علوم أساسية - علم التاريخ

الكاتب: الدليميتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

علوم أساسية - علم التاريخ

3. علم التاريخ


أهمية التاريخ .. ولماذا جعلناه جزءاً من منهجنا

من عرف الجذور سهل عليه قراءة ما فوقَ الأرض. فإذا أردت أن تعرف أي أمة أو طائفة، اقرأ عقيدتها، وقلب صفحات تاريخها. أما واقعها فيكفيك منه الإشارات. ولكن علتنا في جمهور لا يقرأ، و.. محمور لا يتعلم إلا بالنخس!

والنظر في التأريخ عبادة أمرنا بها في كتاب الله عز وجل في آيات عديدة وجهتنا إلى السير في الأرض والنظر في سير الأقدمين لأخذ العبرة. والقرآن الكريم نفسه قص علينا طرفاً من قصص الماضين وتأريخهم، الصالحين منهم والطالحين. وذلك كله متضمن في قوله تعالى: (اهدِنا الصراطَ المستقيمَ * صراطَ الّذينَ أنعمْتَ عَلَيهِمْ * غيرِ المغضوبِ عليهِمْ وَلا الضّالِّينَ) (الفاتحة:5-7). فمعرفة منهج المهتدين، ومنهج التائهين مرتبطفي جانب منهبمعرفة أخبارهم وأخلاقهم. وهذا هو التأريخ.

للتاريخ فوائد جمة إليكم أهمها:

  1. معرفة من نحن

التاريخ هو ذاكرة الأمة بأبعادها العرقية والثقافية المتعددة، وفي مقدمتهابالنسبة لنا نحن سنةَ العراقيأتي البعد العراقي والعربي والإسلامي. كما أنه يمثل أحد المكونات المهمة للجذر الذي تفرعنا عنه، والنسغ الحضاري الذي تغذينا منه وربونا عليه. وبهذا نعرف من نحن بكل الأبعاد التعريفية. ونعرف ما لنا وما علينا، بعيداً عن التهويل في الحالتين. وتكتمل الصورة عندما نعرف الناس الذين حولنا من الأمم الأُخرى.

  1. معرفة خصائص الشعوب

التاريخ أحد المِجسات التي تختصر علينا الجهدبالتساند مع مِجسات أُخرىفي معرفة الشعوب: عدوها من صديقها، كيف تفكر؟ وإلى مَ تسعى؟ وما هي محركات سياستها؟ فكثير من صفات الشعوب وخصائصها، وميولها وطرائق تفكيرها، وغاياتها وأهدافها، تستنسخ فيهاإذا استثنينا بعض المظاهر والمتغيرات الجزئيةجيلاً فجيلاً في عملية جمعية متكررة. فكأن الجيل الماثل من أي مجتمع حاضر هو نفسه ذلك الجيل الغابر.

  1. استشراف المستقبل

إن الأحداث نفسها تكرر نفسها. وكأنني أنظر إلى صفات الشعوب وخصائصها روحاً أزلية تسري في جسد الأحداث فتبعثها وتجسدها وتجددها. بقراءة تاريخ الشعوب نعرف كيف تفكر؟ وإلى مَ تسعى؟ وما هي المحركات الخفية لها في تصرفاتها وسياساتها؟ إن كثيراً من صفات الشعوب وطبائعها وخصائصها، وثقافاتها وعاداتها، وميولها وطرائق تفكيرها، وغاياتها وأهدافها، تستنسخ فيها جيلاً عن جيل في عملية جمعية متكررة، إذا استثنينا بعض المظاهر والمتغيرات الجزئية. فكأن الجيل الماثل هو نفسه ذلك الجيل الغابر. فعندما نقرأ التاريخ نستطيع توقع ما يبغيه الشعب الفلاني بنا: خيراً أو شراً، وبهذا نتمكن من استشراف واستثمار كثير من الفرص لصالحنا، كما نتمكن من استشراف وتجنب كثير من الأخطار قبل أن تقترب منا أو تحدق بنا. بتعبير آخر نعرف كيفية التعامل مع الشعوب والأمم. ولو أتقنا ذلك جيداً ما أعاد التاريخ علينا دورته في كل مرة، حتى قال بعضهم: (الشيء الوحيد الذي استفدته من التاريخ أننا لا نستفيد منه ولذلك يعيد التاريخ علينا نفسه)!

انظر كيف يُذَكِّر القرآن العظيم، اليهود الذين عاصروا التنزيل بأعمال أسلافهم الغابرين، بأسلوب، لولا الفارق الزمني لقلنا: إن الجيل المعاصرلا الجيل الغابرهو الذي ارتكبها! خذ مثلاً قولَه تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (البقرة:55). وهذا مثال واحد من كثير!

وأياً ما كان الأمر فقد أشار القرآن العظيم في سورة (الفاتحة) إلى قراءة التاريخ، ودعا إلى السيْر على طريق المهتدين وتجنب طرق المغضوب عليهم والضالين، وهذا لا يتم إلا بمعرفة سيَر وتاريخ هذه الأصناف الثلاثة. فكان تفصيل هذا الإجمال في سورة (البقرة) وغيرها من سور القرآن الكريم، التي قصت علينا تواريخ الأقوام السالفة بأصنافها الثلاثة المذكورة آنفاً.

من ذلك قوله تبارك وتعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (آل عمران:137). وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ) (يوسف:109).

إعادة كتابة التاريخ على أساس الهوية

استجاب علماء الإسلام لهذا التوجيه الرباني فاهتموا بتدوين التاريخ، وتركوا لنا ثروة كبيرة منه. لكنها في حاجة إلى تأصيل وتدقيق وتحقيق، على أسس علمية سليمة خاصة بالتاريخ، تتجاوز آلية (روى) إلى منهجية (رأى). وهذا يستلزم نفض كل ما تركه الأقدمون من تراث تاريخي من أجل تنقيته وتنميته وإضافة ما فاتهم من تأسيسات وتقنيات، أهمها اعتماد الآثار كعنصر أصيل من عناصر كتابة التاريخ.

توجد صيحات وجهود لتصحيح التاريخ أو إعادة كتابته. ولكنها تعاني من عوق ذاتي يمنعها من أن يتحول جهدها النخبوي إلى ثقافة عامة. يتمثل ذلك العوق في كونها تعاني من ثلاث علل:

  1. الفردية: وأقصد بها غلبة الجهد الفردي وضعف الجهد المؤسسي الذي يولي ملف التاريخ حقه ومستحقه. إن الجهد الفرديمهما عظميبقى صيحات متقطعة يسمعها شتات من الناس هنا وهناك، سرعان ما تخبو وتتوقف قابليتها على التأثير قبل أن تحدث الأثر الجمعي الصانع للثقافة المجتمعية. والحل يكون بوجود مؤسسة تصحيحية خاصة بالتاريخ تنبثق عن مؤسسة أكبر: دولة أم غيرها، تديم حركتها وتوجه مسارها وتنميها وترعاها.
  2. النخبوية: وأقصد بها بقاء العلم محصوراً في إطار النخب المتخصصة. لقد وجدت جهود رعتها مؤسسات مثل الدولة، وهذا أمر كبير لا يستهان به. لكنها افتقرت إلى شيئين: الأول: اللغة السهلة التي تكون في متناول فهم الجمهور. وهي خطوة ضرورية لإخراج العلم من قوقعة التداول الحصري بين العلماء، وإيصاله إلى عامة الناس، ودون ذلك لا يمكن صناعة رأي وثقافة عامة. والثاني: الوسائل التي توصل تلك الجهود إلى الجمهور، مثل الإعلام والتأليف والتمثيل والفن والندوات الشعبية واللقاءات المباشرة وغيرها من الوسائل والقنوات الواصلة بين النخبة والجمهور.
  3. الهلامية: أي غياب الهوية الصائبة. لقد كشف الواقع عن عجز الهويات التي سادت في المئوية السابقة عن تحصين الجمهور المسلم ضد الخطر الشرقي.. والغربي أيضاً.

فالهوية (القومية) تجلب الخطر الشيعي إلى عمق المجتمع؛ لأن أصحابها ينظرون إلى المشكلة من تلك الزاوية فقط. فما دام الشيعي من القومية نفسها فلا مشكلة.

والهوية (الإسلامية) كالهوية القومية في نظرتها إلى الشيعة. وتزيد عليها في نظرتها المضرة بنا تجاه إيران. فهي أخطر من الهوية القومية.

والهوية (الليبرالية) لا تتحسس الخطر الفارسي ولا الخطر الشيعي. إنما تنظر إلى الصراع المحتدم في المنطقة منذ آلاف السنين على أنه صراع بين متطرفين من الطرفين، يفتقرون إلى التوعية والتعليم والتثقيف لتنحل المشكلة. ولا تستوعب أن الصراع في حقيقته صراع حضاري بين الفرس ضد العرب، والمجوسية ضد الإسلام، والشيعة ضد السنة. والصراع الحضاريخصوصاً إذا كان الفرس أحد طرفيههو أعمق أنواع الصراع. هذا هو التشخيص الصائب. ولا علاج ناجعاً دون تشخيص صائب.

الهوية (السنية) هي الهوية الجامعة لكل عناصر الخير في الهويات الفاعلة، والنافية لكل عناصر الشر التي تعاني منها.

مجمل القول: نحن في حاجة إلى مشروع بهوية صائبة في مؤسسة فاعلة؛ لكي يستمر التصحيح في مساره السليم ولا يتوقف حتى يبلغ مداه المرسوم.

هذه مجرد إشارات تتعلق بالتاريخ وما نريده منه؛ فإن كتاباً منهجياً لا يحتمل أكثر من ذلك. محيلاً كلمتنا التي نريد قولها إلى كتابنا (هكذا نقرأ التاريخ .. وهكذا نكتبه)؛ ففيه ما يكفي ويشفي بإذن الله.

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

6521740849391641416

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث