مشروعنا ومنهاجنا: الإحاطة
قال تعالى: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) (الكهف:68).
قد ينتسب إلى المشروع من يتفاعل معه مندفعاً بالعاطفة، معجباً به من الخارج، قبل أن يدرك حقيقته وحقيقة المؤسسة التي ترعاه، ويتعرف عليه من داخله. ثم بعد مدة يكتشف أشياء ما كان يعرفها ولا يتصور أنها من صلب المشروع، فينكل عنه، ولا يجد ما يصبره على الاستمرار فيه. والآية تقرر أن من لم يحط بالشيء خبراً، أي علم خفاياه، لن يصبر عليه حتى النهاية.
وهناك صنف من الناس يسارع في تكذيب ما لم يحط به علماً كما قال جل جلاله: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) (يونس:39). فيكون موضوع (الإحاطة) فرصة للعلم به حتى يكون الاختيار عن بينة. وقد أدينا ما علينا. ومن أدى ما عليه فما عليه.
وجاء في السيرة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض الإسلام على بني شيبان فقال له المثنى بن حارثة: فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول. وأما ما كان مما يلي مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول. وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا أن لا نحدث حدثاً ولا نؤوي محدثاً. وإني أرى أن هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا قرشي مما يكره الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق. إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه)([1]).
فلا يقوم بالمشروع إلا من حاطه من جميع جوانبه: علماً وتحملاً. من هنا نتج موضوع (الإحاطة) بماهية مؤسسة (التيار السني في العراق) ومشروع (الطريق إلى بغداد) والمنهج المؤسس لذلك (من جميع جوانبه) في المشروع، وضرورة تقدمه على كل شيء فيه.
الإحاطة هي المادة العلمية التي تمثل أساس التعرف على المؤسسة بخطوطها العامة قبل اتخاذ القرار بالانتماء إليها وتبني مشروعها. تلقى على شكل جلسات تجمع بين المحاضرة والتحاور والنقاش.
الأهداف
تهدف جلسات الإحاطة إلى تحقيق الفوائد التالية:
- دخول المؤسسة عن بينة واختيار ذاتي، والصبر على ذلك، والمصابرة في سبيل الوصول إلى أهدافها وتحقيق غاياتها. فالقناعة أساس الاختيار الصائب، واليقين بالشيء هو القاعدة المتينة للصبر والمصابرة.
- الالتزام المطلوب بمستحقات الانتماء.
- تصفية الأعضاء بابتعاد العناصر الضعيفة وغير المناسبة.
- اختصار الجهد اللاحق باقتصاره على مستحقيه وعدم تبديده في تجارب معظم الجهد المبذول فيها صادر استهلاك بلا وارد جدوى.
أول فقرة في ( الإحاطة) :
هل تتبنى ( المشروع السني ) لإنقاذ قومك؟ أم لإنقاذ نفسك أولاً ؟
قبل كل شيء يُطرح سؤال مزدوج، ويجاب عنه: هل حرصك على تبني المشروع:
- من أجل إنقاذ قومك؟
- أم من أجل إنقاذ نفسك أولاً؟
والجواب: بل لإنقاذ النفس من النار، والذهاب بها إلى الجنة، بل الدرجة العليا منها. وهذا لا يتحقق إلا بالمرور من خلال المجتمع ومعاناة العمل في سبيل إنقاذه. ومن هنا كان العمل لإنقاذ أهل السنة جزءاً أساسياً من المشروع. ودخلت السياسة في صلب الربانية. والله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (التحريم:6). فبدأ بالنفس قبل الأهل. ويقول: (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزمر:15).
وسبكنا خلاصة المطلوب في قالب حكمة صيغت صياغة متسقة:
من أراد غيره فليعمل لنفسه . ومن أراد نفسه فليعمل لغيره
* *
لاحظنا أن أول ما يشغل ذهن الراغب بالعمل في المشروع السؤال بلهفة عن سبيل إنقاذ عاجل لأهل السنة أو أهل العراق عموماً من واقعهم البائس. ويأتي وهو يحمل بين جنبيه أملاً عريضاً بأننا نملك جواباً ناجزاً لسؤاله. وهذا يوقعه في مطب الاستعجال، والدخول في أي تكوين، والشروع في أي جهد يتصوره محققاً لهذا الهدف. وهو مطب مزدوج يؤدي بصاحبه إلى نفقين مظلمين:
- نفق المصلحة العامة: الذي يستدرج العامل شيئاً فشيئاً إلى الخروج عن ضابط الربانية، أي النية الخالصة؛ بحجة جلب المصلحة للناس. فيخسر نفسه في الآخرة ليربح غيره في الدنيا! بينما القاعدة تنص على أن: من أراد غيره فليعمل لنفسه.
- نفق الزمن: الذي يستدرج العامل إلى استعجال القطاف، فإذا أبطأ أُحبط وانقطع؛ فخسر نفسه! بينما القاعدة تنص على أن: من أراد نفسه فليعمل لغيره. ولن تقتصر الخسارة عليه وحده، بل غيره سينقطون أيضاً. أي سيخسر نفسه وغيره!
نحن – قبل كل شيء – مؤسسة ذات مشروع رباني.
والربانية تقتضي منا ضبط البدايات: فكرة وعملاً، وتوحيداً واتباعاً، وإيماناً ونصرة. ولا يقبل العمل من المسلم إلا إذا كان حائزاً على شرطين: أن يكون خالصاً، وأن يكون صائباً. ولا يكون إنقاذ المجتمع خالصاً ما لم يكن القصد – أو الحركة الداخلية منه – إنقاذ النفس أولاً قبل الغير. وهذا هو الذي يحقق العبودية والإيمان. كما لا يكون صائباً تمام الصواب ما لم يكن الفعل – أو الحركة الخارجية منه – طبقاً لمشروع إنقاذ عام. وهذا هو الذي يحقق الاتباع والنصرة.
أهم فقرة في الإحاطة
تلك أول فقرة في (الإحاطة).. فما هي أهم الفقرات؟
والجواب: تحقق الدين – إيماناً ونصرةً – في ( المشروع السني ) دون سواه.
الأمر عندنا أشبه بالمسألة الرياضية. لكنه سهل وواضح لا شبهة فيه ولا تعقيد. وذلك يتبين بالخطوات التالية:
- النجاة من النار ودخول الجنة لا ينال إلا بدين الإسلام.
- والإسلام يقوم على أساسين اثنين: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) (آل عمران:81). وعقب I على ذلك فقال: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ) (آل عمران:83)، ثم قال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85).
- والنصرة هي الجهاد بمفهومه الواسع: المدني والعسكري. قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:142). وقال: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (التوبة:16). على أن الجهاد المدني هو الأول وهو الأساس، وهو (البنية التحتية) التي لا جدوى دونها من الجهاد العسكري. وهو أخيراً واجب الوقت بالنسبة لنا سنةَ العراق.
- والجهاد لا يكون إلا بمشروع مدني منظم. يبدأ بهوية، وينتهي بهدف، ويتوسط بخُطة مكتوبة ذات برامج معمولة. يتكامل في نهايته بجناحين: عسكري وسياسي.
- والمشروع لا يتحقق إلا بمنظومة أو مؤسسة ربانية.
- والمشروع مفقود منذ مئات السنين؛ فكان ضياع أهل السنة منذ أن زالت الدولة العباسية سنة (656هـ/ 1258م). وكانت بداياته منذ زوال الدولة الأموية سنة (132هـ/ 750م). فآلت الحال قسمة ضيزى بالتناوب الهمجي ما بين محتل شرقي وآخر غربي. ومن لا مشروع له كان ضحية لمشاريع الآخرين.
- بحثنا كثيراً فلم نجد مؤسسة في العراق، ولا في خارجه – حسب علمنا – ذات مشروع بهوية سنية، وأهداف جادة، وخطة فاعلة، وبرامج منتجة. ولكل متابع أن يستعرض المؤسسات الموجودة على الساحة ليقرر بنفسه مصداقية هذا القول. ثم إن هذه المؤسسات كلها قد آضت إلى تكوينات عَلمانية، حتى تلك التي تدعي منها أو تتوهم الإسلامية. وهي جميعاً فاقدة للقضية السنية.
- لهذا تبنينا على عاتقنا إنشاء مؤسسة ربانية سنية هي (التيار السني في العراق) بمشروع متكامل هو (الطريق إلى بغداد). هذه هي (الفريضة الغائبة) التي يدندن بلفظها البعض، ويقول: إنها الجهاد. ونقول: نعم هي الجهاد، لكن بمفهومه الشامل، الذي يقوم على مشروع متكامل، يبدأ بـ(الفريضة الغائبة).. أي العمل المدني. أما النشاط العسكري والسياسي، فلسنا بصدده الآن حتى يتم المشروع بأساسه المدني. ثم لكل حادث حديثه، ولكل حديث ظروفه.
مميزات المشروع السني
ما يميز المشروع السني اجتماع جملة أمور فيه لم تجتمع في غيره. فهو:
- مكتوب ومنشور.
- رباني: ثابت في الإيمانيات والعبادات والأصول والقطعيات، ومرن في المواقف والسياسات والفروع والظنيات. بين مشاريع إسلامية معاصرة: إما مائعة أو لينة في عقيدتها ومبادئها، وإما جامدة أو متشددة في سياستها ومواقفها.
- يمنح قضيتنا استحقاقها: لأنه ينطلق من خصوصيته العراقية، التي أهم عناصرها أن قضيتنا المركزية تتمحور في العراق، وهي شرقية لا غربية، وعدونا الأول شرقي لا غربي؛ فالعراق يمتاز بأنه يعاني من خطرين كبيرين: أحدهما خارجي وهو إيران، والآخر داخلي وهو الشيعة. هذا هو محور مشكلتنا وأصل قضيتنا. ثم من بعد نعطي لكل عدو موقعه حول المحور، وليس في مركزه.
- محدد الهوية والقضية والهدف.
- مرسوم الخطة. موضوع البرامج.
- مفصل المراحل.
- يقوم على الواقعية التي تراعي العلاقة بين الحلم والواقع.
- يعتمد الفكرة الرائدة أساساً للحركة الراشدة.
- عملي لا تنظيري فقط. من دخل فيه وجد نشاطاً يناسبه ضمن المسار العام للعمل.
- 10.التجديد فيه سنة كونية وفريضة شرعية.
- 11.مفتوح النهايات: يقبل النقد والإضافة والتعديل على المديين: الزماني والمكاني. ويتصف بالمرونة التي تمكنه من التكيف مع المتغيرات. فيمارس فيه التغيير حقاً مباحاً، والتطوير واجباً مفروضاً. وبهذا نضمن له الاستمرار، والتطور الدائم، ومواجهة التحديات بعيداً عن الجمود والتحجر، الذي هو العلة المقعدة لكل المشاريع والجماعات.
أبوية القائد
الأبوية حاجة فطرية: فردية وجمعية. كل الناس يستشعرونها ويسعون لتلبيتها بغض الطرف عن العمر والجنس والمرتبة الاجتماعية.
من تمام التعرف على المشروع وطبيعة العلاقة الرابطة بين أعضاء المؤسسة بيان طبيعة العلاقة بين القائد والأتباع. وتكامل الأبوية بالشورى التشاركية، وتوفير البيئة القيادية.
ليس المقصود بالقائد القائد الأعلى للمؤسسة فحسب، وإنما القادة جميعاً على مختلف مراتب القيادة. فكل قائد هو تابع لمن فوقه في مرتبة القيادة، وهو – في الوقت نفسه – قائد لمن هم دونه في المرتبة.
ما ينبغي قوله هنا أن على أفراد أي منظومة أن تستحضر في رُوعها أن القائد بالنسبة إليهم كالأب نسبةً لعائلته، والشيخ والمعلم نسبة لتلاميذه،. والقائد وإن كان لأتباعه أخاً وصديقاً ومعلماً ومدرباً، لكن هذه العناوين لا تمثله حق التمثيل، إنما (الأب) هو العنوان الذي يمثله ويعبر عنه أصدق تعبير. وفي فقرة (نظرات في القيادة) وبعنوان (أبوية القائد) تفاصيل تستحضر عند طرح موضوع (الإحاطة).
ما تقدمه المؤسسة لأبنائها
قد يسأل سائل: فماذا تقدم المؤسسة لأبنائها؟
والجواب: تقدم المؤسسة لأبنائها شيئاً مفقوداً، لا يقدر بثمن، هو سر النصر. ذلك هو المنظومة الربانية التي من خلالها يعبرون عن دينهم بشقيه. وما عدا ذلك فلا شيء. هذا هو الأصل، والأساس الذي عليه يكون الانتماء والوفاء. وما سواه فكلٌّ بحسبه. جاء في سيرة ابن هشام سؤال الأنصار y في (بيعة العقبة الثانية) رسول الله e: “فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا”؟ قال: (الجنة). قالوا: “ابسط يدك”. فبسط يده فبايعوه.
والناس في هذا قسمان: قسم قال جل جلاله فيه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الحج:11). وقسم جاء فيه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) (البقرة:207).
وهنا سيكون العامل بين كماشتي ذئبين خطيرين، لكنهما لن يضرا من سلم في قلبه وأوى إلى ربه: المال والعنوان. قال ربنا جل وعلا: (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص:83). وقال: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (التغابن:15). وروى الترمذي بسنده عن كعب بن مالك الأنصاري قال: قال رسول الله تعالى: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
من الضروري أن نشير هنا إلى أن من أكبر عوامل تدمير المؤسسات منح المال لمن ينتمون إليها، أو التكفل بمصاريف أنشطتهم؛ فهذا مطب خطير لعدة أسباب منها:
- جذب مجاميع من النفعيين إليها، يتظاهرون بحمل مشروعها. والحقيقة أن المقصود المادي لا غيره هو عنصر الشد في حملهم إلى داخلها.
- إفساد مجاميع أُخرى بدأوا صادقين لكنهم ينتهون إلى ما انتهى إليه الصنف السابق كناتج تلقائي من نواتج الانتفاع. وذلك لعلة خفية لا ينتبه في العادة إليها إلا الراصد الخبير. وهي أن المنتفع يفقد بالتدريج الشعور بالانتماء والولاء للجهة المنتفع بها. وذلك يعود إلى قانون من قوانين التكوين النفسي للبشر، يتلخص في أن:
– (الولاء للإعطاء لا للأخذ).
– (من أعطى والى ومن استعطى تولى).
– ومن عانى في تحصيل شيء كان أكثر الناس حرصاً عليه. على العكس ممن لم يتعب فيه. فالمستفيد يكون أكثر تفريطاً به متى ما انقطع حبل الفائدة. هذه ظاهرة نفسية يجب أن تُثبَّت كمعلم من معالم التأسيس؛ لأن معظم الناس يتوهم العكس منها، كما كنت أتوهم حتى (تعلمت الدرس). فيحرص على بذل المال والنفع لمن يريد جذبهم واستقطابهم. والله تعالى يقول: (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال:63).
دور المنظومة في تحقيق أعلى درجات الإيمان
ضع في بالك دوماً هذه الحقيقة القرآنية: ما دمت تعمل ضمن منظومة ربانية، فأنت في المراتب العليا في الدنيا والآخرة. ومن لم يكن كذلك فلن يبلغ ذلك. وإليك الأسباب والأدلة:
- ( المشروع السني ) ينجي من النار ويوصل إلى أعلى درجات الجنان
أما النجاة من النار ودخول الجنة، فهذا يتم بفعل ما أوجب وترك ما حرّم.
لكن ما يغفر الذنوب جميعاً بلا استثناء، ويوصل إلى الدرجات العلا في الجنان فهو ما تضمنه قوله Y: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (الصف:10-13). وموضع الشاهد أن المغفرة الكلية للذنوب اقترنت في القرآن بالجهاد فقط.
لهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم جميعهم في الجنة. لأنهم جميعاً كانوا مجاهدين. وهذه الجميعية إنما تحققت بسبب أنهم كانوا بلا استثناء ضمن منظومة الجهاد بصرف النظر عن الأدوار التي أوكلت إليهم: مدنية أم عسكرية. فحسان بن ثابت كان شاعراً لم يمسك السيف قط. والنساء كن على صنفين: صنف مارس الجهاد بنفسه سواء المدني منه والعسكري. وصنف كان عوناً للمجاهد على جهاده. وذلك كله داخل في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة:122).
- ما دمت في منظومة فأنت في أعلى الجنان مهما كان دورك في المنظومة
المعنى الشمولي للجهاد مختلط في الذاكرة الجمعية للجمهور، فلا يدرك منه سوى القتال، مع أن جهاد معظم الأنبياء عليهم السلام لم يكن بالقتال قط. إن تعاليم الكتاب ترشدنا إلى أن المسلم ما دام في منظومة جهاد فهو مجاهد مهما كان الدور الذي أنيط به داخل المنظومة: مدنياً كان أم سياسياً أم عسكرياً. وقد كان هذا واضحاً في أذهان الأجيال الأولى من المسلمين.
والجهاد أعظم الأعمال عند الله؛ فدرجته كما أخبر عنها تعالى فقال: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (التوبة:20،19). وقال: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء:95). ويتجلى هذا المعنى أكثر في الفقرة الآتية.
- المسلمون .. عامي وعابد وعالم ومجاهد
ومن لطائف أسرار تجلي رحمة الله وعدله في خلقه أن المسلمين ينقسمون بين عامي وعابد وعالم ومجاهد. وأن رتبة العابد فوق رتبة العامي، ورتبة العالم فوق العابد، ورتبة المجاهد فوق العالم. هل تعلم أن العامي الذي لا يمكنه أن ينال رتبة العابد ولا العالم، فتح الله جل شأنه الطريق أمامه لينال أعلى الرتب، ألا وهي الجهاد! فإن كان الله لم يمنحه القدرة على الرتبتين الأوليين فقد منحه القدرة على الرتبة الثالثة التي هي الأعلى. وقد يسأل سائل متعجباً: كيف؟! والجواب: أن يكون هذا العامي في منظومة جهاد يؤدي دوراً جهادياً يتناسب وما منحه الله تعالى من قدرة، مهما كان ذلك الدور: قتالياً أو مدنياً. حتى لو كان عامل نظافة في تلك المنظومة، بشرط أن يستحضر نية الجهاد في الانتماء، ثم ما عليه مما يؤديه من عمل ينصر به الدين. فالنصرة قسمان: مباشرة : بالذات. وغير مباشرة: بإعانة الناصرين للدين.
تاريخ المؤسسة
تتمثل أهمية بيان نبذة عن تاريخ المؤسسة في إثارة الشعور المطلوب لدى المتلقي ليتحول من مجرد عامل يؤدي وظيفة، إلى شخص آخر يربط بينه وبين المؤسسة رابط روحي وثيق يجعله يعتز بالانتماء إليها لا من حيث جودة بنيانها، وإنما من حيث ربانية وإنسانية كيانها.
إن العمل للقضية شيء، والإحساس بها شيء آخر. ربما يعجب الإنسان بمنظومة معينة فيندفع للعمل فيها. لكن لن يعطي لها زهرة جهده وثمرة فؤاده، ولن يحافظ على وجودها ويسعى في تنميتها وتطويرها ما لم يتملكه الإحساس بقيمتها، ولم يتعرف على ما بذل السابقون من جهد وتحملوا من متاعب وواجهوا من مصاعب في سبيل تأسيسها وإعلاء أركانها وإكمال بنيانها، منذ أن كانت حلماً في الخيال ولمحة في ضمير الغيب حتى خرجت إلى عالم الوجود المشهود.
معرفة تاريخ المؤسسة وسيلة متقدمة لإثارة ذلك الإحساس في نفوس العاملين من المعاصرين واللاحقين. على أن الإحساس لا يكتمل، وأثره لا يتم إلا بالعيش للقضية ومعاناة آلامها. عندها فقط يدرك اللاحقون كم بذل السابقون من جهد، وتحملوا من ثقل، وقاسوا من ألم! لا سيما جيل التأسيس. ويعلمون لمَ جعل I العلاقة بين الطرفين ملخصة في هذه الآية العظيمة: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر:10).
لقد وضعت سِفرين في تاريخ المؤسسة:
- قصة التكوين بين جيلين. وهذا – لأسباب عديدة – في حاجة إلى زمن ليظهر.
- رواية هكذا تكلم جنوبشت. وتمثل بديلاً ممتازاً – على الأقل في المرحلة الراهنة – عن (قصة التكوين). ولا يضيرها أنها عمل أدبي ينتابه الخيال؛ فمعظم أحداثها وقعت حقيقة. وتمتاز عن السِّفر الأول بأنها تثير الإحساس وتيقظ الشعور وتغذيه وتنميه بصورة أعمق وأوسع وأكمل.
مشروع طويل الأمد
التعامل مع القضية السنية يأخذ مسارين:
أ. العمل الإسعافي لإغاثة المنكوبين والمحتاجين. وهذا – على أهميته – ليس من شأننا من حيث الأصل إلا ما كان في سياق العمل الاستراتيجي. إنما له أهله.
ب. المشروع الإنقاذي: وهذا يأخذ مساراً بعيد المدى. وهو الأصل والأساس والركيزة للإنقاذ الجذري. ومن دونه لن يعدو العمل الإسعافي أن يكون ترقيعاً في شق أوسع من مادة الترقيع، وترسيخ لواقع سيئ، وحركة في مسار متدهور.
بهذا يكون (المشروع السني) هو المصداق الحقيقي لقوله تعالى: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ). وغيره من الآيات التي توصي بالصبر مع التقوى؛ فإن (المشروع) هو التعبير الحقيقي عن (التقوى)، ولا تتم اتقوى إلا بالصبر الطويل على معاناة الطريق.
الفرق بين المؤسسة الربانية والمنظمة الحزبية
يخلط البعض بين العمل المنظم وبين الحزب وما يعتريه من تحزب وتعصب. ويتساءل: أليس التنظيم يعني تكويناً حزبياً؟ ونقول: إن السؤال بهذا الوضع خطأ. نعم كل حزب منظم، لكن ما كل منظم حزباً. وكل شيء في الكون قائم على التنظيم. ودون تنظيم لن يتحقق هدف، ويمسي التنظير الفاقد للتجسير مع الواقع سيد الساحة.
والصحيح أن نسأل: هل يمكن تحقيق الإنقاذ من دون تنظيم؟
كيف يمكن مواجهة عدو منظم على جميع الصعد بعمل غير منظم؟!
العلة ليست في التنظيم نفسه، إنما في التحزب.
والتحزب تعصب بالباطل للفئة المنتمى إليها. وهذا موجود في الجهات غير المنظمة أيضاً. فالتحزب موجود بين العشائر بعضها ضد بعض، وفي الأوساط الدينية: السلفية والصوفية. وبين المذاهب الفقهية. وبين طلاب شيخ تجاه طلاب شيخ آخر. فما الحل؟ إلغاء تلك الجهات؟ أم علاج التحزب؟ علاج التحزب داخل المؤسسة بالطرق السليمة هو الحل، وليس بإزالة المؤسسة نفسها.
الأممية والأحزاب والمؤسسات العابرة للحدود
الأممية من المشكلات الكبرى للأحزاب والحزبية، التي حرصنا على أن لا ننزلق إليها.
والمقصود بالأممية: تكوين سياسي يتركب من ثلاثة عناصر: شعور بالانتماء إلى أمة ما، ينبثق عنه فكر، ينعكس على الواقع نشاطاً منظماً يتجاوز الوضع القطري دون النظر إلى خصوصية كل قطر على حدة.
تتحول الأممية إلى مشكلة وخطر يعم الجميع ، حين تعبر الحدود القطرية أو المحلية كتنظيم لا كفكرة مجردة؛ على اعتبار أننا كعرب أو كمسلمين أمة واحدة. ويغيب عن البال أننا– في الواقع – أقطار منفصلة عن بعضها. لكل قطر خصوصيته السياسية والأمنية والقانونية والاجتماعية والثقافية. ولم نعد كما كنا من قبل في بعض فترات التاريخ أمة لها كيانها السياسي الموحد، وأوضاعها الاجتماعية المتشابهة.
الأممية في زمن القطرية.. هي أسوأ ما أفرزته الأحزاب في الشرق منذ مئة عام.
تتمثل الأممية – أكثر ما تتمثل – في الأحزاب القومية والأحزاب الإسلامية. وقد تكون نشاطاً وطنياً لا يراعي خصوصيات كل مكون داخل القطر. أما أسوأ أشكال الأممية فأممية الكهنوت الديني، وأسوأه نظام (ولاية الفقيه).
لا بأس أن يحلم المرء بوجود أمة جامعة. لكن الحلم شيء والواقع شيء. فأن تعيش الأممية إيماناً وشعوراً وحلماً جميلاً، هذا من حقك. أما عندما تتصرف فعليك أن تستيقظ وتهبط من فضائك الحالم إلى أرض الواقع. وإلا فمن أصر على أن يعيش حلمه واقعاً أمسى الواقع الراهن الذي يرفضه اليوم بعد حين حلماً يتمناه ولا يلقاه. والقائد نعم حالم، لا بأس، لكن عليه وهو يسبح برأسه في السماء أن يحافظ على موضع قدميه من الأرض. والقاعدة تقول: (فكّر عالمياً، لكن تصرف محلياً).
الأممية القطرية
ثمت قسم آخر من أقسام الأممية هو الأممية القطرية. وذلك حين يضم قطر ما عدة مكونات: قومية أو دينية، ليس من اليسير التلاقي أو الاندماج بين مكوناتها دون مراعاة هذا التباين لبناء وضع سياسي يناسب ذلك. والعراق مثال.
حين تتحول الأممية إلى كارثة
يجد الفكر الأممي نفسه ملزماً بما تفرضه الأممية عليه من واجبات، ومنها نقل (تجربته التنظيمية) بمختلف مستوياتها، حزباً كانت أم دولة، إلى خارج نطاق القطر الذي نشأت فيه، دون أن ينتبه إلى ضرورة مراعاة لوازم متغيرات الواقع الحادثة. وهذا أمر شرعي أصولي؛ فالحكم الشرعي يتغير زماناً ومكاناً وأعياناً.
في ظل هذا التناشز الحاد بين الفكر والواقع يواجه الفكر الأممي مشكلتين كبيرتين:
- اصطدام التكوينات الحزبية بالوضع السياسي للقطر الآخر.
- تعميم (تجربته الفكرية) بكل ما فيها دون الانتباه إلى الفروق الموجودة بين بلد وآخر، التي تقتضي تحويراً في الفكر أو تقديم فكرة وتأخير أخرى تبعاً للتحديات الخاصة. وهو ما نسميه بـ(بلدنة الفكرة/الثقافة). وقد نصصت على ذلك في كتاب (لا بد من لعن الظلام) الذي كتبته في العام الأول من القرن الراهن.
أممية الفكرة وقطرية المؤسسة
تتكون المؤسسة من عنصرين: الفكرة وما يبنى عليها من تكوين منظم.
ليست المشكلة في الفكرة ما لم تتحول إلى مؤسسة أو حزب منظم يتجاوز الحدود دون اعتبار للأوضاع الخاصة بالقطر الآخر.
نحن نؤمن بأممية الفكرة، ونرفض أممية الحزب أو المؤسسة. الفكرة بطبعها عابرة للحدود ولا ضرر منها ما دامت تتحرك في نطاق ثلاثة شروط:
– أنها تلبي حاجة القطر أياً كان.
– تكييفها عند التطبيق بما يتوافق والوضع القانوني والسياسي والاجتماعي للبلد.
– أن يكون العمل بها تحت عين الشمس، وليس في دهاليز (الأحزاب) المظلمة.
خذ مثالاً على ذلك: الفكرة السنية، في مواجهة الفكر الشيعي المتخادم مع إيران. كل الأقطار – وأولها أقطار المشرق العربي – في حاجة إليها. لذا نحن ندعو إليها جميع المتضررين بالفكر الشيعي. أما التكييف التطبيقي فمن شأن كل قطر. حسب ما يتناسب ووضعه السياسي والقانوني والاجتماعي
إن وعينا بهذه الجوانب الدقيقة هو الذي جعلنا نطلق على مؤسستنا اسم (التيار السني في العراق). فهي كفكرة عابرة للحدود، لكن كمؤسسة هي خاصة بنا نحن السنة العرب في العراق. داعين كل متضرر من المشروع الإيراني أن تكون له مؤسسته الخاصة به ضمن الشروط التي سبق ذكرها. وهذه إحدى آليات تجاوز الحزبية في مشروعنا السني. علماً أن كل حزب مؤسسة منظمة وليس كل مؤسسة منظمة حزباً. فالمدرسة مؤسسة، والمستشفى والمصرف والصيرفة، كلها مؤسسات منظمة لكنها ليست أحزاباً.
انظروا إلى جناية الأحزاب القومية عندما رأت – بحكم الأممية – أن لها الحق في تجاوز حدودها القطرية ونقل تجربتها التنظيمية خارج تلك الحدود. غزو جمال عبد الناصر لليمن مثال. كذلك غزو صدام حسين للكويت. وانظروا إلى جناية الأحزاب الإسلامية على نفسها وغيرها للسبب نفسه. الفوضى التي تضرب المنطقة من ليبيا إلى اليمن على يد الإسلاميين مثال لا تخطئه العين.
تحوطات الانزلاق إلى الحزبية
إضافة إلى هذا الوعي الذي يضع الحد الفاصل بين العمل المنظم والعمل الحزبي، وضعنا أربعة أسيجة تحيط بالمؤسسة تحول بينها وبين الحزبية:
السياج الأول: العمل على أساس أن الولاء لله وليس الولاء للمؤسسة. وهذا معناه: الانفتاح بالعلاقة والود مع الجميع: من هو داخل المؤسسة ومن هو خارجها ما دام مسلماً: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (المائدة:55،56).
أما المخالف في الدين فقسمان:
- قسم مسالم: فنسالمه ونحسن إليه؛ تبعاً لقوله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8).
- قسم محارب: نهينا عن موالاته، كما قال تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة:9).
السياج الثاني: السياج الذاتي الذي يقوم على الشمولية في المفاهيم والعمل. فهي مؤسسة تقوم أولاً على المفهوم المدني بكل ما فيه من شمولية في العقيدة والفكر، والإيمان والعمل. والأنشطة المتنوعة: دينية ومسجدية وشبابية وحقوقية وتعليمية ونسوية ورياضية وأدبية وخيرية وغيرها من المناشط التي لا تقتصر على العمل السياسي الذي هو أساس الحزبية.
السياج الثالث: لا يتم الانتقال إلى أي خطوة لاحقة إلا بعد اكتمال بناء الجسم المدني.
السياج الرابع: القيادة العليا هي لمؤسسة الرأس القائد في الجسم المدني. والقوة المهيمنة تتركز بيدها. أما القيادات السياسية والعسكرية مهما علا منصبها فهي قيادات تنفيذية تابعية. بهذا نكون ارتقينا بفكرنا إلى مستوى دولة المؤسسات، لا دولة الحزب القائد. وإلى مستوى الأمة بعد الدولة.
العهـــــد
- الفرق بين العهد والبيعة
يخلط الكثيرون بين العهد والبيعة.
لكننا نفرق بين هذا وهذه؛ فالبيعة للحاكم الشرعي الممكن له. أما العهد فمَـوثِق يجري بين أي جهتين بينعهما عمل مشترك حتى وإن كانت الجهة متكونة من شخص واحد. كما في:
- العهد الذي كان بين الرجل الصالح والنبي الكريم موسى u على رعي الغنم مقابل الزواج من بنته: (قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) (القصص:28).
- ومثله العهد بتسديد الدين: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (آل عمران:75-77).
فالعهد وعد بالوفاء بالشرط أو العقد موثق بجعل الله تعالى فيه شاهداً وحفيظاً.
ولا توجد دائرة إلا وبين الموظف والدائرة عهد، ولا عمل تجاري أو سياسي أو غيره إلا وبين الطرفين عهد، لكنه على شكل عقد مكتوب وموقع وموثق رسمياً فيه شرط وشرط مقابل. لكننا لسنا جهة رسمية أو تجارية حتى يمكننا فعل ذلك؛ فنكتفي فيه بالتعهد اللفظي بالعمل حسب الاتفاق تعهداً نشهد الله تعالى عليه. هذا كل ما في الأمر. وليس عقود الوظيفة أو التجارة أو السياسة بأعظم من عقد على إنقاذ أهل السنة وتحريرهم من استعباد الشيعة واضطهادهم.
- وجوب الإيفاء بالعهد وخطورة نقضه
في القرآن الكريم آيات كثيرة توجب الالتزام بالعهد وتحث عليه، وتحذر من نقضه بعد عقده. يجمع مدير جلسات (الإحاطة) إضمامة منها، مثل قوله جل جلاله:
- (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (الإسراء:34).
- (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) (المؤمنون:8).
- (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (آل عمران:75-77).
وليستحضر العامل لله تعالى أنه مهما كانت منزلته فلن يكون كنبي الله ذي النون u. الذي ترك قومه دون أن يستأذن ربه في ذلك. وكيف يأذن له وهو لما يستكمل ما عليه من واجب تجاههم. ورغم منزلته وقربه عاقبه ربه تلك العقوبة الرعيبة!
(وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) (النساء:81).
[1] – حسنه ابن حجر في (فتح الباري). وحاط الشيء، وأحاط بالموضوع عرفه وتناوله من جميع جوانبه.




إرسال تعليق