علوم أساسية - علم النفس
علوم أساسية في ( منهاجنا )
ثلاثة علوم
ثلاثة علوم مهمة جداً (علم النفس والاجتماع والتاريخ)، تكاد تكون غائبة عن برامج الدعوات التغييرية التي أدركناها. ربما تجد لها إشارات في تلك البرامج، وقد يُدرس أحدها أو شيء منها، ولكن ليس من باب أنه جزء لا يتجزأ من المنهج الفكري التوعوي، والتغييري التطويري التنموي، وإنما من باب أنه علم مفيد كبقية العلوم ينتبه له حيناً ويُهمل أحياناً.
فيما يلي إشارات عن أهمية هذه العلوم. والتوسع فيها يطلب في مظانه. ونحن نتطلع أن نبلغ درجة عدم اتخاذ قرار في أي اجتماع شوروي دون وجود متخصصين في علم النفس والاجتماع والتاريخ. وكلي أمل بأننا سنبلغ هذا الهدف بعون الله جل في علاه.
- علم النفس
علم النفس يفيدنا في فهم النفس البشرية طباعاً وميولاً، وكيف نتعامل معها ونؤثر فيها ونتأثر بها. أي كيف نصوغ خطابنا ونوجهه لغيرنا، وكيف ينبغي أن نتلقى خطاب الغير. ولا يقل عن ذلك أهمية معرفتنا بأنفسنا وطباعنا ودوافعنا الذاتية وعللنا النفسية لنعالجها.
من خلال علم النفس نعلم أن الإنسان – بالدرجة الأولى – مخلوق نفساني لا جثماني ولا عقلاني. فهو – بحكم طبعه – يريد بنفسه ثم يبرر بعقله، ويندفع بقدمه. لكن إذا وعينا ذلك، ودخل (الكتاب) في المعادلة، وكانت ثمت نفس قابلة، عرفنا كيف نعالج هذا الخلل.
في غياب هذا الوعي تحوّل تفكير معظم الناس من رحاب عقولهم إلى دهاليز نفوسهم. فتجد أحدهم يفكر بنفسه لا بعقله، وتنحصر وظيفة عقله بالتبرير لمطالب النفس، لا التنوير المطلوب: تفكيراً وتفسيراً. وما دام المرء كذلك فلن يبلغ عقله نقطة التوهج التي يصل على ضوئها إلى النتيجة الإيجابية المنشودة. (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام:122).
علم النفس يضعنا أمام أنفسنا وجهاً لوجه. فبه – مثلاً – ندرك مدى أثر (الإسقاط) في حياة البشر! تلك الحيلة التي يحوِّل بها الإنسان نقائصه إلى غيره، وقد يحارب ذلك الغير ويعاديه ويتعنت في ذلك، وهو لا يدري أنه – في الحقيقة المترسبة في قعر اللاوعي – يحارب ذاته ولكن… في ذات غيره.
منهجية الحماس وصناعة الإحباط
لست هنا في مقام تفصيل فوائد هذا العلم الغائب عن مناهج المؤسسات السائدة، والتي تبنت على عاتقها – كما تقول – مَهمة التغيير الاجتماعي، وأولها تلك المؤسسات التي تريد التغيير طبقاً للمنهج الرباني؛ فلذلك موضعه. إنما أقصد أن أضرب أمثلة توضح المراد يمكن البناء عليها والنسج على منوالها.
الأمل إيمان وطاقة ونشاط، والقنوط كفر وحسرة وقعود. وللإسلام منهجه في غرس الأمل وجني ثماره الطيبة: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف:87). وللمؤسسات السائدة منهجها في غرس اليأس وحصاد الشوك!
شرطان للنصر في الإسلام: التزام الحق وحمل النفس على الصبر. والمسلم منتصر ما دام ثابتاً على طريق الحق. ذاك يعني أنه وفى بالعهد، وحاز الشرط. وقد ورد التعبير عن الشرط المزدوج (الحق والصبر) بصيغ متعددة:
(قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) (الأنعام:57).
(وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر:1-3).
من أول الطريق يصارحك بأن المسار طويل والمسير صعب والسائر في كبد. ويبين لك أن لكل هدف وسيلته، فلا يكفي لبلوغ الهدف كونك على الحق ما لم تلتمس له أسبابه من وجوهها. ثم تنتظر حكم الله تعالى، ولا تستعجل النتيجة. فالعمل مع الله يجري على قاعدة (أدّ ما عليك ثم ما عليك).
يقول تعالى: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21). ولنا أن نسأل: كم مرت من سنين بين العبودية والتمكين؟ ويقول تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص:5،6). ثم انطلقت رحلة التمكين لبني إسرائيل فكانت طويلة؛ ابتدأت بمولد القائد المؤسس: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص:7). واستغرقت حياته كلها وتجاوزتها إلى الجيل – أو أكثر من جيل – من بعده: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (البقرة:246). وجاء جيل آخر هو جيل طالوت وداود فكان على يده التمكين. والآن هل لك أن تجيبني: كم مرت من عقود بين التمكين الموعود وظهوره حقيقة في عالم الوجود؟
في كل الأحوال يبقى الأمل في قلب المؤمن لا يفارقه مهما اشتد الخطب، وادلهم النهار، وقل الناصر وكثر الخاذل. والعقد هو العقد ماضٍ على سنة (أدّ ما عليك ثم ما عليك). بل قد تكون هذه الحال علامة على اقتراب الفرج: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (يوسف:110).
قارن هذا مع الثقافة الراهنة، القائمة على بذل الوعود سخية بالنصر، وربطه بمجرد الحق، في غفلة عن شرط الصبر. متغافلين عن المضامين الحقيقية لكلا الشرطين. فمن الحق إعداد العدة، ومن الصبر عدم استعجال المدة.
لو قلت: إن كل الجهات العاملة مطبقة على هذه الثقافة: قولاً وفعلاً لا أظنني عدوت الحقيقة. والمقتصد المقتصد من أقر بالقول، وخالف بالفعل. الكل في عجلة من أمرهم. فصائل الجهاد طراً، والسياسيون جمعاً، والخطباء كلاً. الجميع ينتهج مع الجماهير خطاباً حماسياً يجعلهم يعيشون هاجس النصر على مرمى خطوة أو هو أقرب، قطعاً ويقيناً.
كم شهدت مِنصات (الحَراك) على اختلاف من علا عليها في المحافظات السنية العراقية التي انتفضت طوال 2013.. من قسَم معظَّم على أنهم منصورون يقيناً لا يعتريه ريب، ولا يشوبه شك! والدليل الوحيد على ذلك هو الدعوى بأنهم على حق. والحق عندهم هو (الإيمان) مجرداً عن (النصرة). و(النصرة) هي القوة بمفهومها العسكري بعيداً عن الأساس المدني. والمدني عنده هو السياسة وإن كانت في معزل عن القوة.
خبط عشواء، وحركة في عماء. بعيداً عن معرفة النفس البشرية ومحركاتها، وغيبة عن معرفة وبيان سنن الله في خلقه ودورها في استجلاب نصره. وما يقابل ذلك من معوقات في حاجة إلى إزالة، وعقبات في حاجة إلى اقتحام. ثم لا ترى بعدها غير الأشلاء والدماء، وتغول الطغام وتسيد الدهماء. وانفضاض الجماهير آيسة محبطة.
إهمال علم النفس ودوره في غياب المنهج مع حضور التشريع
قس على ما سبق مثلاً:
المسارعة إلى إقامة الحدود، والأحكام الفقهية، دون الالتزام بضوابط التطبيق ومنهجيته الشرعية القائمة على (فقه المقاصد)، وهو فقه يراعي طبيعة النفس وقوانين الاجتماع. هذا مع ضعف التفريق بين الشريعة كتنزيل رباني، والفقه كمنتوج فكري بشري.
ينفذ ذلك شباب بهذا الفهم المجتزأ، يسيطرون على بعض المدن بقوة السلاح ويسمونها دولة. وهي غير قادرة على دفع أهم مستحقين على الحكومة تجاه الشعب: توفير مقومات الأمن والرزق.
ينفذونه على ناس لم يبلغ الزمن بهم مستحقه من الفهم والترويض على أحكام الشرع. متوهمين أن هذا هو معنى (تحكيم الشريعة).
أضف إلى ما سبق جزئية قد تبدو للبعض صغيرة، لكنها في ميزان علم النفس وأسرار قيادة الناس كبيرة، هي ارتداء حملة السلاح لباساً غريب الهيئة مستورداً من بيئة بعيدة إلى بيئة أُخرى لم تألفه، ومن الصعب أن يجد إلى نفوس أهلها سبيلاً أو قبولاً.
ليت هؤلاء يدركون أن الإنسان مخلوق نفساني لا جثماني. وأن هيئة الملبس أحد مفاتيح النفس البشرية، شأنها شأن اللغة واللهجة والعادات والطباع والأعراف لها أثرها في التلامس النفسي والتمازج الاجتماعي، وصناعة البيئة الداخلية الحاضنة. ولو كان المتصدرون على دراية بعلم النفس والاجتماع ما ارتكبوا في حق أنفسهم ولا أقوامهم هذه الإساءات.
مراعاة التشريع الرباني للنفس البشرية في جميع أحوالها
راعى الإسلام في تشريعاته جميعاً الجانب النفسي في الإنسان في جميع أحواله، بدءاً بالإيمان (وأساسه العقيدة) وانتهاء بالسياسة مروراً بالعبادات والمعاملات بلا استثناء. فدخل بالإنسان إليها من باب النفس. ويظل هذا الباب يلازم البابين الآخرين وهما باب العقل، وباب الروح.. في مزيج متجانس يصعب كثيراً التمييز بين مكوناته قبل بذل جهد كبير.
اقرأ سورة (الفاتحة) وتأمل معنى الابتداء باسم (الله) من جانبه النفسي، وما يشيعه هذا الاسم العظيم (اللَّهِ) موصوفاً بـ(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) من تطمين وأمان، هو أفضل مدخل للقراءة، ولكل عمل صالح. وقف عند (الْحَمْدُ)، ثم استمر مع أسماء الله وصفاته التي تضمنتها السورة. وطأطئ رأسك مستحضراً عظمة ربك وحقيقة نفسك وأنت تتلو (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). وهل رأيت كم هو عظيم ولطيف هذا الطلب: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) بحيث أفرد من بين جميع المطالب، وجعل مدار حاجة الإنسان تجاه الرحمن! فإذا نظرت وأنت تقرأ (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) فرأيت مواكب الهداة من الأنبياء والصالحين تترى أولها عند آدم u وآخرها عندك، يتوسطها (السراج المنير) e وأنت تسلك الطريق إلى الله آخذاً محلك بين هذه المواكب النورانية.. عرفت سراً من أسرار قوله تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الحشر:21). لا سيما إذا أتبعتها بتلك الباقة العطرة من (أسماء الله الحسنى) التي ختمت بها السورة: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الحشر:22-24).
ليس بالإمكان متابعة تعاليم الإسلام باباً باباً – ولو بالإشارة – حول مراعاته جانب النفس في الإنسان. لكن أقتطع من السيرة هذين الموقفين، مع ما بينهما من بون؛ إذ أحدهما في الإيمان وثانيهما في السياسة، لكن يجمع بينهما علم النفس:
شاهد على استثمار علم النفس في الإيمان
يرى النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى الغزوات مشهداً إنسانياً مؤثراً فاستثمر المشهد لإثارة العقل، ولكن من باب النفس، نحو سعة رحمة الله تعالى بعباده. روى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلَّب ثديها تسعى، إذ وجدت صبياً في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم : (أترون هذه طارحة ولدها في النار)؟ قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال: (لله أرحم بعباده من هذه بولدها).
شاهد على مراعاة علم النفس في السياسة
إبان مفاوضات (الحديبية) ترسل قريش أحد مفاوضيها، فيكسبه النبي صلى الله عليه وسلم بحركة عجيبة لم تزد على أن استثمرت المعرفة بأسرار النفس استثماراً طريفاً بحيث لم يبذل سيد الساسة طراً e كلمة ولا جهداً، سوى أن نظر إلى الخلفية النفسية للمفاوض القادم ليوظفها في خدمة هدفه السياسي، ثم ترك حيوانات عجماء تتولى الأمر مع ذلك المفاوض!
روى الطبري في (تاريخه) قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، قال في حديثه: ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة- أو ابن زبان- وكان يومئذ سيد الأحابيش، وهو أحد بلحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه). فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، قد أكل أوباره من طول الحبس، رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاما لما رأى. فقال: يا معشر قريش، إني قد رأيت ما لا يحل صده: الهدي في قلائده، قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله. قالوا له: اجلس، فإنما أنت رجل أعرابي لا علم لك.
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر أن الحليس غضب عند ذلك، وقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أن تصدوا عن بيت الله من جاءه معظماً له. والذي نفس الحليس بيده لتُخلُّن بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد! قال: فقالوا له: مه! كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به([1]).
هل تأملت مدى علاقة علم النفس بجوانب الحياة جميعاً التي جاء الإسلام لإصلاحها وتنميتها!
نعم، لا يخرج الحقل التشريعي الرباني البحت عن مراعاة الجانب النفسي للإنسان: فرداً ومجتمعاً. وإن أدنى تأمل في ذلك يعود منه صاحبه بحقيقة ظاهرة هي أن الإسلام راعى في أحكامه الشرعية شيئين: علم النفس من حيث خطاب الفرد، وعلم الاجتماع من حيث خطاب المجتمع. خذ مثالاً على ذلك المنهجية الربانية في علاج ظاهرة شرب الخمر وظاهرة الرق. وللتفصيل موضع آخر.
مراعاة النفس أصل شرعي لكل الأجيال لا حالة مؤقتة بالجيل الأول
ما أريد الخروج به هو أن مراعاة هذين الجانبين ليس حالة مؤقتة كان مناطها خاصاً بذلك الجيل، إنما هي حالة دائمة مناطها شخصية الإنسان في مظهريه: الفردي والجمعي. ولو علم المتصدرون هذه الحقائق لما خفّوا إلى تنفيذ أحكام الشريعة قبل تطبيق منهجية الشريعة في تنفيذ أحكام الشريعة. فبهذا وحده يكون الإنسان: فرداً ومجتمعاً مهيأً نفسياً وعقلياً وجسدياً للعمل بالشريعة وتحويلها إلى حقيقة حضارية تمتد طويلاً في الزمان والمكان؛ لأنها أخذت مداها عميقاً في داخل الإنسان وداخل المجتمع.
القائد عالم نفس
علينا إذن أن نضع معلماً ثابتاً من معالم القيادة، هو أن يكون من شرط القائد على اختلاف مرتبته أن يكون على دراية بعلم النفس. ويوثق ذلك بشهادة علمية من معهد أو جهة معتبرة. يضاف إلى تلك الدراية بهيكلها العلمي أساسها الرباني القائم على مزج العلم الطبيعي بالعلم الشرعي، وأساسها الواقعي القائم على تطويع هذا العلم للواقع السني، شأنه شأن بقية العلوم في مؤسستنا. ويخضع لاختبار لجنة خاصة في المؤسسة متخصصة بعلم النفس والاجتماع تصادق على صحة الشهادة الممنوحة بأسسها الثلاثة: العلمية والربانية والواقعية.
[1]– قال المحقق الدكتور محمد طاهر البرزنجي (صحيح تاريخ الطبري السيرة النبوية:2/214): إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف. ولكن أخرجه ابن هشام بسند حسن عن طريق ابن إسحاق (3/312).



إرسال تعليق