المعالم الأساسية للتجديد الذي أحدثه معاوية بن أبي سفيان

الكاتب: الدليميتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق


المعالم الأساسية للتجديد الذي أحدثه معاوية بن أبي سفيان


العلم والإبداع والمعرفة نتاج شيء واحد هو التفكر ولكن بطريقة التدبر. والتدبر هو تركيز شعاع العقل على الفكرة وتقليبها والتعمق في لبابها، مأخوذ من ملازمة دبر الشيء، أي متابعته الدائمة.

وما أتي الفكر كما أُتي من السطحية والتقليد وتقديس غير المقدس..!

بعد ست سنين من حكم سيدنا عثمان بدأ الاضطراب يدب في جسد الدولة، واستمر هذا الاضطراب واشتد ست سنين انتهت بقتله. وجاء من بعده سيدنا علي فحكم خمس سنين ازداد فيها الاضطراب وتصاعد حتى ختم بقتله. إحدى عشرة سنة بخليفتين والدولة كسفينة تتلاعب بها الأمواج. ثم جاء سيدنا معاوية فأنهى تلك المرحلة المضطربة وحقق ما كان يتمناه الخليفتان الراشدان من قبله فلم ينالاه، وحكم الدولة عشرين سنة نعمت فيها بالأمن والاستقرار والنمو والعدل والرحمة ونشر الرسالة في الخافقين.

 

التحديات الحادثة والاستجابة الغائبة

لقد تغير الواقع الذي تحكمه الدولة بعد عشرين سنة من وفاة النبي :

1. كانت الدولة صغيرة المساحة فتمددت وتوسعت أضعافاً مضاعفة.

2. بعد أن كانت الدولة يغلب عليها الجيل الذي تربى على يد النبي فهو عارف بالدين ملتزم به إلى أبعد الحدود، دخلت فيها شعوب كثيرة متعددة الأعراق والثقافات، منخفضة الفهم والتدين، ضعيفة الولاء. كثر فيها الحاقدون ذوو الثارات المتربصون سوانح الفرص كي يعيدوا الأمور إلى ما كانت عليه.

3. حصلت فجوة كبيرة بين الجيلين: القديم والجديد من حيث التدين والثقافة والعقلية والنفسية، لم يتمكن الجيل الأول من ردمها بالتكيف الطبيعي مع متغيرات الجيل الثاني.

مجمل القول: إن الوضع الجديد بات في حاجة ماسة إلى سياسة جديدة تستجيب لهذه المتغيرات. فهو في حاجة إلى..

  • جهاز استخباري يحمي القيادة من المندسين.
  • وجود كتيبة حماية للحفاظ على أمن العاصمة، وإحاطة الخليفة بحرس خاص.
  • سن قوانين تحد من تدفق العلوج وحديثي العهد بالإسلام إلى المدينة وما جاورها.
  • نقل عاصمة الدولة إلى مكان أنسب من المدينة يأخذ بالحسبان الجغرافيا الجديدة.
  • استحداث آلية لولاية العهد قبل أن يموت الخليفة فجأة لأي سبب فيؤدي ذلك إلى الخلاف والشقاق وتفكك الدولة.

لكن هذا لم يحصل فكان الثمن اختفاء ثلاثة خلفاء غيلة وقتلاً.

وإذا كان قتل الخليفة الأول (عمر) لم ينتج عنه كبير اختلال، فإن قتل الخليفة الثاني (عثمان) كان انقلاباً عسكرياً بكل معنى الكلمة أدى إلى انقلاب سياسي تولى فيه القتلة زمام الأمور فكانوا هم المتحكمين بشؤون الدولة. وقد عبر الخليفة الجديد عن هذا الوضع السياسي الغريب بوصف المتحكمين فيه بأنهم "يملكوننا ولا نملكهم". وفي المقابل وصف نفسه بعدم القدرة على إصدار الأوامر وتنفيذها فقال واصفاً نفسه: "لا رأي لمن لا يطاع".

لا بد إذن من تغيير يتناسب والواقع الجديد. تغيير ينتقل بالخلافة من البساطة وأخذ الأمور على ظاهرها إلى نمط يجنح بها إلى التطور لترتقي في مدارج المُلك: أمنياً وعسكرياً وسياسياً واقتصادياً وعمرانياً. فيكون المُلك هو الحكم الرشيد الذي يتطلبه الواقع الجديد. وهو التعبير الأمثل عن الحكم الإسلامي في طوره المناسب للمتغيرات الحادثة. وإلا تطور الاختلال من انقلاب سياسي إلى زوال الدولة الإسلامية نفسها!

 

فكانت الشام وكان معاوية

كان الواقع الجديد في حاجة ماسة إلى أن يستلم الحكم رجل من الجيل الثاني، ذي قابلية أكبر على مواكبة المتغيرات واستيعابها بمرونة أوسع. من أسرة مارست الحكم، على شعب أو مجتمع ذي طبيعة مقاربة للمجتمع الجديد في عقليته ومفاهيمه ورغباته وشعوبه المختلفة. وأن ينطلق بالحكم من بلاد مؤهلة لأن تكون مركزاً وعاصمة لهذا المجتمع الجديد في موقعها وطبيعة أهلها. فكانت الشام تلك العاصمة الصالحة المؤهلة.

كان معاوية ذلك الرجل. وكانت الظروف مواتية له لأكثر من سبب: وجوده بينهم عشرين سنة أميراً. وكونه ولياً لدم الخليفة المسفوح هدراً. وكونه قائداً محنكاً قديراً مبدعاً نابغة، سليل أسرة عرفت بالمقدرة السياسية وممارسة الحكم من ناحية، وكونها أقوى أسرة في قريش فكانت "العصبية" - أي نواة قوة الدولة الصلبة - فيها من ناحية ثانية.

وزيادة في بيان كيفية تجاوز الزمن لآليات وأدوات السياسة السابقة، وحاجة الدولة إلى آليات وأدوات سياسية جديدة مناسبة، عندما لم تستجب لها الدولة اضطربت حتى تشققت وانقسمت وتدهورت، وحين أخذت بها توحدت واستقرت وتطورت.. إليكم هذا التفصيل:

 

ما هو التجديد ؟

التجديد لغةً هو إعادة الشيء إلى ما كان عليه قبل التغيير.

وفي الاصطلاح هو: "الرجوع بالدين إلى ما كان عليه أول عهده قبل ظهور الفرق، وإحياء ما اندرس منه، ونشره بين الناس. والاجتهاد في نهوض الأمة، واستعادة وترسيخ دورها القيادي وعطائها الحضاري وتطويرِه طبقاً للدين الثابت في الواقع المتغير"([1]).

فالتجديد حركة شمولية تعم الدين والدنيا. ويقوم على إحياء ما اندرس أو اختل من الأسس التي ينبني عليها هذا وهذا. أما الاختلال في الدين فيكون في شيئين أحدهما أو كليهما: أصول المفهوم، أو أصول الفهم. والمقصود بأصول المفهوم أصوله المعلومة كالإيمان والتوحيد والصلاة. والمقصود بأصول الفهم قواعد وأطر التعامل مع الدليل للوصول إلى المدلول أو المفهوم. وأما الاختلال في الدنيا فيكون باختلال الأسس التي تقوم عليها مصالح الناس في رزقهم وأمنهم. وأهمها الاقتصاد والسياسة والأمن الداخلي والخارجي والقضاء والصحة والتعليم والعمران.

 

شدة الحاجة إلى التجديد السياسي وضعف الحاجة إلى التجديد الديني

لم تمر فترة كافية إلى عهد معاوية ليحصل خلل في أصول المفاهيم الدينية. إلا ما كان من:

1. اللوثة الكسروية في العراق التي تحصر الحكم في (بيت الدين)، والتي لما تظهر بعدُ واضحة آنذاك، ثم بدأت تفصح عن نفسها شيئاً فشيئاً، وكان أول تباشيرها استدعاء الحسين إلى العراق ليستلم الحكم من هناك. ثم تطور الأمر بعد ذلك أكثر فرفع الهاشميون بفرعيهم العباسي والعلوي شعار (الرضا من أهل البيت). ولم يجد هذا الشعار بيئة ينبت ويترعرع فيها أفضل من خراسان لأنها موطن الفرس المجوس. كما لم تجد بيئة في أرض العرب تثمر فيها أفضل من كوفة العراق لتأثر العقل العراقي بتلك اللوثة منذ زمن بعيد، ولأن الكوفة صارت بؤرة لتجمع للفرس، وغيرهم من بقايا العناصر الجاهلية وأصحاب الديانات الوثنية كاليهود والنصارى والصابئة. وأرى أن العهد بالخلافة إلى يزيد كان ضربة استباقية غير مقصودة لهذا المفهوم السياسي الديني الجاهلي.

2. حصول شيء من اختلال أصول الفهم في البيئة الحجازية نتيجة التمسك الشديد بالدين؛ فهي الحاضنة الأولى والمربية الرؤوم له، ونتيجة الخوف من أن يصاب بأي انحراف مهما كان صغيراً. أدت هذه الحساسية إلى شيء من الجمود على ظاهر النص تعدى مجاله الديني البحت (الإيمان والعبادة) إلى االسياسة. وكان العهد بالخلافة إلى يزيد ضربة أيضاً غير مقصودة أدت إلى اهتزاز هذا الفهم ويقظته من جموده.

مجمل القول: ما زالت الحياة - في جانبها الديني - جيدة. فلم تكن في حاجة ماسة إلى مجدد في مجال الدين بمعناه البحت (الإيمان والعبادة)، سوى ما ذكرناه من بداية بروز لوثة حصر الحكم السياسي في (البيت الديني)، وظاهرة الجمود في التعامل مع النص.

لكن الخطورة جاءت من الخلل الكبير الذي أصاب أصول الحياة في جانبها الدنيوي، وأهمه السياسة والأمن والاقتصاد. فكانت الدولة في حاجة ماسة إلى تجديد في هذا المجال.

وإذا علمت أن التجديد ليس من شرطه الإتيان بجديد، ستدرك لماذا لن أركز في كلامي عند تناول تفاصيل المعالم الأساسية لاحقاً على جميع المنجزات الجديدة لمعاوية. وأركز على ما كان تجديداً حقيقياً احتاجه عصره في السياسة والأمن والاقتصاد. تلخصت في الاستجابة المرنة المناسبة لمتغيرات الواقع. فسد الثغرات الخطيرة التي أحدثت في البناء، وعاد به إلى سابق عهده من حيث القوة والمتانة، وزاد عليه. وهذا هو المعنى الحقيقي للتجديد.

ما أكتبه هنا خطوط عامة في حاجة إلى بحث، وبحث مقارن. ليس هذا موضعه. لن أتبع فيها التسلسل التاريخي، إنما أجتهد في ذكرها حسب أهميتها..

 

أولاً : تجديد معاوية في مجال السياسة

بعد مرور ثلاثة عقود على وفاة النبي أصيبت سياسة الدولة بأنواع من الخلل يأتي على رأسها أربعة أمور:

1. لين على طول الخط في غير وقته (عثمان)، أعقبته شدة على طول الخط في غير وقتها (علي).

2. أخذ الناس على ظواهرهم مع تغير الناس عن حقائقهم.

3. عدم مناسبة العاصمة للدولة الجديدة.

4. ترك تعيين الخليفة القادم حتى وفاة الخليفة القائم أو قبيل ذلك بقليل.

فكان لا بد من تجديد تسد به هذه الثغرات، وترميم بناء السياسة لإعادته إلى سابق عهده، والانطلاق به صعداً في مدارج أوجه.

وكان معاوية صاحب هذا التجديد. وصاحب السياسة الجديدة الصالحة لانتشال الدولة مما آلت إليه من تمزق وتناحر وتوقف عن النماء والعطاء، ثم وضعها على السكة لتمارس دورها مرة أُخرى في مدارج الارتقاء وقيادة العالم.

 

1. التوسط بين اللين والشدة

كان أحد أسباب تدهور الدولة الذي بدأت علاماته بالظهور في النصف الثاني من خلافة عثمان وطيلة عهد علي هو لين في غير وقته تميز به عثمان على طول الخط، وشدة في غير وقتها تميز به علي على طول الخط. ولو استمرت الحال على ما هي عليه من اللين الخالص أو الشدة الخالصة لانزلقت الدولة إلى ما لا يعلم مداه من التدهور إلا الله.

لم يكن معاوية ليناً على طول الخط كعثمان، ولا شديداً على طول الخط كعلي. لقد انتهج الحاكم الجديد منهجاً وسطاً بين اللين والشدة، وسياسة جديدة عبّر عنها بقوله: "لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني. ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت. قيل: وكيف ذاك؟ قال: كنت إذا مدّوها خلّيتها وإذا خلّوها مددتها"[2]. وقد أطلق فيما بعد على هذه السياسة مصطلح (شعرة معاوية) أخذاً من ذلك الجواب.

ساعد على ترسيخ وتنمية هذه السياسة صفات تميز بها معاوية. يأتي في مقدمتها الذكاء والدهاء، فقد كان رابع أربعة من العرب يضرب بهم المثل في الدهاء. وهو رزانة العقل، وقوة البصيرة، وحدة النظر في الأمور، وسعة الحيلة، وحسن التخلص في العظائم، والنظر في المآلات، والقدرة على حل المشكلات.

كما تميز معاوية بالحلم وسعة الصدر، جعلت ابن عباس يقول فيه: "ما رأيت رجلاً كان أخلق للملك من معاوية. كان الناس يرِدون منه على أرجاء واد رحب. لم يكن بالضيق الحصر العصعص المتغضب"([3]). وهذه الخصلة جعلتهإضافة إلى صفات أُخرى - يتربع على إحدى صفات القيادة العظمى، ألا وهي (الاستيعاب)، فكان معاوية قائداً من الطراز الأول. حتى إن ابن عمر جعله في القيادة في مرتبة لا تعلوها سوى مرتبة رسول الله! فقال: ما رأيت أحداً بعد رسول الله أسود من معاوية. قال الراوي: ولا عمر؟ قال: كان عمر خيراً منه، وكان معاوية أسود منه[4].

 

2. تغيير السياسة السابقة في أخذ الناس على ظواهرهم دون تثبت

لقد تربى جيل عثمان وعلي على معانٍ سامية تطبعوا عليها تصلح لمجتمع من طراز خاص يغلب عليه الصدق والصراحة والتدين. منها أخذ الناس على ظواهرهم في زمن تغير فيه الناس عن حقائقهم.

وقد طغى هذا الشعور الجميل حتى تجاوز الضوابط الشرعية والمنطقية في كثير من الأحيان.

فسيدنا عمر بن الخطاب ، لما قال له فيروز: لأصنعن لك رحى تتحدث بها الناس في الآفاق، اكتفى بأن قال: "توعدني العلج"([5]). وترك "العلج" يسرح ويمرح دون متابعة أو تحقيق حتى نفذ وعيده!

وعثمان بن عفان ركب إليه كميل بن زياد مزمعاً قتله، وكان جالساً في السوق يرصده حتى أتى عليه عثمان فثاوره فوجأ عثمان وجهه، فوقع على استه، وقال: أوجعتني يا امير المؤمنين! قال: أولست بفاتك! قال: لا والله الذي لا إله إلا هو، فحلف وقد اجتمع عليه الناس، فقالوا: نفتشه يا أمير المؤمنين، فقال: لا، قد رزق الله العافية، ولا أشتهي أن أطلع منه على غير ما قال. وقال: إن كان كما قلت يا كميل فاقتد منى- وجثا- فوالله ما حسبتك إلا تريدني. وقال: إن كنت صادقاً فأجزل الله، وإن كنت كاذباً فأذل الله وقعد له على قدميه وقال: دونك! قال: قد تركت فبقيا حتى أكثر الناس في نجائهما[6].

إن هذه التصرفات الرحيمة ما عادت تنفع مع الناس، وما عاد الناس ينزجرون بها. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) (الحجرات:12). قال: (كثيراً من الظن) ولم يقل (كل الظن). وهذا في أوضاع هادئة راقية. أما إذا تغيرت الأوضاع وانقلبت الأحوال فيكون كلّ شيء بحسبه. واحتاج المعنيّ إلى الثبت والتحسس والتجسس وبث العيون ومراقبة مواطن الفتن.

أدت هذه السياسة إلى استشراء أعداء الداخل من الشيعة والخوارج في العهد السابق حتى اغتالوا عمر، و(انقلبوا) على عثمان، وسيطروا على دولة علي. ولم يبق إلا الخطوة الرابعة ليقضوا على الدولة ويعيدوها فارسية مجوسية.

فجاء معاوية وقطع عليهم الطريق بسياسة جديدة تجمع بين تطمين الصالحين ومراقبة المندسين والفاسدين.

 

3. تغيير العاصمة

لقد تغير وضع المدينة المنورة بعد توسع الدولة بالفتوحات، ودخول أقوام كثيرة ضمن نطاق الدولة فما عادت تصلح لقيادة هذه الدولة الشاسعة الواسعة.

  • فمن ناحية العنصر البشري: انتقل منها إلى غيرها أغلب الصحابة. وكانت ثقافة عامة أهل الحجاز ثقافة فقهية في حاجة إلى مرونة لاحتواء الشعوب الجديدة. وكان يغلب على علمائها فقه الدين البحت أكثر من فقه السياسة والعسكرية.
  • ومن ناحية الجغرافيا: أمست المدينة بعيدة عن أطراف الدولة الجديدة.
  • ومن ناحية الاقتصاد: صارت مستهلكة لا منتجة للمال.
  • ومن ناحية القوة: فهي أضعف المدن والأقاليم رغم كونها العاصمة. ليس فيها كتيبة واحدة لحمايتها؛ ما أطمع أراذل الناس فيها وفي خليفتها.

يبدو أن معاوية أدرك منذ وقت مبكر أن المدينة ما عادت صالحة لأن تبقى عاصمة للدولة. فقبل عام من مقتل عثمان اقترح عليه أن يتخذ من دمشق بدل المدينة عاصمة لدولته، فلما أبى اقترح عليه أن يرفده بكتيبة عسكرية من أهل الشام لحمايته. ورفض سيدنا عثمان كلا المقترحين!

كشف ذلك عن نظر سياسي ثاقب لمعاوية أدرك به أن المدينة المنورة ما عادت تصلح كعاصمة، وأن أهلها باتوا من الضعف عن ممارسة القيادة إلى درجة أنهم ما عادوا قادرين على حماية أنفسهم. وثبت صدق هذه الرؤية الاستشرافية بعد عام واحد فقط من ذلك، فقتل الإمام عثمان بن عفان على يد مجموعة من الرعاع قدموا من مصر والعراق، دون أن يغني عنه من حوله شيئاً.

كانت الحاجة ماسة إلى عاصمة وسط بين الشرق والغرب أقرب نسبياً إلى أطراف الدولة، آخذين بنظر الاعتبار احتواءها على عنصر بشري صالح لقيادة الأخلاط الجديدة التي تدفقت فغيرت من الشخصية الجمعية للشعوب السابقة التي كانت تتكون منها الدولة. فكانت دمشق أنسب العواصم. أما الكوفة التي اتخذها علي عاصمة له بدل المدينة فقد كان العنصر البشري المتوفر فيها غير صالح للقيادو ولا للانقياد، على العكس من العنصر البشري في دمشق. إنها تمثل خطوة وسطى غير مكتملة بين القديم والجديد. وكأن سيدنا علي كان قدره أن يمثل عهده فترة انتقالية بين العهدين.

 

4. حسم أمر تعيين الخليفة القادم في حياة الخليفة القائم

أدى ترك تعيين الخليفة القادم حتى وفاة الخليفة القائم أو قبيلها بقليل إلى وقوع مفاجآت أشغلت الخليفة المتوفى عن حسم ولاية العهد فقاد ذلك إلى حروب داخلية، وانشغال الأمة بجراحها عن أداء رسالتها العالمية. وذلك مرتين من أربع مرات سبقت عهد معاوية: فالتماهل في تعيين الخليفة الجديد حتى تدنو وفاة الخليفة السابق أدى إلى أن يقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان دون وقبل أن يتمكن من تعيين خلف له. وقاد ذلك إلى حروب وفتن استمرت خمس سنين! إن السياق السابق القائم على عدم تحديد إجراء معين لاختيار الخليفة الجديد (بيعة الصديق، العهد لعمر، العهد إلى ستة اختاروا عثمان) يصلح في وضع نموذجي مستقر، وهو أمر خاضع لظرفه وليس أمراً تعبدياً واجباً اتباعه بحذافيره. أما في الوضع المضطرب فلا يزيده ذلك إلا اضطراباً على اضطراب، فكان ما كان بعد مقتل عثمان وما تلاه من حروب وانقسام. ثم تولى الحسن الإمارة بطريقة غامضة اختلف الرواة وتصرفوا كثيراً في تصويرها. وكادت تقع حرب أُخرى لولا أن تدارك الله تعالى الأمر بسيدنا الحسن الذي أدرك بذكائه ووعيه أن المرحلة لا يصلح لها غير معاوية، وفعل ما يمليه عليه دينه وخلقه فتنازل له عن الرئاسة والتأم شمل الأمة مرة أُخرى.

كانت الحاجة ماسة إذن إلى وضع سياق لولاية العهد والانتقال الآمن للسلطة. ولم يكن شيء أصلح من تعيين الخليفة القادم من داخل الأسرة.

وهذه سبق إليها سيدنا علي ، لكنه لم يكن واضحاً فيها، وتأخرت حتى حانت ساعة وفاته، فكان من الممكن أن تخترمه المنية قبل أن يفعلها. فقد فعلها بصورة تقليدية ارتجالية وقى الله شرها. ولا ندري ماذا سيحصل لو أن علياً قتل ساعة أصيب، ولم تمهله الضربة أياماً حتى يرتب الوضع السياسي الداخلي على الوجه المطلوب.

مما امتاز به معاوية بعد نظره وتفكيره في مآلات الأمور، ولم يكن يقصر نظره على أمور الساعة فقط. لقد رأى أن تعيين الخليفة القادم لا ينبغي أن يترك للصدف والمفاجآت؛ فقد كلف هذا التهاون والتماهل الأمة كثيراً من الأثمان، وإنما يجب على الخليفة القائم أن يحسم اختيار من يليه في الحكم في حياته وهو صحيح سليم في عقله وجسمه، يملك القدرة على تنفيذه على أحسن وجه.

لمتابعة قراءة البحث .. أنقر هنا


التصنيفات

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

6521740849391641416

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث