القسم الثاني: فقه الهوية (الجزء الأول)
فقه النوازل (العلم المتعلق ببيان أحكام المسائل الواقعية والمستجدة) هو فقه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله
عليهم من بعده ومن تبعهم بإحسان فـي القرون الفاضلة. وأشرفه نوعان:
الأول: الكليات والأصول والقواعد التي تندرج تحتها فروع كثيرة.
والثاني: ما تعلق منه بحاجة الناس ومصلحة المجتمع ومسيرته وصيرورته.
ولم يكن من سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الفقه أن يشغل أصحابه بأحكام غير واقعية، أو مسائل فرعية بعيداً عن قواعدها الكلية. وأعظم ما يتجلى هذا الفقه في القرآن الكريم، الذي كانت آياته تتنزل حسب الوقائع التي تحدث في حياة الناس وتشغل اهتمامهم وتحقق مصالحهم وتحدد مسارهم ومصيرهم. ومن هنا ولد علم (أسباب النزول).
ثم بدأ الخلل يدب شيئاً فشيئاً حتى انتهى الفقه إلى وضعه الحالي، مجلدات من أحكام فرعية غالبها الأعم يدخل في باب (العلم الذي لا ينفع)، الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ منه! وصار مسمى الفقيه إذا أطلق ينصرف إلى ذلك الرجل المعمم الساكن المعزول عن الحياة وحركتها
وضجيجها. ولذلك هو بعيد – عادة – عن نوازل المجتمع، لا سيما تلك التي تترتب عليها تبعات ومسؤوليات تقلق سكونه وتقض مضجعه.
فـي العراق اليوم، والبلدان المشابهة، تتعرض هوية الأمة إلى عملية مسخ ومحو متعمد، ويعاني أهل السنة هناك من حركة تشييع خطيرة، إن لم يسارع أهل الشأن بتدارك الأمر فإن المستقبل لا يبشر بخير. والمشكلة الخطيرة أن عامة من يتسمَّون بـ(الفقهاء) أول المشاركين في هذه الخطيئة، فهم ما فتئوا يرددون عبارات وأحكاماً تدور حول وحدة الدين الشيعي والسني، وأنه لا فرق بين الشيعة والسنة من جميع الوجوه (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا) (الكهف:5).
فكانت (الهوية) من أهم النوازل في هذه المرحلة، التي ينبغي وضعها في مقدمة المسائل التي تتطلب فقهاً شمولياً متعدد الجوانب: شرعياً وسياسياً وتاريخياً وحالاً ومآلاً، ثم توعية الجمهور السني بكل ذلك.
وهو أمر نكل عنه أولئك (الفقهاء) الساكنون الجامدون. فتقدمنا بفضل الله متوكلين عليه مستمدين منه الهداية والتوفيق، فكتبنا هذه الورقات في (فقه الهوية). وما من شك في وجود ثغرات ونقص فيما كتبت؛ فهذا شأن كل جهد رائد، ومن طبيعة أي نتاج واعد.
لذلك أدعو ذوي الشأن إلى إغناء البحث في هذا الموضوع الخطير، والعمل على نشره في أوساط (أهل السنة والجماعة) في العراق وخارجه.
لا قضية بلا هوية
في الباحة الخلفية للمسجد النبوي الشريف، كنت أتمشى جيئة وذهاباً مع أحد الإخوة الفلسطينيين الذين هجرتهم المليشيات الشيعية من العراق، نتحدث عن همومنا المشتركة وكيفية مواجهتها. وجرنا الحديث إلى (الهوية السنية) والحاجة إلى الانضواء تحت رايتها، والتكلم باسمها كضرورة من ضرورات هذه المرحلة. قلت له:
- في عام 1948، العام الذي قسمت فيه فلسطين وتأسست (دولة إسرائيل)، كانت بلدان العرب ترزح تحت نير الاستعمار. فلو افترضنا أن الفلسطينيين لم يتكلموا بشيء اسمه (القضية الفلسطينية)؛ متوهمين أن ذلك يتعارض مع قضية الأمة العربية، فكانت مطالبهم كلها باسم العرب دون ذكر ما يتعرض له الفلسطينيون من ظلم، والمطالبة بما لهم من حق: هل يمكن أن تكون لهم قضية يستحصلون بها ما يمكن أن يستحصل من حقوق، ويتلقون من دعم عربي وعالمي، وتقف معهم دول ومنظمات عالمية؟
قال: أبداً؛ فإن الحقوق الخاصة تحتاج لأخذها إلى اسم وهوية خاصة.
قلت: هذا هو السر فـي أن (السنة العرب) في العراق بذلوا أعظم الجهود والتضحيات، وتحملوا وحدهم ضريبة الغزو: احتلالاً وإجلاءً، لكنهم فـي النهاية لم يحصلوا على شيء! والسبب أن (السنة العرب) تكلموا وعملوا ودافعوا باسم (العراق) وليس باسمهم الخاص.
لم نجد مؤسسة أو حزباً أو هيئةً أو فصيلاً رفع راية (السنة العرب) وتكلم باسمها وتصرف على أساسها. بينما الشيعة تكلموا باسم الشيعة ورفعوا شعار المظلومية الشيعية، والكرد – كذلك - تكلموا باسم الكرد ورفعوا شعار المأساة الكردية. فحصل الطرفان على ما يريدان. أما نحن فبترت أطرافنا العليا والسفلى، ولم نحصل على ما نريد؛ لأنه لم يشاهد أحد لنا من راية ولم يسمع بهوية، سوى هوية العراق الذي سيطر عليه الشيعة اليوم، وصاروا يتكلمون باسمه فأصبحت الثمار السنية والشيعية كلها تسقط في سلة العراق.. أي في سلة الشيعة.
هل تعلم....... أن العراق بلعَنا نحن السنة العرب، وإذ بلع الشيعةُ العراقَ فقد صرنا نحن في بطن الشيعة كتحصيل حاصل. أما الكرد فبسبب من تمسكهم بهويتهم الخاصة لم يستطع الشيعة ابتلاعهم باسم العراق.
وهل تعلم...... عندما رفع السنة العرب هوية العراق العامة متناسين هويتهم الخاصة، ورفعوا صوتهم عالياً في المحافل الدولية عن (العراق المحتل)، وقاوموا الغزاة دفاعاً عن (العراق) وباسم (العراق)، تكون لدى العالم أجمع قريبه وبعيده انطباع مؤداه أن أزمة العراق تكمن فـي الاحتلال فإذا جلا عنهم عولجت الأزمة وانتهت المشكلة، بل هذا ما صرح به سنة العراق أنفسهم! فماذا ترتب على هذا الانطباع؟
لقد قرر المحتل الأمريكي الانسحاب من العراق، وأعلن عن اكتمال جلاء قواته بنهاية سنة 2011، وها هو يتهيأ لسحب آخر جنوده. إذن وصلت محنة العراق في تصور العالم إلى شوطها الأخير وقد قاربت نهايتها، وعندها سيغلق ملف مأساة العراق بعناوينه الرئيسة. حتى إن بعض الدول بدأت تأمر اللاجئين العراقيين فيها بالعودة إلى بلدهم. وهذا شاهد على صحة أن العالم يتصور أن محنة العراق تنتهي بانتهاء الاحتلال.
فهل هذه هي الحقيقة؟ هل انتهت محنة (السنة العرب) بانتهاء محنة (العراق) كما هو مفترض كنتيجة طبيعية لذلك؟ أم إن محنة (السنة العرب) الآن بدأت؟
ما عاد ( العراق ) يعبر عن ( السنة العرب ) ..!
والسؤال الجوهري: إذا كانت محنة العراق تزول بجلاء المحتل، فلماذا لا تزول محنة السنة بهذا الجلاء، أي بانتهاء محنة (العراق)؟
أليس معنى هذا أن (العراق) بمفهومه الحالي ما عاد في الواقع يمثل السنة أو يعبر عنهم؟ فعن أي عراق دافع السنة وقاموا المحتل وضحوا بخيرة شبابهم إذن؟
هناك شقاق حصل دون أن نشعر بين مفهوم (العراق) ومفهوم (السنة) بحيث أصبح العراق شيئاً آخر ليس (السنة العرب) من مكوناته، ولو كانوا كذلك لشملهم غُنمه كما عمَّهم غُرمه!
أما الغُرم فقد جلبناه على أنفسنا لتخلف ثقافتنا وتخلخل فكرنا. والغُنم فقد حرمنا منه؛ لأن الحقيقة تفرض نفسها، حقيقة أن (العراق) ما عاد يمثلنا.
فهل فطن السنة لهذه المفارقة الكارثية؟
وهل عندهم من فكر جديد يرسم معادلة جديدة لحل هذه المفارقة العجيبة؟! أم سيظلون غائبين في سمادير الكهوف الخربة لذلك الموروث الثقافي القديم والثقافة (الوطنية) البالية الخائبة؟ آن الأوان ليتحدث السنة العرب ويعملوا تحت عنوان (الهوية السنية) تخصيصاً، ولا يكتفوا بـ(الهوية العراقية) تعميماً.
إن جهود وتضحيات السنة لأكثر من ثماني سنين أريقت هدراً بسبب فقدان هذه الهوية التي من دونها لا يمكن جني ثمرة أي جهد لصالحهم.
جذور الهوية
السنية .. بيـن الهوية السياسية والهوية الدينية
يتفاجأ كل من ألتقيهم من أهل السنة حين أقول: إن السنية هي الهوية السياسية الوحيدة التي تمثلنا نحن السنة العرب في العراق، وكل من هو في مثل حالنا من السنة خارج العراق! ومع إزالة أسباب المفاجأة عليك هنا أيضاً أن تجيب عن السؤال التالي: كيف تكون السنية هوية سياسية وهي لا تخرج عن دائرة المفهوم الديني؟!
حين تكون الهوية عاجزة ذاتياً عن تمثيلك في حفظ حقوقك، واسترجاع ما سُلب منها؛ فاعلم أنك وقعت على الهوية الخطأ. فسارع إلى نبذها ورفعِ الهوية الأنسب لوضعك.
وحين يكون حفظ الحقوق، فضلاً عن استرجاع المسلوب منهايكون بين طرفين متنازعين على مستوى دولة، تتحول الهوية إلى مفهوم سياسي.
ولأن حقوقنا – نحن السنة في كل بلد حكمه الشيعة ومن ورائهم إيران – سُلبت لا على مستوى صراع محدود في حي أو قرية أو مدينة، إنما على مستوى الوطن كله، ولم تكن الهوية العراقية سوى محامٍ فاشل ساهم في خسارة القضية؛ والسبب أن الهوية الوطنية في وسط صراع طرفه الأقوى طائفي ديني حد النخاع ليست هي الهوية السليمة. وإذ إن هوية هذا الطرف شيعية فالهوية المقابلة لها لا بد أن تكون سنية.
إذن السنية تمثل– في الصميم – هويتنا السياسية التي بها نحفظ حقوقنا ونسترد ما سلبه الشيعة منها. وليست السنية – وحال الصراع على ما وصفت – مجرد هوية دينية يستخسر الأكثرون فيها حتى من اعتبارها كذلك، إنما ينظرون إليها على أنها هوية طائفية! وفي الوقت الذي يغرق الشيعة في بحر الاستهتار بهويتهم الشيعية يتهموننا بالطائفية لمجرد الانتساب إليها من قبل قلة من أهل السنة! ويشاركهم الاتهام كثير من الداخل السني!! وشتان بين متهم مختلِق، وآخر مختنق؛ إما بجهله أو بنفاقه ومداهنته.
كلا أيها المنكرون .. المختلق منكم والمختنق!
إن هويتنا سنية. ونحن – لله الحمد – واعون بـ(فقه الهوية) إلى الحد الذي نعرف به متى تكون السنية هوية سياسية، ومتى تكون هوية دينية.
جذور الهوية السنية
ليست (الهوية السنية) بدعاً من القول، ولا هي طارئاً غريباً على عقيدة الأمة وفكرها وثقافتها. بل هي – بشقيها المتلازمين: (السنة) و(الجماعة) – تمثل العنوان الآخر الذي يعبر عن أمة الإسلام تمام التعبير. وجاء في الإرث التاريخي ما يفيد أن الهوية السنية ظهرت في زمن الصحابة y. وقد تداولتها أمة الإسلام عبر أجيالها المتتابعة. ولم يحدث أن نكلت عن هذا العنوان (أهل السنة والجماعة) إلا في زمن العَلمانية الطارئة وربيبتها (الوطنية) الساذجة.
ومن تتبع جذور هذه الهوية في تاريخ الإسلام يقف أمام علامة فارقة في تاريخ الهوية وكيف أنها مرتبطة بنوع التحدي، فهو الذي يفرضها ويظهرها، وهو الذي يمنحها عنوانها وسِمَتها.
ففـي البدء كان الصراع بين الإسلام وخصومه خارجياً، وهذا شيء طبيعي فـي مسيرة الدعوات، ثم بعد فترة ليست قصيرة بدأت الدوامات بالتكون داخل التيار. فكان الإسلام – قبل حدوث الصراعات الداخلية – هو الهوية المعبرة عن الأمة أمام خصومها؛ لأنهم كفار واضحو الكفر والوجهة. وكان هناك فسطاطان فقط: فسطاط الإسلام وفسطاط الكفر. فكان الإسلام هو الهوية الجامعة المانعة. ثم لما تحول جزء من الصراع العقائدي إلى الداخل الإسلامي جعلت الأمة تعبر عن نفسها وتشهر في وجه تلك التحديات الداخلية هوية داخلية إلى جانب الهوية الخارجية التي تعبر بها عن نفسها وتبرزها في وجه التحديات الخارجية.
تلخصت التحديات الداخلية بظهور فرقتين في عهد الصحابة هما: الخوارج والروافض. وكان أجلى ما يميز الطائفتين معاً: مخالفة السنة بالبدعة، والخروج على سلطان الأمة بالفرقة. فظهرت الحاجة إلى هوية داخلية تميزهم عن المخالفين للسنة المفارقين للجماعة، فاصطلح ذلك الجيل على هوية تسد تلك الحاجة، فكانت الهوية (أهل السنة والجماعة).
روى مسلم في مقدمة (صحيحه) عن ابن سيرين قال: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فيُـنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم)([1]). لم يقل: (ينظر إلى المسلمين…، وينظر إلى الكافرين…)؛ لأن اسم (الإسلامية) لا يحقق الغرض منه؛ إذ إن هؤلاء يندرجون تحت هوية الإسلام العامة؛ فلا يتم التميز به عن الطائفتين. على العكس من اسم (أهل السنة).
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسـير قوله تعالى (يَوْمَ تَبْيـَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْـوَدُّ وُجُوهٌ) (آل عمران:106) قال: (يعني يومَ القيامة حين تبيضُّ وجوه أهل السنة والجماعة؛ وتَسْوَدُّ وجوه أهل البدعة والفرقة)([2]).
المعنى العام والمعنى الخاص لـ( أهل السنة )
ويُراد بهذا الاسم (أهل السنة والجماعة) معنيان: معنى عام هم جميع المسلمين عدا الرافضة، ومعنى خاص هم أهل السنة المحضة. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فلفظ أهل السنة يراد به من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة. وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة ، فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى، ويقول: إن القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة)([3]).
وبهذين المعنيين نؤسس لـ(هويتنا السنية)، كما أن كلا المعنيين مقصودان عندنا كلٌّ بحسب الحاجة والموقف: فأهل السنة فـي العراق اليوم مستهدفون جميعاً من قبل الشيعة وإيران دون تفريق بين مذهب ومذهب؛ فهنا يكون المعنى العام الذي يشمل جميع السنة هو مقصودنا بـ(أهل السنة والجماعة) أو (أهل السنة) أو (السنة). فتكون الهوية السنية اسماً جامعاً لكل السنة بجميع مذاهبهم، مانعاً لكل الشيعة بجميع طوائفهم. فمن قال: أنا سني وعمل تحت هذا العنوان فهو السني. ولكننا عند تبني المنهج السليم اعتقاداً ودعوة وإيماناً ونصرة، وعند تربية القيادات عليه وتهيئتهم لأخذ دورهم في قيادة المجتمع، وقبولهم في خاصة مشروعنا، نقصد المعنى الخاص حصراً.
[1]– ترك هذا المعيار منذ وقت مبكر بحجة أن إعماله يؤدي إلى ضياع كثير من الحديث!
[2]– شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة،1/72. الإمام هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي. ونقله عنه ابن كثير في تفسيره.
[3]– منهاج السنة النبوية (2/221
الهويةالخاصة والهوية العامة
تعدد الهويات
يرى كثيرون أن الانتساب للسنة والاحتماء بالهوية السنية نوع من الطائفية يتناقض مع الهوية العراقية. وهذا كلام غير دقيق، لا يستند إلى أساس علمي سوى الثقافة القديمة التي ما عادت تلبي حاجة التطورات الجديدة والتغيرات والتبدلات السياسية والاجتماعية. بل تحولت إلى عبء ثقيل، علينا أن نبادر إلى مراجعته والنظر فيه كي نطرح جانباً الضار منه، وما لم يعد نافعاً، وما لسنا في حاجة إليه، ونبقي على ما سوى ذلك، ثم نضيف إليه ما يتطلبه الواقع الجديد بمتغيراته وتبدلاته.
إن الهوية العامة أو الأكبر ليست في حاجة إلى إلغاء الهوية الخاصة أو الأصغر، متى ما روعيت الضوابط المطلوبة. فالهوية الشخصية لا تتعارض مع الهوية العائلية، والتحدث باسم العائلة لا يتناقض والانتسابَ إلى العشيرة، والهوية العشائرية لا تقف بالضد من الهوية الوطنية، إلا إذا خالفنا الضوابط المرعية. أي إن الأمر من حيث الأصل لا إشكال فيه.
هكذا لا حرج في تتعدد الهويات ما دامت ماضية فـي نسق متجانس باتجاه واحد: فالهوية العراقية لا تتضارب مع الهوية العربية، وكذلك الهوية العربية مع الهوية الإسلامية.
والناظر في الواقع يجدنا نؤمن بكل هذه الهويات ولا نشعر بالحرج من الجمع بينها، حتى إذا وصلنا إلى (الهوية السنية) بدأ مؤشر التناقض مع الهوية العراقية بالظهور على لوحة الأمان! ولا علة لهذه المفارقة الغريبة سوى الموروث الثقافي الجمعي أو الثقافة الجمعية القديمة.
حين يعمل أبناء العراق لمصلحة العراق، ويتكلمون باسمه، ويرفعون علماً خاصاً به، ويسنون دستوراً له، ويؤسسون المشاريع المختلفة لخدمته: لا يمكن لأحد أن يدعي أن هذا يتناقض مع الهوية العربية.. إلا إذا كان القصد مبيتاً لجعل الهوية القطرية عوضاً عن الهوية القومية. وكذلك العمل لأجل الأمة العربية وباسمها لا يقف حائلاً أمام العمل للأمة الإسلامية. بل إن هذا هو السياق الصحيح والتسلسل الطبيعي للأمور خصوصاً ما تعلق منها بالحركة والعمل. وهكذا الشأن مع العراقي غير العربي في ارتباطه بهويته القومية الخاصة به، والإسلامية التي تجمعه مع بقية المسلمين. كل ذلك لا حرج فيه.
صحيح أن الهوية الإسلامية أعلى مرتبة من الهوية القومية، وهذه أعلى من الهوية الوطنية. ولكن هذا من الناحية الاعتبارية الذهنية.
أما من الناحية العملية فالبدء لا يكون إلا من المحلية باتجاه العالمية، فالله تعالى يقول: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الأنفال:75). فما كل أول فـي المرتبة أول في الترتيب، ولا كل أول في المنزلة أول في التنزيل.
ولذلك قيل: (فكّر عالمياً وتصرّف محلياً). فالمحلية لا تتناقض مع العالمية، وإنما تُسندها وتساندها. بل إن نجاحك عالمياً لا يمكن تحقيقه قبل نجاحك محلياً. والقطر الضعيف المجزأ لا يمكن له العمل على توحيد الأمة – خارج نطاق الفكر والحلم – قبل لملمة أجزائه وإعادة تكوين ذاته واستعادة قوته. وفي مثل هذه الحالة يكون التوفيق بين الهويتين باتباع قاعدة: (فكر عربياً وتصرف قطرياً) هو الحل.
فكّر عراقياً وتصرّف سنياً
كذلك الحال بالنسبة لنا نحن (السنة العرب): علينا أن نتصرف سنياً أولاً إن كنا جادين في التفكير عراقياً. بذلك نجمع بين الأمرين. وهكذا نتجنب ما يبدو لأصحاب الثقافة القديمة من تناقض بين (السنية) و(العراقية). بل لا تناقض من الأساس كما أنه لا تناقض بين العراقية والعربية، ولا العربية والإسلامية، ولا هذه مع الإنسانية. بل لا يمكننا أن نشارك في تدعيم وحدة العراق المهددة قبل أن نلتفت إلى داخلنا السني نلملمه ونكونه ونقويه.
هذا مع ملاحظة أن الشيعة لا يمكن التعايش معهم حتى وإن كانت القوة بأيدينا؛ فإن دوام الحال من المحال، فلا بد من عزلهم فدرالياً على الأقل. هذا في الوقت الحاضر. ثم لكل حال ما يناسبه.
بين السنية والوطنية
جمعتنا ليلة رمضانية مع بعض القوميين، وكان اعتراضهم أن السنية تحجيم للعراقية، كيف نهتم بشأن السنة ونترك العراق كله؟ قلت لهم: منذ زمن طويل ونحن لا نسمع منكم غير كلمة “العراق العراق”! فأين الأمة العربية من اهتمامكم؟ فلنا أن نقول لكم بالمنطق نفسه: إن العراقية تحجيم للعربية، كيف نهتم بشأن العراق ونترك العرب كلهم؟ فأجاب أحدهم: ألا ترى حال العراق من التمزق والضياع؛ لا بد من علاج وضع العراق أولاً ثم نلتفت إلى الأمة. فأجبته: وكذلك الأمر مع أهل السنة؛ لا يمكن لنا أن نعالج وضع العراق أو نكون مشاركين فاعلين فيه ما لم نصحح وضعنا نحن السنة أولاً، ثم من بعد ذلك نلتفت إلى العراق.
لقد ضيع الإسلاميون العرب، وضيع القوميون العراق! أتدرون لماذا؟ لأنهم يعملون ضد منطق الاجتماع، فينطلقون من العالمية إلى المحلية، بينما المنطق يقتضي العكس من ذلك. عملياً لا يكون الانطلاق مجدياً ما لم يكن من المحلية إلى العالمية. ثبّت قدمك أولاً ثم انقل خطوتك.
وهكذا ضيع الطرفان المحلية والعالمية. فالإسلاميون لا يهمهم شأن العرب بقدر ما يهمهم شأن المسلمين، فضيعوا العرب والمسلمين معاً. وأما القوميون فلا يهمهم شأن العراقيين بقدر العرب فشغلوا أنفسهم وغيرهم بقضايا لم يأن أوانها بعد فضيعوا العراق والعرب معاً. ويأتي الوطنيون اليوم ليضيعوا السنة باسم الوطن! هذه مهزلة ما عادت مقبولة، ولن نتسامح معها قط. إنهم يقعون في المأزق نفسه: لا يهمهم شأن السنة بقدر العراق، فتكون الوطنية على حساب السنية، والنتيجة تضييع الجهتين. يكفينا تجربة القوميين والإسلاميين أيها الوطنيون! يكفينا مئة عام من الضياع.
وكان معي صاحب لي فأضاف: إذا كنتم كعلمانيين لا يهمكم أمر الدين وتعتبرون السنية طائفية، فهذا شأنكم. أما نحن فناس إسلاميون سنة فلا نسمح بالاستهانة بديننا وسنيتنا تحت أي حجة أو ذريعة.
حين تكون الهوية الخاصة مهددة من الهوية العامة
هناك عامل آخر في غاية الأهمية، هو أن الشعور بالهوية الخاصة والتحدث باسمها والتصرف على أساسها، يصبح ضرورة كضرورة الحياة حين تكون الهوية الأكبر نافية ومهدِّدة للهوية الأصغر.
فلو افترضنا أن عائلة ما اجتمعت على ظلم أحد أفرادها، وكانت تتوزع خيراتها -التي تحصل عليها باسم العائلة -فيما بينها دونه، ففي هذه الحالة يصبح من حق ذلك الفرد أن يعلن عن نفسه ويتكــلم باسمه، ويطالب الآخرين أن يفرزوا له باسمه الخاص حصته من الخيرات التي ما عاد يحصل عليها باسم العائلة العام. وكذلك لو اجتمعت عشيرة على ظلم بيت منها. والشيء نفسه مطلوب لو اجتمع مكون أكبر على ظلم عشيرة ومطاردتها ومحاولة محوها.. عند ذاك يصبح ترك الدفاع عن المكون الأصغر بحجة احترام المكون الأكبر نوعاً من الهبل والخبل والسذاجة التي لا يستحق صاحبها الاحترام، بل لا يستحق الحياة! ولو افترضنا أن العشيرة الظالمة لتلك العائلة وقع عليها ظلم وتعرضت لغزو أصابها بالضرر وطالبت بتعويض لها باسم العشيرة، وزعته على بيوتها دون ذلك البيت، وأن أفراد ذلك البيت طالبوا بتعويض العشيرة الظالمة لهم دون المطالبة بما لبيتهم من حصة باسمه، ثم لم يحصلوا على شيء، ومع ذلك ظلوا ملتزمين بالاسم الأكبر مع استمرار الظلم والسحق: فإن هؤلاء ليسوا أكثر من قطيع حمقى لا محل لهم إلا في الهامش السفلي من الحياة.
فقدان الهوية السُنية
بالرغم من تعرض أهل السنة إلى الظلم والإقصاء الطائفي المعلن على يد الشيعة في البلدان التي يكثرون فيها كالعراق ولبنان، أو يسيطرون فيها على مقاليد الحكم كسوريا، لكن السنة إلى اليوم يعانون من فقدان (الهوية السنية) وتناسيها إلى حد الخجل من ذكرها، والتنصل من الانتماء إليها، ولم يدركوا سر قوتها وارتباط وجودهم بالإعلان عنها. السنة فقط هم الساكتون دون سواهم؛ فلا حرج اجتماعياً في أن يقول الشيعي: أنا شيعي، ويعتز بشيعيته، والكردي: أنا كردي، ويعتز بكرديته، والمسيحي والفيلي، وحتى اليزيدي. كما أن الانتماء إلى الهوية العشائرية أو العائلية لا يجد صاحبه تناشزاً فيه مع الهوية القطرية، ولا غضاضة لو جمع بين الهويتين السابقتين مع الهوية القومية، وفي الوقت نفسه ينتمي إلى الهوية الإسلامية، ولا يرى تناقضاً بين هذه الهويات مجتمعة، حتى إذا وصل الأمر إلى (السنة) بدأ مؤشر الخطر بالظهور!
العلة ثقافية لا موضوعية
في مئة السنة الماضية شاعت (الثقافة الوطنية) في أوساطنا، بحيث أصبحت نداً للهوية المذهبية التي أمست توصم بالطائفية. ومن أسباب ذلك أن حكام العراق – ومعظمهم سنة – وجدوا أنفسهم متورطين في معادلة اجتماعية صعبة الحل، وحكم دولة منقسمة على نفسها بين مكونات رئيسة ثلاثة (السنة والشيعة والكرد) انقساماً مزمناً لم يجدوا إزاءه علاجاً ناجعاً. وإذ عجزوا عن وضع حل سياسي متطور، لجأوا إلى حيلة ساذَجة هي الدعوى بأن العراق شعب واحد، وأن هذا (الشعب) أعظم من أن يفرقه دين أو مذهب أو عرق، وأكبر من أن يفكر في مثل هذه الأمور (الصغيرة). فلجأوا إلى المسكنات الظاهرية، ورفعوا شعار الوطن والمواطنة والوطنية، ولعلهم توهموا أن في تلك الشعارات يكمن الحل!
لقد عالجوا الموقف بعبور اللغم لا بتفكيكه وإزالته، فانفجر علينا سنة 2003! ولم يكن ذلك عن جهل منهم بطبيعة تكوين البلد فالملك فيصل الأول – مثلاً – يقول في مذكراته: (أقولها وقلبي ملآن أسى، إنه في اعتقادي لا يوجد شعب في العراق، إنما هناك تكتلات بشرية خالية من أي فكرة وطنية، مشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمعهم جامعة، ميالون للفوضى، سماعون للسوء).
النتيجة أن العرب السنة هم الوحيدون الذين بلعوا الطعم، وتبنوا (الوطنية) بصدق: حكومة وشعباً؛ بسبب من شخصيتهم (الأبوية) التي
يتمتعون بها من الأصل، والتي تميل إلى الجمع وتنفر من التفرق؛ فهم ورثة حضارة وسليلو ملك ولديهم إرث تراكمي في القيادة والحكم يقدر بآلاف السنين. وقد حكموا دولاً وإمبراطوريات يشيع فيها التعدد العرقي والديني، تعاملوا معه بروح حضارية جاء الإسلام فرسخها وعززها بمثل قوله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8).
كيف حافظ الشيعة والكرد على هوياتهم الخاصة دون السنة
أما الشيعة والكرد فلم يتأثروا بتلك الشعارات؛ والسبب قوة الانتماء الطائفي لدى الشيعة بحيث أن البراء من السنة يشكل عندهم عقيدة لا يمكن التخلي عنها إلا في حالة واحدة هي الكفر. يسند هذا العامل العقائدي عامل نفسي متجذر لا يمكن قلعه بحال؛ فالشيعي يعاني من (المظلومية) تجاه السنة إلى حد (العقدة). هذا بالإضافة إلى عُقد أخرى متعددة وخطيرة كالثأر والانتقام والحقد والعدوانية.
فإذا أضفت إليها الولاء لإيران، ثم تقديس الشيعي للمرجع الذي يشحنه بالمعاني السابقة وتبعيته له، اكتملت سواتر الدفاع ضد الثقافة الوطنية، وتحولت إلى مجرد ادعاء يستعمله عند الحاجة ثم ينزعه، تساعده على هذه الازدواجية عقيدة (التقية).
وأما الكرد فقد كان التطلع إلى كيان قومي وتأسيس دولة كردية هو الهوية الطاغية على شعورهم، الجامعة لهم المانعة من الانسياق وراء الدعوات الوطنية؛ لأنهم أدركوا التناقض بين الهويتين. هكذا عمل الشيعة والكرد كلٌّ لخدمة كيانه في ظل هويته الخاصة.
وحتى يتجنب الحكام والسياسيون إثارة الطائفتين فقد حصلت مداراة نسبية، وغض طرف عن التكلم بالخصوصيات الذاتية لكل منهما. وهكذا صارت (الهوية الوطنية) تقبل كل هوية.. الشيعية والكردية والتركمانية والمسيحية واليزيدية… إلا (الهوية السنية)، فقد أمست هذه الهوية مثار تشنج عند الحكومة وعند المكونات الأخرى؛ لأنها تشعر بخطورتها عليها. وتحول ذلك بمرور الزمن إلى ثقافة اجتماعية. فلا أحد يعجب أو يشير إلى تناقض الثقافة (الوطنية) وضعف منطقها فـي تعاملها مع التشكيلة التالية من الهويات: (زيباري، سني، عراقي، كردي، مسلم)، أو (دليمي، سني، عراقي، عربي، مسلم). انتبه! ثمت هوية واحدة (ناشزة متناشزة) بين هذه الهويات!
لقد أمست الثقافة الوطنية تقبل هذه الهويات جميعاً إلا واحدة هي (السنية)! من العيب أن تذكرها. عليك أن تخجل عندما تقول: (أنا سني) في مجتمع عام كدائرة رسمية، أو اجتماع حزبي، أو إذاعة، أو تلفزيون، أو صحيفة، أو حتى على منبر مسجد فـي خطبة جمعة! بل ربما لا تسلم من تهمة (الطائفيــة) صعوداً إلى (الوهابية). قل: (أنا دليمي، عراقي، عربي، مسلم) لا شيء في ذلك. أما (سني) فلا!
لا أحد يجرؤ على أن يقول: ما المشكلة في أن يجمع المرء بين هذه الهويات؛ بشرط تلاؤمها في منظومة تأخذ فيها كل قيمة من هذه القيم استحقاقها بحيث لا يطغى بعضها على بعض في سلم الاستحقاق التراتبي الذي يرعى التوازن نظرياً وعملياً؟!
العلة إذن في الثقافة، وليست فـي الهوية.
سيرورة الأمور بين الدعوى الوطنية والانتماءات الطائفية
حقيقة العراق أنه بلد يتألف من عدة مكونات عرقية ودينية (لا تجمعهم جامعة)، يأتي على رأسها المكونات الثلاثة الرئيسة: السنة والشيعة والكرد.
طيلة العقود الثمانية (1921-2003) التي استغرقها عمر (الدولة الحديثة) كان الشيعة والكرد – دون السنة – كل منهما يعلن بهويته، ويسوق لمظلوميته، ويطالب بحقوقه، فكانت له (قضية) وصلت حد (التدويل) الذي تمكن به من لفت أنظار العالم الخارجي، وجلب معونته بشتى صورها، وآخرها الاحتلال. وبما أن المكون الثالث (السنة) ساكت يأنف من تسمية نفسه بالاسم المُناظر، ورأس الحكم (الملك أو الرئيس) من هذا المكون دون المكونين الآخرين، فقد تشكل انطباع عام بأن السنة هم الجانب الظالم في المعادلة الثلاثية. هذا لا يعني أنني أنفي حصول ظلم من الحكومات المتعاقبة. لكن هناك فرق بين أن يكون الظلم (طائفياً) يسلطه (السنة) كسنة على الشيعة كشيعة، والكرد ككرد، وبين أن يكون الظلم (سياسياً) تمارسه الدولة لأسباب سياسية: الشيعة يريدون إزاحة الحاكم والاستيلاء على الحكم لأسباب طائفية دينية، والكرد يريدون الانفصال وتكوين دولة قومية تجمع الأكراد في المنطقة لأسباب قومية عرقية. وليس من المستغرب -فـي وسط هذا الصراع -أن تظهر بروزات طائفية (دينية أو قومية) هنا أو هناك، لكنها ناشزة عن الخط العام الذي هو سياسي بامتياز؛ والدليل أن السنة العرب نالهم من الظلم الكثير، وربما بصورة أشد من المكونين الآخرين. فالظلم بأنواعه لم تكن الحكومة تمتنع من توجيهه إلى السنة متى ما اقتربوا من كرسي الحكم. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن الدولة لم تكن دينية سنية، وإنما كانت علمانية وطنية حقاً.
وكان الحزب الأكبر للسنة وهو (الإخوان المسلمون) ممنوعاً قانوناً في دولة (البعث)، مضيقاً على أتباعه، لا يجرؤ أحدهم أن يفصح عن انتمائه؛ فتلك جريمة قد تصل بصاحبها إلى الإعدام! وكان السلفيون، و(الوهابية) – حسب التعبير الأمني والمجتمعي – مضيقاً عليهم، مرصودة حركاتهم، يحاسَبون على حركة الإصبع في الصلاة! فضلاً عن الهدي الظاهر من إطالة اللحية وتقصير الثوب.
مجمل القول أن (السنة) نظر إليهم المكونان الآخران نظرة طائفية كل من زاويته الخاصة: فبدل أن ينظر الشيعة إلى السنة كعرب، وينظر الكرد إليهم كسنة -كما يدّعي التسطيحيون الحالمون -كان الأمر معكوساً تماماً؛ فهم في نظر الشيعة (سنة)، وفي نظر الكرد (عرب). وظهروا في نظر العالم بمظهر الظالم المتسلط. وهكذا وعلى أساس هويتهم (السنية) جرى تهميشهم وإقصاؤهم بعد الاحتلال، وصار الشيعة والكرد حلفاً واحداً في مقابل السنة، الذين ظلوا يصرخون: نحن عراقيون: لا فرق بين شيعي وسني، وكردي وعربي. ويتقربون للكردي أكثر فيقولون له: نحن جميعاً سنة. لكن دون أن يصغي إليهم أحد، سوى تعاطف طبيعي مبهم من عوام الشعب الكردي وعمومه، لم يتجاوز العاطفة إلى الفعل المؤثر. ولا ألقي باللوم على غيرنا، فحتى تريد لا بد أن تكون، وحتى تكون لا بد أن تتكون. ولا كيان بلا هوية. والهوية ضائعة!
هكذا لم يلتزم بالهوية الوطنية أو العقد الوطني ويبتعد عن المسميات الخاصة سوى السنة، الذين ابتعدوا عن هويتهم فخسروا ذاتهم ووطنهم، وكما قال ناعق الشيعة يوماً: “لكم الوطنية ولنا الوطن”! وهي مقولة تلخص حقيقة المأساة، وتضع الأصبع على موضع الداء.
الهوية السنية بين عرب المشرق وعرب المغرب
للجغرافيا والموقع المكاني أثر كبير فـي تكوين سياسة المجتمع وفكره وثقافته وتشكيل هويته والتعبير عن دينه.
يعاني المشرق العربي (الأحواز ودول الخليج العربي واليمن والعراق والشام، باستثناء فلسطين) من تحدٍّ خطير يميزه عن المغرب العربي بحكم موقعه الجغرافي، هو التحدي الإيراني الشيعي (التحدي الشرقي).
ينظر المغرب العربي (ثقافياً نعتبر مصر داخلة ضمن هذه المنظومة المغربية) إلى التحدي الشرقي بتثاؤب؛ عاداً إياه أخاً مسلماً وصديقاً ودوداً. وفي أشد الحالات خطراً مبالغاً فيه. وما يثيره بعض المشرقيين من شكوى تجاهه فسببه (التطرف المذهبي)، وهو وراء التصرف (الطائفي) ضد (إخوانهم) الشيعة. أو بسبب العنصرية (القومية) عند القوميين العرب ضد (إخوانهم الفرس المسلمين).
هكذا اختل الميزان بحيث تجاوز الأمر المساواة بين الجلاد والضحية إلى انقلاب الضحية جلاداً والجلاد ضحية!
ضعف الشعور بـ( الهوية السنية ) عند عرب المشرق
المفارقة الكبرى في هذا التمايز هي ضعف الإحساس بالخطر الشرقي لدى عرب المشرق أنفسهم ضعفاً يصل بالأغلبية منهم إلى درجة الانعدام التام. ولولا العقيدة السلفية، عند طائفة من المتدينين التي هي بالضد
من العقيدة الشيعية، ولولا (القومية) العربية عند طائفة من السياسيين، التي هي بالضد من (الشعوبية) الفارسية لما بقي أحد يستشعــر الخطــر الشرقي ! لكن فريق المتدينين ينظــر إلى الخطــر مـن
زاويته العقائدية أكثر من جوانبه الاجتماعية والسياسية. وفريق القوميين ينظر إليه من زاويته السياسية أكثر من جوانبه العقائدية والدينية والاجتماعية. متخلين عن الموقف الصحيح.. وهو المزج بين الأمرين. وهو ما صارت السلفية تحث الخطى نحوه، والقومية تتجه إليه ولكن ببطء.
إن المغرب العربي كان تحديه على مر التاريخ غربياً خارجياً، فضمر لديه الشعور بالخطر الإيراني الشرقي ورديفه الشيعي، وتبعاً لذلك ضعفت الحاجة عنده إلى (الهوية السنية) الداخلية. وجاء الاحتلال اليهودي فزاد الضعف ضعفاً إلى درجة تقرب من العدم. فهو يرفع الهوية الإسلامية دون شعور بالحاجة إلى ما هو دونها من الهوية السنية. وهذا انعكس بدوره سلباً على المشرق العربي ففقد -أو كاد -(هويته العربية السنية) أمام التحديات الفارسية الشيعية.
أسباب ساعدت على تغييب ( الهوية السنية )
مما ساعد على تغييب حاجة عرب المشرق لهذه الهوية أمور منها:
- سعة انتشار الثقافة العربية المغربية بسبب قوة إعلامها، وكثرة دعاتها.
- الاستعمار الغربي الذي اجتاح المنطقة العربية بمشرقها ومغربها، فأزاح الأنظار عن دائرة التركيز على الخطر الشرقي.
- احتلال اليهود لفلسطين، وتدنيسهم لبيت المقدس، وما لهذا البيت من قدسية في نفوس العرب والمسلمين. فكان ذلك سبباً لطغيان القضية الفلسطينية على القضية السنية. وتمت المصيبة بتظاهر إيران بالدفاع عن فلسطين، ولاقى ذلك هوى عند كثير من الفلسطينيين، فصاروا يلمعون صورة إيران وشيعتها في أنظار الآخرين.
- الحكم العلماني الذي يتطير من ذكر دين الإسلام والمذاهب والطوائف. وتنفث أبواقه فكرة اللافرق بين الشيعة والسنة، جاعلة من الفكرة و(الهوية الوطنية) البديل لذلك. وحتى القوميون الذين يعادون إيران إنما ينظرون إليها من زاوية (القومية) لا من زاوية الدين و(السنية). فأقروا التشيع ودافعوا عن الشيعة.
- شيوع فكرة (المذهبية) تعبيراً عن الفرق بين السنة والشيعة إن احتاجوا إليه، معتبرين التتشيع مذهباً إسلامياً معتبراً كباقي المذاهب الإسلامية، وليس ديناً آخر.
إن هذا جعل المجتمع يتقبل الشيعة كجزء من النسيج الاجتماعي، ويبتعد عن تبني الهوية السنية كأداة تعبير أمام الهوية الشيعية، عاداً ذلك نوعاً من الفتنة والفرقة والطائفية المرفوضة بحكم الشرع أولاً وقبل أي اعتبار آخر، وعلى لسان (رجال الدين). حتى قال لي أحد العلماء المقدمين فـي (هيئة علماء المسلمين): ليس من الإسلام القول بالفرق بين السنة والشيعة!
لكن ما حصل بعد احتلال العراق وتداعياته من تغول الشيعة وتمددهم في دول المشرق وتجاوزهم في حماقاتهم إلى بعض دول المغرب لفت الأنظار إلى خطر الشيعة وإيران. وهذا يوفر لنا مُناخاً مناسباً للتبشير بـ(الهوية السنية)، وإبرازها وترسيخها في أوساط عرب المشرق وتذكير عرب المغرب بها. وأنها هي (الهوية) المعبرة عنا في مواجهة أخطر التحديات؛ فالخطر الذي يجتاحنا اليوم خطر داخلي متمثلاً بـ(الخطر الشرقي): الشيعة وإيران، أكثر مما هو خطر خارجي غربي متمثلاً بالغرب واليهود. وليس بالإمكان تحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائلي قبل تحرير العراق والمشرق العربي من الاحتلال الشيعي والإيراني.
الهوية السنية .. دواعي الوجدان وضرورات الإعلان
عمل الشيعة منذ تأسيس الدولة الوطنية في العراق سنة 1921 على خدمة كيانهم كشيعة – وإن سايروا التيار أحياناً بشعارات وطنية لا يؤمنون بها – وبرز هذا التوجه بوضوح بعد الاحتلال الأمريكي. كذلك عمل الكرد على خدمة كيانهم ككرد وتقويته والمطالبة بحقوقهم على هذا الأساس بلا مواربة. وذلك على العكس من موقف السنة العرب إزاء هويتهم السنية؛ فحفاظاً على (الوحدة الوطنية) التي لا أساس لها يمكن أن تقوم عليه في العراق، تجنبوا ذكرها في العلن، ونهروا من فعل ذلك. وبمرور الزمن، ولوجود الأرضية الجمعية الخصبة التي تقويها الثقافة الأبوية المتوارثة لديهم، وعدم وجود مانع عقائدي (كالشيعة) أو معارض قومي (كالكرد) صاروا يترددون من ذكرها، ويخجلون من الانتساب إليها، وساروا على النهج الوطني: شعاراً وتطبيقاً، قبل الاحتلال وبعده.. حتى تحولت (الوطنية) – في الذاكرة الجمعية – إلى دين بديل عن الإسلام، وصارت الهوية (العراقية) ناسخة للهوية (السنية).
تلك هي المقدمة بكل اختصار.. فماذا كانت النتيجة؟
- قويَ الشيعة حتى سيطروا على مقاليد البلد.
- قويَ الكرد حتى صارت لهم حكومة وبرلمان وجيش.
- ضعُفَ أهل السنة حتى لم يعد لهم اليوم من كيان يؤويهم، أو جهة تمثلهم، ولا حتى شخص ينطق باسمهم!
والسؤال الأهم: ” لماذا ؟ ” والجواب يكمن في المقدمة.
من ضرورات الإعلان بالهوية السنية
لو جرى الالتزام بالعقد الوطني من جميع المكونات العراقية، فلم يعلن الشيعي بشيعيته والكردي بكرديته ويعملا على هذا الأساس، لكان بالإمكان أن يؤتي العقد الوطني ثماره بصورة عادلة. ولكن الالتزام كان من طرف واحد فاختلت المعادلة. فأصبح الإعلان بـ(الهوية السنية) في بلد مثل العراق ضرورة، ليس من الناحية الدينية فقط، بل السياسية أيضاً.
لقد كوّن الشيعة دولتهم، والكرد إقليمهم. وبقي السنة بلا دولة ولا إقليم، بل ولا مكان تحت الشمس يمَكّنهم من العيش بكرامة وحرية وأمان! والأهم من ذلك هو أن (سنة العراق)، لا سيما العرب منهم، استهدفهم الشيعة بالظلم بناءً على هويتهم السنية؛ إذ يكفي حتى تحرم
من حققك أن تكون سنياً. ويصل هذا الظلم إلى حد الحرمان من حق الحياة! إضافة إلى حق الكسب، وحق الحرية، وحق الكرامة.
إن هذا الحرمان يمارسه الشيعي كإجراء عادل عليه أن يؤديه خدمة للإنسانية التي لا يستحقها الآخر، بعد أن تمت عملية شيطنة السني و”تشييئه”([1]) في الذاكرة الجمعية الشيعية منذ أمد بعيد. وتزداد الصورة بشاعة حين تعلم أن حرمان السني من حقوقه، وعلى رأسها حق الحياة، يمارسه الشيعة طبقاً لعقيدتهم؛ فليس الأمر واقعاً لسبب عارض كما يتظالم البشر فيما بينهم، إنما ظلم السنة أمر مقصود أخلاقياً ودينياً، ويجري تنفيذه منهجياً.
كل هذه الأمور مجتمعة تستدعي من السنة في العراق وما شابهه من أقطار أن يلجأوا إلى هويتهم السنية فيعلنوا بالانتماء إليها، ويبرزوها ويعتزوا بها.
مكاسب ( الهوية السنية )
إن رفع لافتة (الهوية السنية) يحقق للسنة مكسبين عظيمين في طريق رفع الظلم عنهم واستحصال حقوقهم:
الأول: تأسيس (قضية) لهم فـي الداخل، تجعلهم يلتئمون عليها فيما بينهم، ويتجمعون في كيان واحد يمكنهم به أن يدفعوا الحيف عن أنفسهم، ويستحصلوا حقوقهم، ويبنوا مناطقهم، ويعمروا إقليمهم، أو دولتهم. وليعتبروا بإقليم كردستان وما فيه من أمان وتطور وعمران، وتمتعه بقوة قادرة على ردع الحكومة المركزية الشيعية من ظلمهم وهضم حقوقهم. من دون هذه الخطوة يستحيل عليهم استعادة العراق من يد الشيعة وتخليصه من التبعية لإيران.
والثاني: (تدويل القضية) في الخارج. وهذا الأمر مهم لاستكمال تحقيق المكسب الأول. فلو خرج السنة بقضيتهم إلى المنابر الدولية، وصرخوا في آذان المنظمات الحقوقية والمحاكم الدولية، وأسمعوهم صوتهم، وقدموا وثائق الإدانة للحكومة الشيعية بتوابعها من أحزاب ومليشيات ورجال دين أوغلوا في الدم السني، وبصورة منهجية وصلت إلى حد الإبادة الجماعية المنظمة، وبينوا أن ذلك كله يجري طائفياً، وأن طائفة كبيرة في العراق هي (السنة) يتم إبادتها على يد طائفة أخرى تمسك بزمام القوة هي (الشيعة).. لو فعلوا هذا لسمع العالم صوتهم، واستجابت المنظمات الحقوقية، والمحاكم الدولية، بنسبة أو باُخرى، لقضيتهم.
ولاستثار ذلك أبناء العرب (وهم سنة) في الأقطار العربية حولهم، وكسبوا عطف الكرد (وهم سنة) وموقفهم، وحوصر الشيعة من كل جانب في جحرهم. وبهذا نكون قد انتزعنا العراق العظيم من أيدي الشيعة، فضلاً عن التمكين لنا في مناطقنا. وهذا ربح زائد على الربح أو المكسب الأول، لا يتناقض معه بل يقويه. ولا يتوقف عليه جهدنا وجهادنا ونضالنا إن لم يحصل كما ينبغي؛ فهو للاعتضاد لا للاعتماد.
وأعظم من ذينك المكسبين حيازة رضا الرب؛ فالله تعالى لا يعين قوماً لا يرفعون لدينه راية. فرفع الراية السنية تستجلب رضا الرب جل جلاله، وتدفع غضبه الذي حل بنا منذ أن كذبنا عليه وعلى نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى دينه وعلى خلقه بقولنا: “لا فرق بين السنة والشيعة”، بينما الفرق بينهما كما بين الثرى والثريا. وتجاوز هذا الكذب الفاضح طاولة السياسة، لينزو على منبر الدين!
لقد فقد سنة العراق هويتهم في زمن تغول الهويات، ففقدوا كيانهم، وأضاعوا حقوقهم. و(نسوا الله فنسيهم) ووكلهم إلى أنفسهم. فإن راجعوا أنفسهم ورجعوا إلى دينهم وهويتهم، وقرأوا جيداً مفردات واقعهم، عاد إليهم عزهم، واستعادوا عراقهم، والله معهم ولن يترهم أعمالكم. وإلا فلن ينتظرهم سوى التشرذم والزوال وبؤس الحال وسوء المآل.
[1]– التشيـيء (Chosification) هو اختزال وجود كائن إنساني إلى مرتبة الشيء. يتعلق هذا المصطلح بعمليات التبخيس التي تصيب قيمة الإنسان كآخر شبيه بنا ومعادل لنا في علاقة تكافؤ، فيحل محل الاعتراف بإنسانيته انهيار لقيمته في نظرنا. حتى تفقد هذه الإنسانية قدسيتها وما تستوجبه من احترام، وما تتطلبه من التزام تجاهها. يتحول الآخر في هذه الحالة إلى مجرد شيء، أو أداة، أو رمز، أو أسطورة، ويفقد خصوصيته كإنسان واستقلاليته كلياً ويدمج في مخططات مضطهده. ويتحول إلى شيء، إلى رمز مجرد للشر يجب إبادته.
رابط الجزء الثاني (فقه الهوية) انقر هنا



إرسال تعليق