاهتمام بموضوع (التجديد) متعددة ومتنوعة، سيجدها القارئ في ثنايا الكتاب. ولكن أود التنويه من بينها بسببين بالغَي الأهمية والخطورة، حملاني على إدخاله في موضوعات المنهج، وهما:

  1. قانون طول الأمد: هوفي رأييأحد قوانين الاجتماع الخطيرة. يتمثل بوجود جماعات ومؤسسات كان لها حضور حيوي وتأثير إيجابي لا ينكر، ثم أصيبت من بعدُ بالجمود وضعفت قابليتها على التجدد فترهلت وتضخمت ثم خمدت وهمدت، وأمست عقبات وأحجاراً يعثر بها السائرون على الطريق.

هذا أمر مقلق لكل صاحب قضية يؤسس لمنظومة تحملها ويخشى أن يصيبها ما أصاب مثيلاتها من قبل. فلم أرَ كالتجديدإذا فهم على وجهه، ثم حوِّل إلى قصدهشيئاً يمكن أن يزود المؤسسة بالقدرة الذاتية على الاستمرار بالعطاء المتجدد فكراً وعملاً، ويمنحها القابلية المتطورة على التعامل مع المتغيرات الحادثة على طول الخط، والحيلولة بينها وبين تحولهاعاجلاً أم آجلاًإلى مجرد إدارة تؤدي أعمالاً وظيفية نمطية مكررة. أي إلى هيكل قائم لا روح فيه، كما هو شأن تلك المؤسسات الخاملة التي جمدت فترهلت فتحولت إلى عبء زائد على كاهل الحياة. والله تعالى أمرنا أن نأخذ العبرة ممن سبقنا حتى لا يصيبنا ما أصابهم فقال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد:16). ثم قال بعدها، نافخاً الروح في النفوس، ونافحاً الأمل في القلوب، وباعثاً الهمم في الرمم: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الحديد:17).

  1. ظاهرة (الصنمية): وبروزها في المؤسسات المترهلة، بدءاً بالصنم الكبير ونزولاً إلى أصغر وثن فيها. وهي ظاهرة متفشية في تلك المؤسسات. بل سبب جوهري من أسباب جمودها وفسادها. وذلك أمر مقلق أيضاً يدعو إلى البحث عن جذور هذه العلة وبقية العلل الجمعية الشائعة في المجتمعات الاضطهاديةومنها مجتمعنا العراقيللمسارعة في علاجها قبل أن تؤدي في النهاية إلى وجود وبروز تلك الظاهرة التي تمثل الخطر الأكبر على كيان المؤسسة والأهداف العظيمة التي أنشئت لأجلها، والغايات السامية التي تتطلع لبلوغها.

التجديد وفقهه، ثم تحويله إلى جزء لا يتجزأ من كيان المؤسسة: في نظامها المكتوب، وبرنامجها المعمول، وفي مقدمة ذلك أمران:

  1. فهم الدوافع النفسية الفردية والجمعية التي تصنع الصنمية
  2. ومبدأ (الشورى التشاركية)

هو الذي يمنع بروز ظاهرة الصنمية، ويمنح المؤسسة القابلية على التجدد وترميم الذات والقدرة على المطاولة في الاستثمار المنتج المتطور المواكب للتغيرات المتجددة كإحدى سنن الاجتماع غير القابلة  للتبديل والتحويل.


التَجدِيدُ فِي الإسلام

التجديد سنة كونية وفريضة شرعية

التجديد سنة كونية وفريضة شرعية. فلقد أقام الله عز وجل هذا الكون على سنة التجدد المستمر بحيث كلما وصل الأمر إلى نهايته أعاده جل وعلا إلى بدايته. ومصداقه هذه الآية وأمثالها: (اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (الروم:11). وظاهرة إعادة الشيء إلى ما بُدئ به أول مرة في الكون، هو التجديد عينه في الشرع. وقد ورد ذلك في هذا الموضع (الروم:11) شاهداً على نشوء الدول وفنائها. وأن ذلك يحدث ضمن دورة كونية كدورة الليل والنهار التي تستحق التسبيح والتحميد مساء وصبحاً وعشياً وظهراً. ودورة إخراج الحي من الميت والميت من الحي. ودورة أو ظاهرة الحياة والموت بدءاً بالخلق ثم الموت ثم إعادة الحياة. لافتاً النظر إلى التخليق من التراب ثم العودة إليه، وهي شبيهة بتخليق النبات في دورة لا تنتهي حتى تعود. ذكر جل وعلا هذا متخللاً الآيات (17-26) مختومة بما بدئت به، وهو قوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الروم:27).

ومن شواهد هذه السُّنّة الكونية: (دورة الماء في الطبيعة)؛ إذ يبدأ من البحر بخاراً بفعل حرارة الشمس، ثم يتكاثف في الجو سحاباً تحمله الرياح لينعقد مطراً يصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء. ومنه ما يكون ثلوجاً في قلل الجبال تذوب أنهاراً وتُسلك ينابيع في الأرض حتى تعود كلها إلى البحر مرة أُخرى وهكذا أبد الدهر حتى يأذن الله تعالى بزوال الأرض وما فيها. تلك الظاهرة التي أشار إليها جل وعلا في سورة (الروم) نفسها منصصاً ومعقباً فقال: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الروم:48-50).

على أن ثمة فرقاً جوهرياً بين سنة الله في ظواهر الكون، وسنته في ظاهرة نشوء الدول وفنائها. ذلك أن الأولى تكون ضمن قوانين نافذة خارج نطاق قدرة الخلق، على العكس من الثانية. التي جعلها الله تابعة لإرادة البشر: فإن أحسنوا سلموا، وإن أساءوا هلكوا. فقال جل وعلا وفي السورة نفسها: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ* قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ * مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) (الروم:41-45).

حديث التجديد في ( سنن أبي داود ) : متناً وسنداً 

روى أبو داود في (سننه) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة عام من يجدد لها دينها). والحديثوإن صححه بعض العلماء وضعفه آخرونيذكر ظاهرة التجديد صراحة. وهو خبر يراد به الأمر. ففيه حث للأمة على ممارسة التجديد، وإلا تعرضت للأدواء ودهتها عوادي الفناء.

قال أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في (عون المعبود لشرح سنن أبي داود): قال المناوي في فتح القدير: أخرجه أبو داود في الملاحم والحاكم في الفتن وصححه، والبيهقي في كتاب المعرفة.. كلهم عن أبي هريرة. قال الزين العراقي وغيره: سنده صحيح. وقال أيضاً: ( فِيمَا أَعْلَم ) الظَّاهِر أَنَّ قَائِله أَبُو عَلْقَمَة يَقُول فِي عِلْمِي أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيث مَرْفُوعًا لَا مَوْقُوفًا عَلَيْهِقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: الرَّاوِي لَمْ يَجْزِم بِرَفْعِهِ. اِنْتَهَى. قُلْت: نَعَمْ لَكِنْ مِثْل ذَلِكَ لَا يُقَال مِنْ قِبَل الرَّأْي، إِنَّمَا هُوَ مِنْ شَأْن النُّبُوَّة، فَتَعَيَّنَ كَوْنه مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيّ e. إهـ قول المناوي([1]).

وقال الدكتور عداب الحمش (المهدي المنتظر/296) بعد بحث مطول في الحديث سنداً ومتناً: لكل ما سبق أقرر مطمئناً أن الحديث ضعيف الإسناد منكر المتن. إهـ.

على أن متن الحديث من حيث المدة التي تستدعي التجديد (مئة عام)، لا يتطابق مع الواقع، ولا الأصل اللغوي للفظ (القرن). ويستحيل أن يناقض خبر الرب قدره. وللخروج من الإشكال فإني أرى أن الحديث روي بالمعنى. فحتى يصح واقعاً لا بد أن يكون أصل النص الحديثي (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها دينها)، وليس (على رأس كل مئة عام). لكن أحد الرواة تصرف فيه فرواه بالمعنى على اعتبار أن القرن مئة عام، فبدل أن يقول (قرن) قال: (مئة عام) على الشائع من معنى كلمة (القرن). لكن هذا معنى واحد من معانيه. وهو معنى اصطلاحي لم يكن معروفاً في أصل اللغة والله أعلم.

فمن معاني القرن الجيل من الناس، ولم يرد في القرآن الكريم سوى هذا المعنى رغم أنه تكرر خمس مرات، كقوله جل وعلا: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) (الأنعام:6).

وهذا هو الأوفق للواقع؛ إذ إن لكل جيل عوائده وظروفه وتحدياته التي تفرض عليه ما يناسبها من أنواع العمل والاستجابة؛ فيقتضي ذلك عند نهاية كل جيل ورأس الجيل الذي يليه أنواعاً أُخرى من الأعمال والاستجابات. وهذا هو التجديد المقصود. وهو ما يقتضي أن يرد نص الحديث بلفظ (القرن) أي الجيل من الناس؛ فهذا هو الموافق لعوائد الخلق وواقع الأمر، وليس بلفظ (مئة عام)؛ فهذا مخالف لسنن الاجتماع؛ فالأمة التي تبقى جامدة على ما هي عليه مئة عام أمة خاملة خامدة لا تصلح لقيادة الحياة. ونحن من خلال فهمنا للأقدار وعلاقتها بالأسباب نرى الترابط الموضوعي بين السنة الكونية والفريضة الشرعية. على الأمة إذن أن تمارس عملية التجديد مع كل جيل حتى لا تجمد فتخمد فتفنى.

والحديثبصرف النظر عن صحته من ضعفهيذكر ظاهرة التجديد صراحة. وقد جاء النص بصيغة خبر يراد به الأمر كقوله جل وعلا: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) (الشمس:9). وهو أمر بتزكية النفس جاء بصيغة الخبر. فيكون في الحديث حث للأمة على ممارسة التجديد، وإلا تعرضت للأدواء ودهتها عوادي الفناء

فمن معاني القرن الجيل من الناس، ولم يرد في القرآن الكريم سوى هذا المعنى رغم أنه تكرر خمس مرات، منها قوله جل وعلا: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) (الأنعام:6). فالهلاك إنما يقع على مجموع الجيل الواحد المقارن بعضه لبعض في المكان والزمان. واللفظ مأخوذ من الاقتران أي المصاحبة والمعاصرة. ومنه قول الشاعر:

إذا ما مضى القَرْنُ الذي أَنتَ فيهمُ    وخُلِّفْتَ في قَرْنٍ، فأَنتَ غَرِيبُ

وقال ابن منظور في (لسان العرب) ما حاصله: والقَرْنُ من الناس: أَهلُ زمان واحد. وذكر اختلاف العلماء في تقدير مدته. قال الأَزهري: وإنما اشتقاق القَرْن من الاقْتِران، فتأَويله أَن القَرْنَ الذين كانوا مُقْتَرِنين في ذلك الوقت والذين يأْتون من بعدهم ذوو اقْتِرانٍ آخر. إهـ.

[1]هذا القول: “مِثْل ذَلِكَ لَا يُقَال مِنْ قِبَل الرَّأْي، إِنَّمَا هُوَ مِنْ شَأْن النُّبُوَّة، فَتَعَيَّنَ كَوْنه مَرْفُوعًا، في رفع الحديث الموقوف يمثل أحد القواعد الخطيرة في تصحيح الأحاديث الضعيفة؛ لأنها غير محكمة، تصيب وتخطئ، وتخضع لمزاج القائل وقناعته.


لمتابعة القراءة أنقر هنا




شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

6521740849391641416

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث