موقفنا من العروبة ومن القوميات الأخرى في العراق
مَوقفُنا منَ العُرُوبَة
لماذا الاهتمام بالعروبة
في بداية التعريف بالمشروع قلنا: إن العروبة أحد عناصر المشروع؛ وعللنا ذلك بما يلي:
- لأن العربية عربية لسان وثقافة، لا عربية عرق ونسب؛ فمن تكلم العربية فهو عربي، ومن تغير لسانه فإلى لسانه ينسَب. وإلا فكل الناس عرقياً: انحدروا من أبٍ واحد: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا). وإنسانياً متساوون عند خط الشروع، والتفاضل يقوم على أساس العمل والتقوى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13).
- ولأننا عرب؛ ومن حق أي إنسان أن يهتم بأصله وجذره ومنحدره.
- ولأن الله تعالى اختار العرب لحمل رسالته إلى الأمم.
- ومن هنا كان كره العرب من النفاق، وحبهم العرب من الإيمان.
- ولأن عدونا الأول يعادينا كعرب، لا كمسلمين فقط. فمن طبيعة الفرس إلا القليل، وخلافاً لكل الشعوب المسلمة، أنهم يكرهون العرب كما يكرهون الإسلام والمسلمين، ويطعنون فيهم جميعاً. فالفرس لا يعادوننا لإسلامنا فحسب، ولكن لأننا عرب أيضاً. فإدخال العروبة في معادلة الصراع ضرورة لكي يعتدل ميزان القوى المتصارعة المختل في غياب هذا العنصر الفعال.
- ولأن العراق مهدد في هويته وانتمائه العربي.
- ولأننا في حاجة إلى بيان أن عروبتنا ليست عرقية عنصرية، بل تقوم على أساس أن الناس سواسية في أصل الخلقة، وفي نقطة الشروع. وعلى أساس أن من أحب العرب فهو منهم روحاً ووشيجة، فهو بهذا المعنى عربي. بل المجال أمامه مفتوح لأن يكون خيراً من عربي دونه في مقياس التقوى والعمل. كما توضحه الفقرة الأولى بآيتها الكريمة. واعتبار غير العربي بالمعنى الذي ذكرناه ليس لأجل الاستحواذ والتكثر، بل الحب والتقرب. وفي الفقرة التالية زيادة بيان.
آن الأوان لكي نتخلص من ردود الفعل السلبية ضد من تطرف في تبني القومية فجعل العروبة بديلاً عن الإسلام، فكان الرد أن أخرجت العروبة من ساحة الصراع. وإذا كان الإسلام هو الروح وهو الأصل والأساس، فلا يضيره – بل يشده ويقويه – أن تأخذ العروبة موقعها في سلم الخطاب دون إفراط أو تفريط.
منشأ العروبة
نظرتنا للعروبة ذات منطلق إنساني يقوم على:
- الفطرة. أي الطبيعة التي خلق الإنسان عليها؛ فكل إنسان يحب أسرته، ثم أقاربه، ثم تتسلسل الحلقات حتى تصل به إلى قومه. ومن حب القوم جاءت كلمة (القومية). ولهذا فإن حب المرء أسرته وشعوره بالانتماء إليها أكثر من بقية الأُسر شيء يأتي في سياقه الطبيعي. كذا حبه لقومه. بشرط أن لا يخرجه حبه من حق، ولا يدخله في باطل. ولا يتعالى بهم على غيرهم. فالتعالي علامة عِلَلِيّة لا تليق بالأصحاء الأسوياء.
- الدين. فقد ثبت في النص الرياني أن الوجود البشري بدأ بزوجين: رجل وامرأة. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13). وأن هذين الزوجين هما آدم وحواء. وثمت ما يدل في النصوص القرآنية على أن مهبط أبوينا كان بمكة عند بيت الله المحرم: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران:96،97). ومن هنا انطلقت مسيرة البشرية.
وهذا لا يمنع أن يكون قد سكن الأرض قبل أبينا آدم u بدهور متطاولة فصيل من البشر. بل في النص الديني ما يفهم منه أن هذا الفصيل أفسد في الأرض فكان مصيره الهلاك. وإليه الإشارة بقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة:30). يترجح عندي أن وصف الملكئة لساكن الأرض القادم آنذاك بالفساد وسفك الدماء متأتٍّ من تجربة سابقة. وحين نذهب إلى نص آخر في القرآن يتعلق ببدء الخليقة يبدو لنا أن ثمت فرقاً بين ذلك الفصيل وبين آدم، هو وجود الروح عند الأخير دون الأول: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (الحجر:28،29).
وتذكر الآيات أن أول من شمخ بأنفه على غيره بسبب عرقه (قوميته) هو إبليس؛ لقد منعه اختلاف العنصر الذي تحدر منه أن يسجد لآدم رغم الأمر الإلهي: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) لماذا؟ (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (الحجر:30-33). وجاء في نص آخر: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (ص:75،76).
- الآثار والدراسات التاريخية واللغوية والبحوث العلمية الجينية: تُجمع الدراسات القائمة على البحث العلمي والوثائق الآثارية (الآركيولوجية) مدعمة بعلم (الميقاتية = الكورونولوجيا)([1]) أن بداية الإنسان الحديث ومنشأ الحضارة كان من الجزيرة العربية([2]). وهو يؤيد ما جاء في القرآن من أن البداية كانت بمكة (أو بكة كما كانت تسمى من قبل)، وأن لغة البشر أصلها واحد، ثم تفرقت الألسن وتغيرت بعد أن خرج الإنسان من الجزيرة وابتعد عن منبته الأول شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً. وإلى ذلك أشار كتاب الله: (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) (البقرة:31). وذلك يكشف عن السر الذي لأجله نجد أي لغة معاصرة من لغات العالم، أكثر من نصف مفرداتها ذات جذور عربية. إلا الفارسية فإن 90% من مفرداتها ذات جذور أو أصول عربية([3]). والغرب لا ينكر أن الأبجدية هي من ابتكار العقل العربي. وليس أمامه سوى الاعتراف بالحقيقة؛ فما زالت بصمات الأبجدية العربية حاضرة مطبوعة على أبجديات لغاتهم. فالأبجدية الإنكليزية تبدأ بكلمة (ABCD = أبجد). مع ملاحظة أن حرف الجيم (ج) في العربية القديمة قد اختفى في اللاتينية، واستعيض عنه بالحرف (c). كما كتبوا اسم الجمل: (Camel) فوضعوا حرف (C) بدل الجيم . وفيها (KLMN = كلمن) و(QRST = قرشت).
وما زالت كلمات مثل (ألفا = ALFA) (بيتا = BETA) (جاما = GAMA) شائعة في كتبهم العلمية، ومنها أشعة جاما في الطب. وهي أسماء عربية لأحرف عربية.
اللغة العربية هي أصل جميع لغات العالم، ومنها اشتقت بقية اللغات في آسيا وأوربا وإفريقيا وغيرها؛ لإن جزيرة العرب موطن الإنسان الأول الحديث متمثلاً في آدم u.
العروبة إذن عروبة لغة أو لسان. أما عرق البشرية فواحد. فمن بقي على اللسان العربي بقي اسمه، المشتق من لغته، كما هو عربياً. ومن تغير نطقه لأصل لغته تغير اسمه، ونسي أصله إلى حد أن الناس ما عادوا يعرفون حقيقة انحدارهم ومعنى اختلافهم القومي، لا يدركون نقطة الربط بين الاسم المتعدد والأصل الواحد. وهذا شيء طبيعي؛ فكثير من العشائر اليوم نراها تختلف في تحديد الجذم القبلي الذي تحدرت منه.
العربي إذن إنما سمي عربياً نسبةً إلى لسانه ولغته، وليس العكس، أي: لم تكتسب لغته اسمها العربي نسبة إلى عرقه. وكذلك القرآن الكريم، وصف بأنه عربي – كما في قوله تعالى وغيره: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف:2) – نسبة إلى اللسان العربي لا نسبةً إلى العرق. فالعروبة لسان، أما الأصل، أصل البشر و(عشيرتهم) فواحدة([4]).
علينا إذن أن نتذكر دوماً أن القومية في أصلها قومية لغة ونطق، لا قومية جنس وعرق. وحين تكون العروبة عروبة نطق لا عروبة عرق، وتفهم الشعوب هذا التوجه في الفهم ومدى عمق أثره في تشكيل ذهنية الإنسان ونفسيته تنحل كثير من العقد. وتستشعر البشرية أنها من عائلة واحدة. وبهذا يرتقي مفهوم القومية، أيِّ قومية، من مستواه العرقي العادي إلى مستواه الإنساني السامي.
الإسلام هو الإطار الحاكم
ولزيادة الأمر توضيحاً، وبعداً عن الإشكالات أقول: الإسلام هو الإطار الذي يحتوي ويحكم كل المبادئ التي نؤمن بها؛ وبهذا نفترق عن (القوميين) الذين جعلوا العروبة هي الإطار الحاكم، وأبعدوا الدين عن موقعه المرجعي الأعلى من المعادلة. كما أننا نفهم أن من حق كل إنسان أن يعتز بقوميته ويصل أبناء أمته ويحبهم أكثر من غيرهم؛ فتلك هي الفطرة التي فطر الناس عليها. وذلك هو حقه بحكم تلك الفطرة، بل الواجب عليه، ما لم يخرجه ذلك إلى تعصب، أو بغي على الآخرين. فمن حق الكردي أن يدافع عن قومه وكرديته، ومن حق التركي والفارسي، وحق كل الأمم والأوطان والشعوب.
أقوال بعض الأئمة
قال أحمد بن حنبل في (الرد على الجهمية والزنادقة): “ونعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها. ولا نقول بقول الشعوبية وأراذل الموالي الذين لا يحبون العرب ولا يقرون بفضلهم”.
وقال أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية: وسبب هذا الفضل – والله أعلم – ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم. وذلك أن الفضل إما بالعلم النافع، وإما بالعمل الصالح. والعلم له مبدأ، وهو: قوة العقل الذي هو الفهم والحفظ، وتمام وهو: قوة المنطق، الذي هو البيان والعبارة. والعرب هم أفهم من غيرهم. وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة. ولسانهم أتم الألسنة بياناً وتمييزاً للمعاني: جمعاً وفرقاً. يجمع المعاني الكثيرة في اللفظ القليل، إذا شاء المتكلم الجمع. ثم يميز بين كل شيئين مشتبهين بلفظ آخر مميز مختصر، كما تجده من لغتهم في جنس الحيوان. فهم – مثلاً – يعبرون عن القدر المشترك بين الحيوان بعبارات جامعة، ثم يميزون بين أنواعه في أسماء كل أمر من أموره: من الأصوات، والأولاد، والمساكن، والأطفال إلى غير ذلك من خصائص اللسان العربي، التي لا يستراب فيها. وأما العمل: فإن مبناه على الأخلاق وهي الغرائز المخلوقة في النفس. وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم، فهم أقرب للسخاء، والحلم، والشجاعة، والوفاء، وغير ذلك من الأخلاق المحمودة([5]).
الأسباب الموضوعية لتبني العروبة
لماذا تميز الإمام أحمد، والحنابلة عموماً بالتأكيد على العروبة؟ بسبب نشأة المذهب الحنبلي في العراق القريب من إيران، واحتكاكه الشديد بالشعوبية، وظهورها في زمان ومكان نشأته أكثر مما كانت عليه أيام أبي حنيفة. وهي الأسباب نفسها التي تدفعنا إلى تبني العروبة في موقعها المناسب من معادلة المشروع.
أضف إلى ذلك أن العراق يراد له أن ينسلخ عن هويته، ويفصل عن أمته، ويجرد من عروبته. وهناك عدو عنيد مكابر هو إيران، يناصب هذا القطر العداء على مر التواريخ والعصور، يريد أن يبتلعه بفارسيته، ويسحقه بشعوبيته، ويجتثه من جذوره، ويسلبه حقوقه في الهوية والانتماء. ثمت ظلم وخطر؛ فثمت قضية إذن.
وإيران تعتبر العراق جزءاً منها! تدفعها نفسية جمعية منحرفة، يغذيها إرث استعماري قديم قدم التاريخ. فهي كانت تغزوه دائماً، وتستوطنه ما قدرت على ذلك. وتقيم فيه المئات من السنين. كان آخرها قبل الفتح الإسلامي، وقد استمر إجمالاً ألفاً ومائة وخمساً وسبعين سنة (539 ق.م – 636 ب. م). وما من حضارة قامت في العراق إلا وكان تدميرها على يد شعوب إيران: وهذه هي المراكز الحضارية الستة في التاريخ التي قامت في العراق، وأماكنها وتاريخ تدميرها على يد إيران:
- أكد (2160 ق. م) وعاصمتها في المحمودية (جنوبي بغداد)
- وسومر (2006 ق. م) في المثنى (الجنوب)
- وآشور (612 ق. م) في نينوى (الشمال)
- وبابل (539 ق.م) في بابل (الوسط)
- والحضر (242 ب. م) في نينوى
- وبغداد (1258 ب.م ، و 2003 ب. م)
ومن إيران انطلقت الحركة الشعوبية ضد العرب، تتآمر في سبيل تشويه مآثرهم، وتحريف تاريخهم، والقضاء على ملكهم، وحضارتهم ودينهم. وشجعها الحكام الإيرانيون – وأولهم البويهيون – واحتضنوها، ودعموا دعاتها.
وظلت إيران تحن إلى سابق عهدها. تحلم بإعادة إمبراطوريتها وضم العراق إليها. وما الاحتلال البويهي الذي استمر قرناً ونيفاً إلا صورة من صور النزوع إلى ذلك الحلم. واحتل الصفويون بغداد مرتين.
إيران هي الدولة الوحيدة التي لم تعترف بالعراق عضواً في عصبة الأمم في عشرينيات القرن الماضي. وظلت مصرة على موقفها الغريب هذا حتى أجبرتها السياسة – وتداخلاتها مع بريطانيا – فتغير الموقف عام 1929. بينما كانت من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل دولةً مستقلة منذ عام 1951، أي بعد نشأتها بثلاث سنوات فقط.
وقد استغلت إيران بريطانيا وخوفها من روسيا آنذاك، فتآمرت معها، وقامت باحتلال قطر الأحواز عام 1925 في مقابل صد الخطر الروسي. والحكام الإيرانيون ما فتئوا يصرحون من قديم الزمان بالعراق جزء من إيران. ومرة بعد مرة يطيش رأس المسؤول الإيراني بذلك الحلم؛ فيأخذ بالهذيان، وتظهر النوايا على صفحات اللسان. حتى جاء الخميني صاحب (الجمهورية الإسلامية) ليعلن وزير خارجيته (صادق قطب زادة) أن العراق جزء من إيران. وبسبب هذه التصريحات، وما جرت على الحدود من تحرشات واعتداءات وقعت الحرب التي استمرت ثماني سنين.
ولا تخفي إيران اليوم حلمها في ضم دول الخليج والعراق! وقد ضمت غيره من قبل كالأحواز والجزر الإماراتية الثلاث، ومساحات شاسعة من أرض العراق الحدودية.
إن التحسس من العروبة لدى بعض (الإسلاميين) إنما هو من بقايا ردة الفعل من (القوميين) الذين جعلوا العروبة فوق كل اعتبار، حتى إن بعضهم اتخذها ديناً بديلاً عن الدين. أو مما تخلف عبر القرون من ترسبات الشعوبية.
لقد اشتطت (القومية) في القرن الماضي، فأدى هذا بـ(الإسلاميين) إلى أن ينتقدوها، أو يذموها، ويردوا على أهلها تطرفهم وتجاوزهم. ومنهم من اشتط وتطرف في رده وذمه. ولكن كل شيء موكول إلى ظرفه وملابساته وزمنه.
لقد انتهت تلك الموجة، أو انكسرت حدتها، وعادت نسبة معتبرة من (القوميين) إلى جادة الصواب والوسطية. واليوم قد جاء زمن آخر، وطغت موجة أخرى. إذ تضاءلت الدعوة القومية البديلة حتى خفت صوتها، ويكاد يختفى صداها. والقوى العالمية تريد تمزيق العرب، وما عادوا يتبنون تلك الدعوة في مقابل الإسلام. والفرس يطعنون في العرب والعروبة، وقد ابتلعوا الأحواز والجزر العربية وغيرها من ربوع العرب. ويطمحون اليوم لابتلاع العراق. فليس من الدين والعقل والسياسة والحكمة أن نظل نردد مقولات هي نتاج ظرف قد تغير، ومماحكات زمن قد ولى وانقضى.
[1]– الكرونولوجيا (Chronology) أو الميقاتية: علم يقوم على تحديد الحوادث وفقاً لتسلسل وقوعها، وتقسيم الزمن إلى فترات وتحديد التواريخ الدقيقة للأحداث، مثل نشأة الكون ونشأة الأرض ونشأة الحياة وتاريخ الإنسان والتاريخ الحديث.
[2]– مؤخراً (في 2016) قام فَريق من العُلماء في أوربا وأمريكا بقيادة الدُكتورة البريطانية (فرانشيسكا غانْديني عالمة في الوراثة والبيولوجيا الجزيئية والخلوية في جامعة هدرسفيلد Huddersfield بالمملكة المتحدة) بإنجاز بحث علمي يستَنِد إلى دِراسة سُلالة الحِمض النووي للميتوكوندريا النادِرة، وهي أكثر شيوعًا بشَكل فريد في شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي. أقروا فيه أن الجَزيرة العربية هِي مَوطِن الإنسان الأول. ومنها انتَشَر البشر إلى إفريقيا وأوروبا وآسيا. نشر البحث في المجلة العلمية:
Scientific Reports 6, article number: 25472; doi: 10.1038lsrep25472
انظر: سلسلة تدوينات لخالد آل كمال (@Khalid_Al_Kamal) ١٦ ديسمبر 2022.
[3]– للتوسع في الموضوع يمكن الرجوع إلى المصادر التالية: موسوعة البروفيسور عالم التاريخ واللغات السوري الدكتور أحمد داود الموسومة بـ(تاريخ سوريا الحضاري القديم) بستة مجلدات. قصة الحضارة، ويل جيمس ديورانت. معذرة كولومبوس لست أول من اكتشف أمريكا، هاينكه زودهوف. العصور القديمة، جيمس هنري بريستد. المَجَلة العِلمية العالمية “Scientists Reports.
[4]– يوغل د. أحمد داود أكثر في كشف حقيقة خطيرة غائبة عن الجمهور فيقول (تاريخ سوريا الحضاري القديم 1- (المركز)، ص63-64): (أما العربية الفينيقية فهي لغة اليونان وإيطاليا القديمة؛ إذ إن العرب السوريين هم أول من استوطنها وشاد فيها المدن ونقل إليها أسباب الحضارة. ويكفي شاهداً على عروبة هذه اللغة أن أباطرة روما من الفينيقيين مثل سبتيمو سفيرو، ومن السوريين مثل فيليب العربي أصروا على أن تكون كلمة (العربي) هي اللقب الذي كانوا يتخذونه لأنفسهم وهم على كرسي روما الإمبراطورية)! وقال في موضع آخر (تاريخ سوريا الحضاري القديم 1- (المركز)، ص674): ماذا يمكن أن يقول العربي إذن، الذي يجد في كل من الفارسية والهندية والتركية ثلاثة أرباعها من العربية القديمة أو الحديثة، وإن في اللغات الأوربية جميعاً من الكلام العربي القديم والحديث ما تزيد نسبته عن النصف؟ أما الإغريقية القديمة والإيطالية القديمة، فهي، في مجملها، العربية الفينيقية كما أثبتت جميع الدراسات الجادة والموضوعية اليوم.
ويقول (تاريخ سوريا الحضاري القديم – 2، ص533-540): إن جميع الدراسات الجادة لتاريخ الإغريق أثبتت – كما برهن العالم السوري المعاصر د. أحمد داود – أنهم جميعاً كانوا يتكلمون لغة واحدة هي السـريانية، وإن اختلفت لهجاتها. بل إن لغة التخاطب للشعوب التي يمتد تواجدها من حوض السند إلى المحيط الأطلسـي، ومن شواطئ البحر الأسود إلى شواطئ بحر العرب وإفريقيا إلى اليونان وإيطاليا هي السريانية. ولم يكن السوري قديماً وهو يتنقل بين هذه الأصقاع في حاجة إلى مترجم للتفاهم مع سكانها. لقد كانت السريانية هي اللغة التي نطق بها إسكندر بن فريام في طروادة، وهيلين الجميلة في إسبارطة، وإخيل وأبناء قدموس في طيبة، وأرسطو وإفلاطون وسقراط في أثينا، وفيثاغورث في صاموس، وهيرودوت في كل البقاع التي طافها من سوريا إلى شبه جزيرة العرب إلى وادي النيل وليبيا. وكما تكلمها كورش وداريوس تكلمها أدونيس القائد في صاموطراقا، وإسكندر بن فيليب في مكدونيا… وبكلمة موجزة واحدة: ما من عبارة واحدة نطق بها إنسان للتفاهم مع جماعة حضرية أو كتب بها كاتب أو نظم بها شاعر غير السريانية التي كان يتكلم بها الجميع بالسليقة، ويتعلم أصولها الآخرون”. استند د. داود في ذلك إلى علمه بالتاريخ واللغة. واستشهد لذلك بعلماء من الغرب والشرق مثل أندريه إيمار ومحمد كامل عياد وبيير روسي وويل ديورانت. ويقول (تاريخ الحضارة، سلسلة محاضرات على اليوتيوب، الحلقة الأولى): إن عرب الجزيرة أسسوا أول حضارة في تاريخ الهند في سواحل أو جزر الهند الغربية وذلك في الألف الرابع قبل الميلاد، ودعيت بحضارة ما قبل الهندية.
[5]– اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، 1/447، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، تحقيق ناصر عبد الكريم العقل، دار عالم الكتب، بيروت، لبنان، الطبعة السابعة، 1419هـ – 1999م.



إرسال تعليق